“الصمود الأربعيني” يُسقط حسابات سمسار البيت الأبيض ويُزلزل تل أبيب

د/نجيبة مطهر

أثبتت طهران أن القوة الصلبة المرتبطة بالصمود السياسي قادرة على صياغة الجغرافيا السياسية، وأن زمن فرض الإملاءات الغربية قد ولى إلى غير رجعة، واضعةً “سماسرة العقارات” أمام حقيقة واحدة أن خرائط المنطقة تُرسَم اليوم من طهران حيث لم يكن مشهد الأيام الأخيرة مجرد جولة تصعيد عسكري عابرة في الشرق الأوسط، بل كان إعلاناً رسمياً عن ولادة نظام إقليمي جديد.

إن تراجع إدارة ترامب وجلوسها على طاولة المفاوضات مع طهران، والقبول بالشروط الإيرانية كاملة، صدم الدوائر الغربية وحلفاء واشنطن الصهاينة. ولكن القراءة العميقة لسلوك البيت الأبيض تفكك هذا المشهد خارج إطار المفاجأة العاطفية، وتضعه في سياقه الحقيقيواول إطار هذا المشهد هو: اصطدام “براغماتية العقارات” الأمريكية بـ”أيديولوجية الصمود الاستراتيجي” الإيرانية. لماذا؟ لأن عقلية “الصفقة” وتجنب المستنقعات ولفهم السلوك الأمريكي، يجب ألّا نقرأ دونالد ترامب كقائد أيديولوجي ملتزم بحلفاء واشنطن التاريخيين، بل كـ “سمسار عقارات” يدير السياسة الخارجية بمنطق الخسارة والربح المالي من خلال الاتي:
•معادلة الكلفة والعائد: عندما تحولت المواجهة العسكرية إلى استنزاف حقيقي كبّد البنتاغون خسائر فادحة — تمثلت في تدمير قواعد حيوية وإسقاط فخر الصناعة الأمريكية مثل مقاتلات الشبح $F-35$ وقاذفات $F-15$ وطائرات الإنذار المبكر (الأواكس) — أدرك ترامب أن الكلفة الاقتصادية والسياسية لاستمرار الحرب تتجاوز بكثير أي عائد جيوسياسي محتمل.
•شعار “أمريكا أولاً” :فالتزام ترامب أمام ناخبيه بإنهاء “الحروب اللامتناهية” دفعه لتراجع تكتيكي يحمي أسواق النفط والاقتصاد الأمريكي، معتمداً استراتيجية التخلص من الأعباء المباشرة وإلقاء تكاليف إعادة الإعمار (صندوق الـ300 مليار دولار المقترح) على الخزائن الخليجية.
•عقيدة الردع المتكاملة وفرض طهران شروطها.
لأن الانتصارات السياسية الإيرانية في هذه المواجهة لم تكن وليدة الصدفة، بل نتاج تطبيق صارم لعقيدة عسكرية وسياسية متكاملة من خلال
• وحدة الساحات، فقد نجحت طهران في تحويل حلفائها في محور المقاومة إلى شبكة أمان متبادلة وعمقت مركب الردع، بحيث غدا أي استهداف لإيران يعني اشتعالاً فورياً للمنطقة برمتها؛ من إغلاق مضيق هرمز شريان الطاقة العالمي، مروراً باستهداف القواعد الأمريكية في الخليج، وصولاً إلى تحويل حيفا وتل أبيب الكبرى إلى ركام وأطلال.
•التفاوض تحت النار : لم تذهب الدبلوماسية الإيرانية للمفاوضات من موقف استجداء، بل فرضت شروطها بعد أن أثبتت ذراعها العسكرية قدرة ردع غير مسبوقة. وكما صرّح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بحسم: “صواريخ إيران جرى تصنيعها لقصف العدو وليس للتفاوض حولها”.
4 –  زلزال في تل أبيب:
تجلّت ارتدادات هذا الاتفاق في حالة “النواح” السائدة في الأوساط الصهيونية، والشتائم غير المسبوقة التي كالها الإعلام الإسرائيلي لنائب الرئيس الأمريكي (جي دي فانس)، واتهام مستشاري ترامب بمعاداة السامية. هذا الغضب يعكس تحولاً خطيراً:
للمرة الأولى في تاريخ العلاقات المشتركة، تشعر تل أبيب بأن واشنطن قد تقدم مصالحها القومية الذاتية والمالية على “الأمن المطلق لإسرائيل”. بعد أن بنى بنيامين نتنياهو استراتيجيته الطويلة على توريط أمريكا في حرب تدميرية ضد المشروع النووي والصاروخي الإيراني. واليوم، يرى اليمين الصهيوني أن ترامب باع إسرائيل بأرخص الأثمان، معترفاً بالصناعة الصاروخية الباليستية المتطورة لإيران وبقائها كدولة عتبة نووية مع رفع كامل للحصار الاقتصادي.
5 – الخرائط الجديدة للمنطقة
لقد فرض الصمود الإيراني واقعاً جديداً أعاد صياغة الخارطة السياسية برمتها؛ فبعد عقود من الهيمنة العسكرية الأمريكية المطلقة والوعود بحماية الحلفاء، تراجعت خطوط الدفاع الأمريكية لتسعى واشنطن خلف مخارج دبلوماسية تحفظ مصالحها الاقتصادية فحسب.
وفي المقابل، تحطمت استراتيجية “الضغوط القصوى” التي أرادت عزل طهران واقتصداها، لتبرز إيران كقوة إقليمية عظمى معترف بترسانتها ونفوذها دون شروط مجحفة. هذا التحول الجذري أجبر العواصم العربية المحيطة على مغادرة مربع المظلة الأمريكية والتطبيع كأداة للمواجهة، والاندفاع نحو “الدبلوماسية الواقعية” التي ستترجم سريعاً في فتح قنوات حوار مباشرة وتدفق الوفود الدبلوماسية نحو العاصمة طهران.
6 – فخ الـ 60 يوماً..
بينما يحق لمحور المقاومة الاحتفال بنتاج صمود حرب الأربعين يوماً، فإن المدرسة الدبلوماسية الإيرانية التي خبرت أروقة المفاوضات طوال عقود ودون أن تتنازل مليمتراً واحداً عن حقوقها وتدرك أن الحذر من الخصم الأمريكي واجب استراتيجي:
أ- مهلة الستين يوماً: قد لا تكون رضوخاً أمريكياً نهائياً، بل مجرد “التقاط أنفاس” لإعادة ترتيب الأوراق، أو مناورة ترامبية لتهدئة الجبهة الداخلية قبل صياغة أدوات ضغط جديدة
•نقض العهود التاريخي: التاريخ السياسي يذكرنا دائماً بأن الإدارات الأمريكية تنقلب على التزاماتها (كما فعل ترامب نفسه عام 2018). وبالتالي، فإن الصمود في الـ 60 يوماً القادمة يتطلب إدارة ذكية وحاسمة لا تقل دقة عن الصمود العسكري في الميدان.
إن ما جرى لم يكن مجرد جولة عسكرية وضعت أوزارها، بل هو الإعلان الفعلي عن انتقال الشرق الأوسط من حقبة “الأحادية القطبية الأمريكية” إلى “تعددية الأقطاب الإقليمية”. لقد أثبتت طهران أن القوة الصلبة المرتبطة بالصمود السياسي قادرة على صياغة الجغرافيا السياسية، وأن زمن فرض الإملاءات الغربية قد ولى إلى غير رجعة، واضعةً “سماسرة العقارات” أمام حقيقة واحدة: خرائط المنطقة تُرسَم اليوم من طهران.

قد يعجبك ايضا