هل ينتهي العداء السعودي لليمن؟

يكتبها اليوم / محمد محسن الجوهري

 

وقعت طهران وواشنطن مذكرة تفاهم من شأنها حلحلة العداء في منطقة الخليج، أو على الأقل ستلعب دوراً في ضرب الهيمنة الأمريكية على الشرق الأوسط، إلى جانب أنها أثبتت للأنظمة الخليجية حجم إيران الفعلي، وبأنها قوة عظمى توازي اللاعبين الكبار في الساحة الدولية، وليست مجرد أداة كما هو حال الحكام العرب وأنظمتهم المتهالكة، وعلى رأسها النظام السعودي.

والسؤال هنا: هل ينتهي بذلك العداء السعودي لليمن، ويرتفع الحصار، وتنتهي التدخلات في الشأن السيادي اليمني؟

الجواب قطعاً لا؛ لأن العداء السعودي لليمن أكبر حتى من عمر الجمهورية الإسلامية نفسها، فالوصاية السعودية بدأت منتصف الستينيات مع وصول الرئيس عبد الرحمن الإرياني للسلطة، بعد أن ضمنت الرياض شراء الآلاف من الذمم المؤثرة في الداخل اليمني من شيوخ قبائل ورجال دين وغيرهم. وهي ترى أن اليمن يجب أن يبقى حديقة خلفية لها، ومحصوراً في حالة من الفقر وانعدام الأمن، كما ترى في نهوض اليمن واستعادته لسيادته تهديداً وجودياً لها؛ وهي النظرة ذاتها تجاه سائر الشعوب الحرة في المنطقة العربية.

ولا ننسى أن الرياض، وبعد سقوط الرئيس الإرياني، أقدمت على اغتيال الرئيس اليمني إبراهيم الحمدي لمجرد قيامه بحركة تصحيحية لاستعادة السيادة الوطنية وإقامة علاقات ندية مع دول الجوار، وهذا ما لم تقبل به الرياض، ورأت فيه تجاوزاً لسلطتها على الشعب اليمني، ولذلك شنت عدوانها على اليمن للأسباب نفسها، وحتى لا يخرج اليمن من قبضة العملاء والخونة الذين تديرهم لجنتها الخاصة المكلفة بإدارة الشأن اليمني.

وقد تقاطعت مصالح الرياض وتل أبيب في ذلك العدوان؛ فكلا الكيانين تأسس على يد الاحتلال الإنجليزي الذي ربط بدوره بين بقاء الأنظمة اللقيطة في المنطقة وحرية الشعوب الرافضة للاحتلال، وأولها الشعب اليمني؛ أي أن مصلحة السعودية من مصلحة “إسرائيل”، وقد ظهر تعاونها الوثيق في اليمن، والذي تجاوز التنسيق العسكري إلى التطابق حتى في المواقف الدينية والسياسية؛ فمن يهتف ضد الكيان فهو يهتف ضد آل سعود، فالجميع على ملة واحدة ويحسبون أن كل صيحة عليهم، تماماً كحال المنافقين ويهود يثرب في الزمن الأول.

والحل يكمن في التمسك بثوابت ثورة 21 سبتمبر المباركة التي من شأنها تحرير اليمن من الوصاية السعودية وتحرير المنطقة بكاملها من الصهاينة. وبما أن السعودية تترنح اليوم بسبب أزماتها الاقتصادية والأخلاقية، فهي في وضعية لا تسمح لها بالتصعيد العسكري من جديد؛ فأي مجازفة من هذا القبيل من شأنها إسقاط النظام، خاصةً أن عداواتها اليوم كثيرة، ومنها الأزمات الظاهرة مع نظامي الدوحة وأبوظبي، ولهذين النظامين أدواتهما وأوراقهما لزعزعة المملكة من الداخل، وبات سقوطها مطلباً ورغبة خليجية بامتياز قبل أن يكون عربياً وإسلامياً.

ومن باب الحكمة، فإن من مصلحة الرياض التهدئة الكاملة مع صنعاء، وأن تنفتح على كل الحلول لمعالجة الأزمات العالقة، وأولها آثار العدوان على الشعب اليمني؛ ما لم فإنها ستقف هذه المرة وحيدة أمام ضربات موجعة لا طاقة لها بها، سيما وأن اقتصادها يختلف جذرياً عما كان عليه قبل العدوان، فهي اليوم دولة مدينة وشبه مفلسة، والوضع المعيشي لسكانها هو الأسوأ منذ أكثر من أربعين سنة، فالغلاء تضاعف أكثر من خمس مرات خلال عقد ونيف، ومرشح لأن يتأزم بأضعاف إذا استمر عدوانها على اليمن.

أما بالنسبة لليمن، فليس هناك خسائر أفدح من تلك التي قدّمها الشعب خلال السنوات الماضية، ولا مانع لدينا من استمرار التضحيات في سبيل الكرامة وانتصار الإرادة الشعبية التي تُعدّ حقاً مشروعاً لا غبار عليه. وعلى الرياض أن تتذكر أن انتصارها -إن تحقق- هو انتصار لأعداء الأمة، بخلاف انتصار صنعاء الذي يمثل انتصاراً للأمة جمعاء.

لقد أثبتت المواقف المبدئية أنها أعظم قدراً ومكانة من الثروات النفطية، وأن قدسية الحق تظل دائماً أكبر من انتهازية الباطل ومصالحه الضيقة

قد يعجبك ايضا