كربلاء الحسيـن.. جبهـة وعي مفتوحـة

د. لقمان عبدالغني الأحمدي

 

يخطئ من يقرأ فاجعة كربلاء على أنها مجرد حدث تاريخي وقع في السنة الحادية والستين للهجرة وانتهى بسقوط الأجساد على رمضاء الطف.

صحيح أنّ التاريخ يسجل المعارك العسكرية كأحداث لها بداية ونهاية، لكن كربلاء لم تكن معركة عسكرية لحسم سلطة، بل كانت عملية تأسيس لمعيارية جديدة تفرز الحق عن الباطل إلى يوم القيامة.

من هنا، لم يُغلق ملف كربلاء باستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام)، بل انفتحت به جبهة وعي لا تزال قائمة حتى اللحظة، تتخطىٰ الجغرافيا وتتجاوز الزمن.

وفي المنعطفات الكبرى، تميل الجماهير غالباً إلى المنطقة الرمادية، حيث الصمت يُبرر بالحياد، والخذلان يُغلف بالحكمة. لكن نهضة الحسين (عليه السلام) جاءت لتنسف هذه المنطقة تماماً؛ فإما أن تكون في فسطاط الحق الذي يذود عن كرامة الإنسان ودينه، وإما أن تكون أداة في ماكينة الباطل، سواء بسيفك أو بصمتك.

اليوم، ونحن نعيش صراعاً محتدماً بين قوى الاستكبار العالمي وشعوب المنطقة المستضعفة، تقف كربلاء كبوصلة دقيقة لا تخطئ. إنها تعلّمنا أنّ الخيارات ليست دوماً بين النصر العسكري السريع أو الاستسلام، بل هناك خيار ثالث اسمه “الانتصار بالدم”؛ أن ترفض شرعنة الباطل حتى لو كلفك ذلك حياتك، لأن استسلامك اليوم يعني عبودية أجيال الغد.

وإِذا تأملنا في تكتيكات المعسكر اليزيدي في الطف، سنجدها تتطابق بشكل مذهل مع تكتيكات قوى الهيمنة المعاصرة. “حصار الماء” الذي فُرض على مخيم الحسين وأطفاله، هو ذاته سلاح العقوبات الاقتصادية، والحصار الخانق، وقطع الغذاء والدواء الذي يُمارس اليوم لتركيع الشعوب الحرة، وفي مقدمتها الشعب اليمني الذي واجه حصاراً طال أدق تفاصيل الحياة.

ورسالة الطف هنا واضحة الطاغية يضرب في أضعف نقطة إنسانية (الجوع والعطش) لكسر الإرادة، لكن الرد الحسيني الثابت “هيهات منا الذلة” أسس لقاعدة أن الحصار قد يقتل الجسد، لكنه أعجز من أن يطوّع الروح الحـرة أو يشتري الموقف المعمد بالوعي.

لم تكن جبهة الوعي لتكتمل لولا الدور الإعلامي والرسالي الذي قادته السيدة زينب (عليها السلام) والإمام السجاد (عليه السلام). لقد أثبتت كربلاء أن المعركة العسكرية الميدانية تحتاج إلى “معركة وعي” توازيها لتحفظ أهدافها وتفضح تزييف إعلام السلطة المضلل.

وفي معاركنا المعاصرة ضد أدوات التضليل، نتعلم من السيدة زينب (عليها السلام) كيف نحوّل قاعة المحكمة أو مجلس الطاغية إلى منبر لإعلان النصر وكشف الزيف.

الإعلام المقاوم اليوم، والصحفي صاحب الكلمة الحرة، هو امتداد لذلك الصوت الزينبي الذي أسقط إمبراطورية إعلامية كانت تصور الحسين كـ “خارجي”، فأعادته إلى وعي الأمة كـ “سيد للشهداء الأحرار”.

إن إحياء ذكرى عاشوراء ليس استدعاءً للبكاء المجرد، بل هو إعادة شحن للبطاريات الروحية وتجديد للبيعة مع خط الحق.

فكل قطرة دم سقطت في كربلاء كانت بمثابة بذرة وعي زُرعت في أرض التاريخ، وها نحـن اليوم نرى ثمارها في صمود حركات التحرر وشعوب المقاومة التي تأبى الانكسار.

صراع الحق والباطل مستمر، وكربلاء تذكرنا في كل عام أن النتيجـة الاستراتيجية محسومة: قد ينتصر السيف في جولة، لكن الدم هو من يكتب الكلمـة الأخيـرة في نهاية التاريخ.

 

 

قد يعجبك ايضا