بين وجع المواطن وأمانة المسؤول

وفاء الكبسي

 

في الوقت الذي يواصل فيه المواطن اليمني صبره وثباته في مواجهة الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة، تتعاظم المسؤولية على عاتق كل من تولى شأنًا من شؤون الناس أو أُنيطت به مهمة من مهام الدولة. فالقرآن الكريم لا ينظر إلى المسؤولية بوصفها امتيازًا أو وجاهة اجتماعية، بل أمانة ثقيلة يُسأل عنها صاحبها أمام الله قبل أن يُسأل عنها أمام الناس، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾.
إن الشعب اليمني الذي قدم التضحيات الجسام وصمد في وجه العدوان والحصار يستحق أن يرى أثر تلك التضحيات في أداء المؤسسات، وفي مستوى الخدمات، وفي حضور المسؤول بين الناس لا بعيدًا عنهم. فالمشكلة ليست في قلة الإمكانات وحدها، بل في غياب الإحساس بمعاناة المواطن لدى بعض المسؤولين، حتى بات كثير من الناس يشعرون بوجود فجوة واسعة بين واقعهم المثقل بالهموم وبين واقع من يفترض أنهم يحملون مسؤولية خدمتهم. فالمواطن الذي يكافح لتأمين أبسط متطلبات الحياة لا يريد خطابات مطولة ولا وعودًا متكررة، بل يريد مسؤولًا يراه ويسمعه ويشعر بوجعه، ويعتبر معاناة الناس جزءًا من مسؤوليته المباشرة.
ومن أعظم المبادئ التي جاء بها القرآن الكريم مبدأ العدل والقسط، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾، وقال سبحانه: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾. ومن حق المواطن أن يتساءل: أين العدل حين تتسع الفوارق بين الموظف البسيط الذي يثقل كاهله الغلاء وأعباء المعيشة وبين أصحاب المناصب والامتيازات؟ وأين روح المواساة في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها الوطن؟ وكيف يمكن ترسيخ الثقة والإنصاف إذا أفرزت بعض الإجراءات والتصنيفات الوظيفية فئات متفاوتة في الحقوق والامتيازات، حتى بات كثير من الموظفين يشعرون بالغبن والتهميش، في الوقت الذي يفترض فيه أن تكون سنوات العدوان والحصار حافزًا لتعزيز العدالة وتقاسم الأعباء لا توسيع الفوارق بين أبناء المجتمع الواحد؟
إن العدالة الحقيقية لا تتحقق عندما يتمتع المسؤول بمزايا وامتيازات متزايدة بينما يعجز الموظف البسيط عن تلبية أبسط احتياجات أسرته، وإنما تتحقق عندما يشعر الجميع بأنهم شركاء في تحمل المسؤولية والتحديات، وأن معيار التفاضل هو حجم العطاء وخدمة الناس لا حجم الامتيازات والمكاسب.
لقد كان المنتظر في زمن العدوان والحصار أن يكون الجميع شركاء في تحمل الأعباء، وأن يكون المسؤولون أكثر الناس إحساسًا بمعاناة المواطنين وأقربهم إلى همومهم وأشدهم حرصًا على التخفيف عنهم. فالمنصب في ثقافتنا القرآنية مسؤولية وخدمة وتضحية، وليس وسيلة للامتياز أو التميز عن بقية أبناء المجتمع.
إن المنصب ليس حقًا شخصيًا ولا ملكية خاصة، وإنما تكليف مرتبط بالقدرة على الإنجاز وخدمة المجتمع. ومن لم يحسن الأداء، أو لم يعد قادرًا على النهوض بمسؤولياته، فليتحلَّ بالشجاعة الأدبية وليفسح المجال لمن هو أكفأ وأقدر وأجدر بتحمل الأمانة. فليس عيبًا أن يترك الإنسان موقعًا لم يعد قادرًا على خدمته كما ينبغي، بل العيب أن يتمسك به بينما تتراكم الإخفاقات وتتسع معاناة الناس.
وقد وضع القرآن الكريم معيارًا واضحًا في إسناد المسؤوليات حين قال تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾. فالقوة في الأداء، والأمانة في تحمل المسؤولية، هما أساس النجاح، وهما المعيار الذي ينبغي أن يحكم عملية اختيار القيادات وإسناد المهام. فبناء الدولة العادلة يبدأ بوضع الرجل المناسب في المكان المناسب، ومحاسبة المقصر، وتكريم المخلص، وإنصاف المظلوم.
ولعل من أبرز النماذج التي ينبغي استحضارها في هذا الجانب الشهيد الرئيس صالح الصماد -رضوان الله عليه-، الذي جسّد في سلوكه ومواقفه معنى المسؤولية بوصفها أمانة لا امتيازًا، وخدمة لا وجاهة، وحضورًا بين الناس لا ابتعادًا عنهم. فقد ارتبط اسمه بمتابعة قضايا المواطنين واستشعار معاناتهم والعمل الميداني رغم الظروف الاستثنائية التي كان يمر بها الوطن، وجسّد من خلال مشروعه الوطني «يد تحمي ويد تبني» مفهوم المسؤولية العملية التي تجمع بين الصمود والبناء وخدمة الناس.
إن المواطن المكلوم والمغبون لا يطلب المستحيل، وإنما يطلب عدلًا يلمسه، وإنصافًا يشعر به، ومسؤولًا يشاركه همومه ويترجم الأقوال إلى أفعال. وما أحوجنا اليوم إلى استحضار قول الله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾. فالمناصب زائلة والأمانة باقية، والتاريخ لا يخلد أصحاب المسؤوليات بقدر ما يخلد من أحسنوا أداءها.
فالمواطن لا يريد مسؤولًا يسكن المنصب، بل مسؤولًا يسكن هموم الناس، ويجعل من العدل والقسط وخدمة المجتمع معيارًا لأدائه، ويؤمن أن قيمة المنصب فيما يقدمه للناس من خير، لا فيما يمنحه لصاحبه من امتيازات.

قد يعجبك ايضا