مملكة الشيطان.. عندما يتحول الإفقار إلى سلاح للعدوان على اليمن

سامي عطا

عدوان لم ينتهِ بعد
في زمن الحروب، لا تنهار المدن فقط تحت وطأة القنابل، بل تنهار معها المعادلات الاقتصادية التي كانت تبدو ثابتة. فالحرب ليست مجرد اشتباكات عسكرية؛ إنها، كما قال الفيلسوف العسكري كارل فون كلاوزفيتز، «سياسة تُمارس بوسائل أخرى». لكن في اليمن، تحولت السياسة إلى اقتصاد مُفلس، والاقتصاد إلى أداة حرب، والحرب إلى مبرر للفساد المستدام.
منذ 26 مارس 2015م، لم يتوقف العدوان على اليمن، بل تعددت أشكاله: قنابل تحرق الحجر والبشر، وحصار يخنق التنفس، وسياسات مالية تُعمّق الجرح الاقتصادي. وحتى الهدنة التي هدأت فيها جبهات القتال، لم توقف جبهة الحصار الاقتصادي التي لا تزال مفتوحة حتى اليوم. وكما لاحظ توماس هوبز، الذي عاصر الحروب الأهلية في القرن السابع عشر، فإن البشر في حالة الحرب « مدفوعون أساساً بالمصلحة الذاتية والرغبة في القوة «، وهذه الرغبة هي ما يغذّي استمرار الأزمة اليمنية.
أولاً / انكماش الاقتصاد في زمن الرصاص
قبل اندلاع الحرب، كانت ثروات اليمن النفطية تغطي نحو 85% من ميزانية الدولة، وكان باب الرواتب السنوي للموظفين يستحوذ على ما يقرب من 50% من الميزانية العامة. لكن الحرب، بتداعياتها، لم تكتفِ بتدمير البنية التحتية، بل دمّرت المعادلة المالية برمتها. فقد لحقت بالاقتصاد اليمني، منذ اندلاع الحرب، « خسائر اقتصادية جسيمة تفوق في تقديراتها الأولية 100 مليار دولار «، وفق تقديرات مركز الجزيرة للدراسات.
ولم تقتصر الخسائر على الأرقام المجرّدة؛ فقد انكمش الناتج المحلي، وتراجعت الصادرات، وتوقف تصدير النفط والغاز، وتحولت الموارد العامة إلى أدوات تمويل للأطراف المسيطرة. وفي خضم هذا الانهيار، أصبحت بيئة الحرب، بطبيعتها، بيئة طاردة للاستثمارات، وأقصى ما يمكن للسلطة فعله هو منع البلد من أن يغدو بيئة طاردة لرؤوس الأموال الموجودة أصلاً. وكما قال آدم سميث، أبو الاقتصاد الحديث، فإن « ثروة الأمم لا تقاس بما تملكه من ذهب وفضة، بل بما تتمتع به من قدرة إنتاجية «. وفي اليمن، تدمّرت القدرة الإنتاجية، وبقيت الذهب والفضة في خزائن الفاسدين.
ثانياً / معضلة 85% .. من يدير المال ومن يدير الناس؟
المعضلة اليوم ليست فقط في غياب المال، بل في غياب العدالة في توزيعه. فمنابع الثروات النفطية باتت تحت سيطرة سلطة ما يسمى» الشرعية « وتحالف العدوان، بينما تظل كتلة الموظفين في صنعاء تنتظر رواتبها من سلطة لا تملك المال. وهذا غير منطقي ولا معقول.
لكن الأكثر إيلاماً أن البؤس والشقاء لم يعودا حكراً على مناطق سلطة صنعاء، بل يعيشهما الشعب في المناطق « المحتلة « أيضاً. وهنا يبرز السؤال المحير: كيف يمكن لسلطة تدير 85% من إيرادات البلد مع ربع أو ثلث السكان أن تفشل في توفير الاستقرار؟ الجواب المسألة تكمن في « نظام الفساد « الذي انتهجته السلطة منذ ما قبل الحرب، وهو النظام نفسه الذي ثار عليه الناس في فبراير 2011م.
تشير التقارير إلى أن « الفساد، أو إساءة استخدام السلطة لتحقيق مكاسب خاصة، راسخ بعمق في الاقتصاد السياسي اليمني «. وقد صنّفت منظمة الشفافية الدولية اليمن ضمن أكثر الدول فساداً خلال العقدين الأخيرين. وهذا الفساد ليس وليد اللحظة، بل امتداد لسياسات نظام أدار البلد بارتهان أفراد سلطته للجنة الخاصة السعودية بـ « العمالة «.
ثالثاً / مملكة الشيطان وعودة الفساد
في هذا السياق، إن  « مملكة الشيطان « التي تتمسك بـ» تلابيب « نظام فساد بائد وتصر على إعادته إلى سدة الحكم في صنعاء. وهذا الوصف، رغم حدّته، يعكس إحباطاً عميقاً من رؤية قوى إقليمية تراهن على نظام فشل في إدارة البلاد، وتصر على تكريس الفشل ذاته.
فالسلطة التي لم تستطع إدارة 85% من الإيرادات مع ربع السكان اليوم، كيف يمكنها إدارة 100% من إيرادات البلد على كامل السكان؟ هذا السؤال هو « معضلة راهنة « سببها « سلطة 7/7 ورعاتها الإقليمين «. وهو سؤال يذكرنا بمقولة هوبز عن أن « الحروب الأهلية تبقى البلاد في دوامة من النزاعات «، فاليمن اليوم يعيش دوامة من الفساد والفقر، والحل الوحيد لكسرها هو كسر تبعية السلطة لمن يمولها، لا لمن تمثلهم.
رابعاً / نحو حل .. من الاتكال إلى التمكين
قد يطرح البعض هذا السؤال ، ما الحل؟ والإجابة التي سنقدمها ليست يوتوبيا سياسية، بل رؤية واقعية تقوم على محورين:
أولاً / أن يترك الناس روح الاتكال على الحكومة، ويبادروا إلى خلق خيارات بديلة. هذه الدعوة إلى « الاعتماد على الذات « ليست تنصلاً من مسؤولية الدولة، بل هي، في ظل غياب الدولة الفاعلة، ضرورة بقاء.

قد يعجبك ايضا