مذكرة تفاهم إسلام آباد.. انتصار دبلوماسي ورسالة من إيران القوية إلى العالم

الثورة نت/..

شكّل توقيع مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن، الذي تم فجر الخميس ، انتصاراً دبلوماسياً واستراتيجياً واضحاً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وعكس نجاح طهران في ترسيخ نفوذها الإقليمي وتثبيت أوراقها التفاوضية على طاولة المجتمع الدولي.

جاء هذا التوقيع تتويجاً لسياسة الصبر الاستراتيجي والحضور الميداني التي انتهجتها إيران خلال السنوات الماضية، حيث تمكنت من تحويل الضغوط والعقوبات إلى فرص لتعزيز شراكاتها وتوسيع دائرة حلفائها، وفق مراقبين.

وبموجب المذكرة، تحقق طهران أهدافاً سياسية ظلت تسعى إليها طويلاً، أبرزها كسر العزلة الدولية، وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي والأمني، وتأكيد مكانتها كلاعب رئيسي لا يمكن تجاهله في المعادلات الإقليمية والدولية.

إن هذا الإنجاز لا يُقرأ فقط كنص اتفاق، بل كرسالة قوية بأن الإرادة الإيرانية قادرة على فرض شروطها وحماية مصالحها، وأن طهران اليوم أكثر رسوخاً وقدرة على رسم مستقبل المنطقة وفق رؤيتها الاستراتيجية.

رسالة من إيران القوية

ففي هذا السياق، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أن مذكرة التفاهم الموقعة تمثل “وثيقة تاريخية ورسالة من إيران القوية”، مشددًا على أن السلام سيتحقق في ظل الاحترام المتبادل بين الدول.

وقال بزشكيان في تدوينة على منصة إكس، إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تظل ملتزمة بالسلام العالمي، مع الحفاظ على عزتها واستقلالها.

وأضاف أن بلاده ماضية في مسار التقدم وتعزيز التعاون الإقليمي بما يخدم الاستقرار والتنمية في المنطقة.

ومن جهته، أكّد رئيس البرلمان ورئيس الوفد المفاوض الإيراني، محمد باقر قاليباف، أن الأميركيين هم من سعوا لوقف إطلاق النار، لافتاً إلى أن القوة الإيرانية دفعت دولاً أوروبية للتفاوض مع طهران بشأن رفع العقوبات.

وقال قاليباف، في مقابلة مع التلفزيون الإيراني: “كان العدو هو من يسعى وراء وقف إطلاق النار ونحن لم نكن نقبل به في البداية”، لافتاً إلى أنّه “خلال 24 ساعة عُقدت 3 جولات من المفاوضات حول النص و3 جولات من المفاوضات الثلاثية بحضور الوسيط”.

وأضاف أن “قوة إيران دفعت 3 دول أوروبية إلى السعي للتفاوض مع إيران من أجل رفع العقوبات”.

كما لفت إلى أنّ “أي مطار في أي دولة كانت تقلع منه مقاتلات العدو قد تعرض للضرب”، مضيفاً: “عندما يكون منطق العدو هو القوة يجب تأديبه ،ولكن عندما يأتي إلى طاولة المفاوضات يجب التحدث معه بعدم ثقة”.

وعن سقف التفاوض، لفت قاليباف إلى أن الوفد لديه توجيهات من قائد الثورة وواجبه هو تجسيد وتطبيق تلك التوجيهات في هذه المفاوضات”، مشيراً إلى أنّ “القضايا المطروحة الآن هي إنهاء الحرب الذي تم إعلانه وكذلك رفع الحصار الذي تحقق بالفعل”.

