يمثل التأريخ والتوثيق الشفوي أحد الأعمدة المعرفية المركزية في بناء الذاكرة الجمعية الفلسطينية، بوصفه أداة منهجية لحفظ الرواية الوطنية النضالية عبر جمع الشهادات الشفوية وتوثيقها وتحليلها وفق مقاربة علمية تربط بين التجربة الفردية والبنية الجمعية للذاكرة. ويكتسب هذا الدور أهمية مضاعفة في سياق الحرب الممتدة وما رافقها من محاولات لإعادة تشكيل الرواية التاريخية أو تشويهها أو تفكيك سياقها البنيوي، بما يجعل من التوثيق أداة معرفية فاعلة في الصراع على الوعي والسردية التاريخية.
تقوم هذه المقاربة على الدمج بين البحث الميداني والتوثيق التاريخي، عبر تحويل الشهادات الحية إلى مادة أرشيفية منظمة قابلة للتحليل والدراسة، بما يسهم في إنتاج أرشيف شفوي يعكس التحولات السياسية والاجتماعية والإنسانية في السياق الفلسطيني. وبهذا، يتحول التوثيق إلى جسر معرفي يربط بين الذاكرة الفردية والذاكرة الوطنية، ويعيد صياغة التجربة الفلسطينية بوصفها بنية معرفية تراكمية قابلة للتداول الأكاديمي والتحليل البحثي، لا مجرد سرديات متفرقة.
ورغم التراكم المعرفي الذي حققته المؤسسات الفلسطينية العاملة في مجال التوثيق، فإن اتساع حجم الكارثة الإنسانية وتضخم الوقائع الميدانية يفرضان ضرورة الانتقال من النمط التقليدي إلى منظومة توثيقية أكثر تطورًا وشمولًا، قادرة على استيعاب الكم والنوع في آن واحد. كما تبرز الحاجة إلى إعادة بناء مؤسسي شامل، يأخذ بعين الاعتبار ما تعرضت له البنى التوثيقية من خسائر مادية وبشرية خلال الحرب، بما يستدعي إعادة تفعيلها على أسس مهنية أكثر صلابة واستدامة.
في هذا السياق، يكتسب تطوير البنية المؤسسية والتقنية أهمية استراتيجية، من خلال اعتماد آليات حوكمة واضحة تُحدد الأدوار والمسؤوليات، وتعزز التكامل بين العمل الميداني والتحليل العلمي، وتؤسس لمعايير دقيقة في التوثيق والتحقق. كما يبرز الدور المحوري لتطوير الأرشفة الرقمية، وتوسيع شبكة الشراكات مع الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الإعلامية، بما يضمن تحويل المادة الشفوية إلى إنتاج معرفي رصين قابل للاستخدام الأكاديمي والبحثي.
وفي امتداد هذا الإطار، يبرز مشروع “ملحمة فلسطين عبر قرن” بوصفه نموذجًا موسوعيًا للتوثيق الممتد، يربط بين النكبة الفلسطينية عام 1948 وما سبقها من سياقات استعمارية مهدت لبنية الصراع، وصولًا إلى الحرب الممتدة في غزة، ضمن سردية تاريخية واحدة تُفهم بوصفها سيرورة متصلة لا حوادث منفصلة. ويقوم هذا النموذج على توثيق البنية العميقة للصراع باعتباره امتدادًا زمنيًا لاستهداف الإنسان الفلسطيني ومستقبله الجمعي، مع المزج بين البعد الأكاديمي والإنساني عبر توظيف الشهادات والوثائق والصور، بما يؤسس لسجل تاريخي-قانوني يحفظ الذاكرة الوطنية ويواجه محاولات الطمس والتشويه. كما يبرز هذا النموذج جدلية الصمود والإبادة بوصفها محورًا تحليليًا ناظمًا، حيث يتحول التوثيق إلى فعل معرفي مقاوم وأداة للعدالة التاريخية المؤجلة.
