تحرك جاد نحو إرساء دعائم الإنتاج المحلي وتحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز الأمن الغذائي
دور الجمعيات التعاونية في إعادة هيكلة خطوط الإنتاج وتهيئة مسارات توطين المنتج المحلي:
الإسهام في ضبط توازن السوق المحلية بما يخدم مصالح المزارعين والمستهلكين معاً
الثورة / يحيى الربيعي- أحمد المالكي
تشهد البنية الاقتصادية والتنموية في اليمن، تحولات هيكلية جذرية ترمي إلى مغادرة مربع الاستهلاك والاعتماد المفرط على الواردات الخارجية، والتحرك الجاد نحو إرساء دعائم الإنتاج المحلي وتحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز الأمن الغذائي. وفي ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها سنوات العدوان والحصار، غدا العمل التعاوني الزراعي الركيزة الأساسية والمسار الذي لا غنى عنه لإعادة صياغة الواقع اليمني وتمكين المجتمع من إدارة موارده بكفاءة واقتدار.
وتتلاقى هذه التوجهات والخطط الاستراتيجية الشاملة لحكومة التغيير والبناء والرامية إلى تعزيز الأداء المؤسسي وتوسيع المشاركة المجتمعية لتحسين البنية التحتية التنموية مع موجهات السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي بأهمية الاتجاه نحو الإنتاج الزراعي.
وفي السياق، تستند الخطط التنموية للجمعيات التعاونية الزراعية متعددة الأغراض إلى حشد وتنسيق الجهود الفردية المبعثرة لصغار المنتجين والمزارعين، وتحويلها إلى كتل اقتصادية منظمة، تقودها كوادر مؤهلة عملياً ومهنياً ومزودة بمهارات إدارية عالية لإدارة عجلة إنتاجية قادرة على مواجهة ما تفرضه معضلة إغراق السوق الاستهلاكية المحلية بالمنتجات المستوردة من تحديات.
وتسهم الجمعيات بصورة مباشرة في تفكيك بنى وعقد ما يفرضه احتكار القلة من كبار التجار والوسطاء من تحديات مباشرة وغير مباشرة، وتحويلها إلى فرص تغيير وتحول مقاوم تتيح إيجاد توازن حقيقي وضبط دقيق لإيقاع السوق المحلية وتخدم مصالح المزارعين والمستهلكين معاً.
وعلاوة على ذلك، يمثل تفعيل العمل التعاوني مدخلاً رئيساً للحد من الفقر وتوزيع الثروة بشكل عادل في المناطق الريفية، فضلاً عن الدور الإستراتيجي للتعاونيات في إحداث هجرة عكسية من المدن المكتظة إلى القرى المنتجة عبر توفير فرص عمل مستدامة وتفعيل المبادرات المجتمعية على كافة الأصعدة الخدمية والإنتاجية.
حزمة متكاملة
الآليات التشغيلية في إدارة واستدامة سلاسل القيمة تعتمد الجمعيات التعاونية الزراعية على حزمة متكاملة من الوسائل والآليات المنهجية لتجاوز عقبات وتحديات السوق التقليدي لصالح تمكين المزارعين من الاستمرار في العملية الإنتاجية بصورة مستدامة وبأقل التكاليف الممكنة. وتتحرك هذه الآليات ضمن رؤية شاملة، تبدأ من تأمين المدخلات الأساسية، وصولاً إلى شراء المنتجات من المزارعين المنخرطين في عقود «الزراعة التعاقدية» بأسعار مجزية، ويمكن تتبع هذه المسارات في الجوانب التالية:
تتحرك الجمعيات التعاونية الزراعية لتجاوز العقبات التمويلية عبر تطبيق آلية الشراء المشترك، حيث تقوم بتجميع احتياجات المزارعين الأعضاء، ولاسيما المنخرطين معها في عقود «الزراعة التعاقدية» من مدخلات كالبذور، والأسمدة، والمبيدات الآمنة، وصولاً إلى الآلات الحقلية ومنظومات الطاقة الشمسية، لتشتريها بكميات تجارية ضخمة مباشرة من المصادر الأساسية، مما يضمن الحصول على أسعار مخفضة وجودة عالية مقارنة بالشراء الفردي العشوائي.