وفي معرض حديثه عن مضيق هرمز، أكّد رئيس الوفد الإيراني المفاوض، أنّ الممر لن يعود إلى ظروف ما قبل الحرب أبداً، منبهاً إلى أنّ “الدول المشاطئة للمضائق تمتلك حقوقاً وواجبات في القوانين الدولية، ومنها أن على الآخرين دفع تكاليف خدماتها”، وخلص إلى أنّ “إيران تمتلك حقاً سيادياً في مضيق هرمز وسنتلقى تكاليف مقابل الخدمات”.

نص يحقق مصالح إيران

من جانبه، أشار المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، اسماعيل بقائي، إلى أن الجمهورية الإسلامية أثبتت أنها لا تتخلى عن أصدقائها تحت أي ظرف، مضيفا أن “وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب في لبنان كانا ولا يزالان بالنسبة لنا على القدر نفسه من الأهمية التي نوليها لإيران”.

وأوضح أن اسم لبنان ورد ثلاث مرات في البند الأول من مذكرة التفاهم، كما تضمن النص تأكيداً على احترام وحدة الأراضي اللبنانية وسيادتها الوطنية.

وقال: “إن مهمتنا اليوم أصبحت أكثر صعوبة مما كانت عليه في السابق، لأن تنفيذ الاتفاقات الدولية أصعب بكثير من صياغتها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأطراف لا تلتزم بتعهداتها”.

وأكد بقائي أن “الجهاز الدبلوماسي الإيراني، مستنداً إلى الدعم الشعبي الشامل والتوكل على الله، تمكن من التوصل إلى نص يرى أنه يحقق مصالح البلاد ومنافعها الوطنية”.

وأشار المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إلى أن المهمة لم تنتهِ بتوقيع مذكرة التفاهم، بل بدأت مرحلة جديدة أكثر حساسية.

عملية إدارة أزمة مرحلية

وفي قراءة لها، قالت وكالة مهر الإيرانية للأنباء، إنه بالنظر إلى مجمل التطورات، يمكن القول إن مذكرة التفاهم ذات الـ 14 بنداً بين إيران وأمريكا ليست اتفاقاً نهائياً، ولا معاهدة سلام شاملة، ولا نهاية للخلافات القديمة بين البلدين.

واعتبرت أنه، يجب النظر إلى هذه الوثيقة على أنها بداية “عملية إدارة أزمة مرحلية”؛ عملية تهدف إلى خفض مستوى التوتر وخلق إطار للتفاعل المحدود والخاضع للرقابة.

وخلصت وكالة مهر، إلى أن “الخلافات الأساسية لاتزال قائمة، لكن شكل التعامل معها قد تغير؛ من المواجهة المباشرة إلى الإدارة التدريجية والتفاوض المرحلي”. مشيرة إلى أنه “في ظل هذه الظروف، فإن ما يهم ليس فقط محتوى الاتفاق، بل مسار تنفيذه، ومدى التزام الطرفين بالمراحل اللاحقة”.

وقالت “يبدو أن العلاقات الإيرانية الأمريكية قد دخلت مرحلة لا يمكن فيها الحديث عن نهاية الأزمة، ولا عن استمرار كامل للوضع السابق، بل يجب الحديث عن بداية مسار جديد ومعقد في إدارة الخلافات”.

اعتراف بالحقائق القائمة على الأرض

أما قناة العالم، فأشارت إلى أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، دائما ما كان يؤكد عدم التوصل إلى اتفاق لإنهاء عدوانه الصهيوأميركي ضد إيران دون “استسلام كامل غير مشروط” من طهران.

ونقلت القناة عن أستاذ التاريخ بكلية ماكسويل للمواطنة والشؤون العامة بجامعة سيراكيوز في نيويورك ، البروفيسور أسامة خليل، أن “مطالب ترامب السالفة تأتي في سياق تشتيت انتباه الأميركيين عن واقع الصراع”.

وأضاف خليل، أن “ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ، أطلقا حربا اختيارية، معتقدَين أن إستراتيجيتهما ستُجبر إيران على الاستسلام وانهيار الجيش والحكومة الإيرانية”.