وفي سياق التطوير الاستراتيجي للذاكرة الوطنية الفلسطينية، تبرز الحاجة إلى إنشاء موسوعة تاريخية شاملة لتأريخ فلسطين ونضال شعبها عبر قرن كامل، لا بوصفها مشروعًا توثيقيًا تقليديًا، بل منظومة معرفية رقمية متكاملة تُقدَّم عبر تطبيق إلكتروني وموقع تفاعلي متعدد اللغات، بما يتيح الوصول إلى الرواية الفلسطينية عالميًا دون حواجز لغوية أو جغرافية. وتعتمد هذه الموسوعة على بنية متعددة الوسائط (Multimedia Archive) تجمع بين النص والصورة والفيديو والشهادات الحية، لتشكيل منصة توثيقية كبرى لحفظ الذاكرة الجمعية، وتحويلها إلى مصدر معرفي مفتوح للباحثين وصناع المعرفة حول العالم.
ويمتد هذا التصور إلى بناء مشروع وطني جامع للذاكرة الفلسطينية، يتجاوز الأطر المؤسسية الجزئية ليشكل منصة موحدة تضم أبناء الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية والقدس والشتات، بما يعكس وحدة التجربة التاريخية رغم تشتتها الجغرافي والسياسي. ويقوم هذا المشروع على مبدأ الشراكة الإنسانية الواسعة، من خلال فتح المجال أمام التطوع البحثي والتوثيقي والإعلامي بمشاركة الباحثين والطلبة والناشطين والمؤسسات الأكاديمية والحقوقية عالميًا، بما يحول حفظ الذاكرة الفلسطينية إلى جهد إنساني جماعي عابر للحدود.
وفي هذا الإطار، تبرز ضرورة توحيد الجهود البحثية والتوثيقية والإعلامية الفلسطينية والدولية ضمن منظومة واحدة متكاملة، تعيد تنظيم الطاقات المتفرقة في إطار معرفي موحد قادر على إنتاج سردية فلسطينية دقيقة وموثقة وذات حضور عالمي. ويتيح هذا التكامل بناء شراكات استراتيجية مع مراكز البحث والمؤسسات الأكاديمية ودوائر العمل الإنساني، بما يعزز الأثر العلمي والإعلامي للمشروع.
ويمثل هذا التوجه انتقالًا نوعيًا من كون التوثيق فعلًا مرتبطًا بسياق الصراع الوطني، إلى كونه مشروعًا إنسانيًا عالميًا جامعًا، ينحاز لقيم الحق والعدالة والكرامة الإنسانية، ويستنهض طاقات المؤسسات والمبادرات الدولية الداعمة للعدالة التاريخية. وبهذا المعنى، يتحول التوثيق إلى فضاء مشترك لإنتاج المعرفة والانتصار للقيم الإنسانية في مواجهة أنماط الظلم والعنصرية، وإلى إطار يعيد تعريف الصراع بوصفه صراعًا بين رواية تُوثَّق بالبرهان وأخرى تُفرض بالقوة.
ومن منظور استشرافي، فإن تطوير هذا المشروع ليصبح منصة معرفية وإعلامية مركزية لقضايا الذاكرة والثوابت الفلسطينية من شأنه أن يعزز حضوره في الفضاءين الأكاديمي والدولي، ويمنحه قدرة أعلى على التأثير في تشكيل السردية الفلسطينية عالميًا. كما أن الاستثمار في الكوادر المتخصصة وتطوير نماذج عمل مرنة سيشكلان عنصرًا حاسمًا في ضمان الاستدامة ورفع الكفاءة المؤسسية.
وبذلك، لا يعود التوثيق مجرد عملية أرشفة للماضي، بل يتحول إلى مشروع استراتيجي لحماية الحاضر وصياغة الوعي المستقبلي، ضمن سياق صراع مفتوح على الذاكرة والرواية والشرعية التاريخية.
*رئيس مركز غزة للدراسات والاستراتيجيات