ويتكامل هذا المسار مع إستراتيجية التسويق المشترك التي تهدف إلى وضع خطط تسويقية موحدة لكافة محاصيل المزارعين الأعضاء والمتعاقدين، وتجميعها لبيعها بكميات كبيرة في الأسواق المحلية أو عبر قنوات التوزيع التعاونية البينية، مما يمنح المزارعين قوة تفاوضية كبرى ويقضي على سلسلة الوسطاء والسماسرة الذين يستنزفون هوامش ربح المنتج الحقيقي.
وفي سياق تعظيم القيمة المضافة للمحاصيل المحلية، تتدخل الجمعيات التعاونية لتسهيل التصنيع الزراعي المشترك من خلال إنشاء وحدات ومصانع صغيرة ومتوسطة لتجهيز وتعليب وتغليف المنتجات (مثل معامل معجون الطماطم، ومصانع تجفيف الفواكه والليمون، ووحدات إنتاج وتعبئة الألبان والأجبان)، وهو أمر يعجز المزارع المنفرد عن تحقيقه بمفرده، مما يضمن الحفاظ على فائض الإنتاج وزيادة الدخل القومي والأسري.
ويترافق ذلك مع توفير بنية تحتية للتخزين المشترك عبر بناء أو استئجار صوامع الحبوب ومستودعات التبريد لحفظ المحاصيل السريعة التلف، مما يجنب المزارع الاضطرار لبيع محصوله بأسعار زهيدة خوفاً من الكساد، ويمنحه المرونة لاختيار التوقيت الأنسب للبيع بسعر عادل.
قروض بيضاء
ولمواجهة شح التمويل البنكي التقليدي، تعتمد الجمعيات على آلية التمويل والائتمان الذاتي عبر إنشاء صناديق تكافلية وائتمانية تعاونية داخلية تقدم (قروضاً بيضاء) للأعضاء، لتمكينهم من شراء مستلزمات الإنتاج أو التوسع في مشاريعهم.
وتتوَّج هذه الحزمة اللوجستية بنقل المعرفة والتكنولوجيا الحديثة عبر تشكيل تكوين شبكة أمان تضامنية تدعم المزارعين كـ «تشكيل المجاميع الإنتاجية» وتنظيم «المدارس الحقلية»؛ للإسهام في توفير قنوات تبادل الخبرات بين المزارعين وانتقالها للأجيال وبما من شأنه ضمان مسار إرشاد زراعي مستمر لرفع وزيادة الكفاءة الإنتاجية وتحسين الجودة.
نجاح حقيقي
ويوضح المهندس مجيب الحكيمي- رئيس دائرة التخطيط والإحصاء بالاتحاد التعاوني الزراعي أن الجمعيات التعاونية حققت نجاحًا ملحوظًا في الزراعة التعاقدية، حيث تم توقيع 236 عقدًا مع التجار والشركات لسلاسل محاصيل منها القمح والثوم والتمور والبقوليات والذرة الشامية، بكمية 44,718 طنًا، بقيمة 15,019,442,223 ريالاً، ما ساهم في ضمان تسويق هذه المنتجات جزئيًا.
وأضاف الحكيمي أن الاتحاد التعاوني يعمل بالشراكة مع وزارة الزراعة والثروة السمكية على تحسين جودة المنتجات المحلية عبر سلاسل القيمة، ودعم برامج ما بعد الحصاد مثل القطف والتخزين والفرز والتجفيف، بما يعزز القدرة التنافسية للمنتجات المحلية.
تنظيم الإنتاج والتوزيع
ويؤكد المهندس الحكيمي، أن ثورة 21 سبتمبر 2014م مثلت نقطة تحول محورية في تاريخ العمل التعاوني الزراعي باليمن، فقد أعادت الاعتبار لدور الجمعيات التعاونية باعتبارها الحاضنة الطبيعية للمزارعين، والنواة الأساسية لتحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز الأمن الغذائي.
ويشير الحكيمي إلى أن توجهات القيادة الثورية والسياسية أسست مسارًا جديدًا للعمل، يعتمد على الشراكة المجتمعية والهوية الإيمانية والثقافة التعاونية، بهدف رفع الوعي وتنظيف الثقافات المغلوطة وتحويل التحديات إلى فرص، والإغاثة إلى تمكين، وصولاً إلى اكتفاء ذاتي يضمن الاستقلال والسيادة، ويؤسس لتنمية مستدامة تسهم في خلق الوظائف وحشد الموارد وتوليد الاستثمار وتعزيز الاقتصاد المجتمعي.