وخلصت قناة العالم، إلى أن ما بدأ بدعوات إلى “الاستسلام غير المشروط لإيران” انتهى بالاعتراف بالحقائق القائمة على الأرض. فلم يحدث تغيير للنظام، ولم تُفكك القدرات الصاروخية أو المسيّرات الإيرانية، ولم يُنهَ نفوذها الإقليمي، ولم تتوقف دورة الوقود النووي، ولم يُنقل مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى الخارج.

وبدلاً من ذلك، تؤكد القناة، حافظت إيران على عناصر قوتها الوطنية الأساسية، مع حصولها على التزامات باحترام سيادتها، والإفراج عن أصولها المجمدة، ورفع العقوبات.

وتشير هذه النتيجة إلى أن صمود الشعب الإيراني، وقدرات قواته المسلحة، والدبلوماسية النشطة أسهمت في تحويل مسار الصراع نحو تفاهم يستند إلى واقع استراتيجي جديد.

مكسب سياسي ودبلوماسي لإيران

وقال الكاتب وليد عبدالناصر، إن أول الملاحظات على مذكرة التفاهم ما يتصل بتحول موضوع الملاحة في مضيق هرمز من مسألة لم تكن مثارة على الإطلاق قبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، إلى ما يصفه غالبية المراقبين والمحللين بأنه محور مذكرة التفاهم، وهو ما تظهره الإدارة الأمريكية وتروج له باعتباره إنجازا كبيرا حققته، أي ضمان حرية الملاحة في المضيق بعد توقيع مذكرة التفاهم.

واستطرد عبدالناصر في تحليل نشرته صحيفة الشروق المصرية، ” إلا أن تحليل تسلسل الأحداث خلال الحرب وفى الفترة التي أعقبت وقف إطلاق النار المعلن في 8 أبريل 2026 يقودنا بالضرورة إلى استنتاج هو أن الجانب الإيراني نجح في إيجاد مسألة خلافية، بل وأثرت ولا تزال على العالم بأسره، خاصة بالنسبة لإمدادات الوقود والأسمدة والمواد الغذائية؛ حيث لم تكن مسألة حرية الملاحة في مضيق هرمز مطروحة أصلًا كموضوع خلافي قبل اندلاع الحرب الأخيرة”.

وأضاف “تحولت هذه المسألة إلى كونها مسألة أساسية موضع نزاع بفعل إيجاد الجانب الإيراني لها كورقة ضغط في يده خلال الفترة الأخيرة، وذلك لموازنة ما يملكه الطرفان المعاديان لإيران من أوراق ضغط”.

واعتبر الكاتب أن “تحول موضوع حرية الملاحة في مضيق هرمز إلى الموضوع الرئيسي في مذكرة التفاهم، هو أمر يعد بكل المعايير الموضوعية مكسبًا سياسيًا ودبلوماسيًا لإيران ويشكل نجاحا لاستراتيجيتها الخاصة بإدخال موضوع حرية الملاحة في المضيق ضمن مطالب وشروط الجانب الأمريكي”.

تلبية معظم مطالب إيران السابقة

أما شبكة CNN الأمريكية، فقد قيّمت مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث اعتبرت أن “النص يتضح منه جلياً حجم التنازلات التي تقدمها الولايات المتحدة مقابل القليل من الطرف الإيراني”.

وقالت في تحليل نشرته حول المذكرة، “لقد تفاوضت الولايات المتحدة على اتفاقيات صعبة مع إيران، وهذه الوثيقة تبرز بشكل خاص في تلبية معظم مطالب إيران السابقة، والتي نادراً ما حصلت عليها”.

واعتبر التحليل أن “جوهر مذكرة التفاهم عملياً هو أن إيران تحصل الآن على الكثير، بما في ذلك عشرات المليارات من الدولارات، مقابل عدم إطلاق النار على السفن في مضيق هرمز”.

قد يعجبك ايضا