ايضاحات
وبحسب إيضاحات عدد من قيادات العمل التنموي، يمثل مسار تنظيم عملية الإنتاج الزراعي وتوزيع المحاصيل بين المزارعين والتخطيط المسبق للمواسم العقل المدبر الذي تدير به الجمعيات التعاونية النشاط الزراعي في ريف المحافظات اليمنية. فبدلاً من ترك المزارعين يزرعون بشكل عشوائي يؤدي إلى إغراق السوق بمحصول واحد وانهيار سعره، تنتهج الجمعيات سياسة «الزراعة الموجهة» التي توزع الأدوار والمحاصيل جغرافياً وزمنياً بما يتوافق مع الاحتياجات الفعلية للسوق المحلية والأولويات الوطنية لخفض فاتورة الاستيراد.
مشيرين إلى أن هذه العملية التنظيمية تعتمد على إعداد قواعد بيانات دقيقة وشاملة للأراضي الزراعية الصالحة للزراعة، وتحديد نوعية المحاصيل التي تجود بها كل منطقة بناءً على طبيعة تربتها ومواردها المائية. ومن خلال هذه البيانات، تضع الجمعيات خططاً موسمية تحدد مواعيد البذر والحصاد، وتوزع بذور المحاصيل الإستراتيجية كالحبوب والبقوليات والبطاطس على المجموعات الإنتاجية بآلية مرتبة تضمن عدم تداخل المواسم وحماية التربة من الإنهاك عبر تطبيق نظام الدورة الزراعية.
كما تسهم الجمعيات في التنسيق مع مكاتب الزراعة لتقييم الاحتياجات المائية وتنفيذ تدخلات ري مدروسة لإنقاذ المحاصيل في فترات الجفاف. ويجري كل ذلك تحت مظلة «الزراعة التعاقدية» التي تضمن للمزارعين عقود شراء مسبقة للمحاصيل الأساسية، مما يمنحهم الأمان المالي والدافع القوي للالتزام بالخطط الموسمية المعتمدة وتوزيع المحاصيل بالشكل الذي يضمن التنوع الغذائي واستقرار العرض والطلب في السوق الوطنية.
المسار المنهجي للنهوض بالقطاع الزراعي
وفي سياق متصل، يمثل «نموذج العمل التنموي المتكامل» الإطار المنهجي المأمول والمسار الإستراتيجي الذي تقوده مؤسسة بنيان التنموية وأكاديمية بنيان للتدريب والتأهيل، بالتنسيق الوثيق مع وزارتي الزراعة والثروة السمكية والموارد المائية والإدارة والتنمية المحلية والريفية والاتحاد التعاوني الزراعي وبالشراكة الميدانية مع شركاء التنمية في الحكومة والسلطات المحلية والمجتمع، لتحقيق ثورة زراعية تنموية مستدامة. وينطلق هذا النموذج من مبدأ رئيسي يتجاوز الأنماط الإدارية والخدمية الروتينية ليرتكز على تفعيل دور العمل التعاوني في الاستنهاض المجتمعي الشامل، وتفعيل طاقات المجتمع كقائد وممول أساسي للعمل التنمية.
رفع الكفاءة
ويسهم هذا المسار المتكامل في رفع كفاءة التنسيق الحكومي والمجتمعي المشترك لبناء وتأهيل البنية التحتية، وإقرار موجهات مشتركة تعزز دور الإعلام التنموي والزراعي في حشد الرأي العام نحو معركة السيادة والاكتفاء الذاتي، لا سيما أن مسارات العمل التنموي في هذا النموذج تشمل تأهيل الكوادر المجتمعية (فرسان ورائدات التنمية) لنشر ثقافة العمل التطوعي وحشد طاقات الأهالي لشق الطرقات، وبناء الحواجز المائية، واستصلاح الأراضي الصالبة، والتي أفرزت نتائج إيجابية وملموسة، تجلت، على سبيل المثال، في تنفيذ البرنامج التنموي المحلي التكميلي لعام 1446هـ في 50 مديرية، بالتعاون مع عدة وزارات ومؤسسات، حيث تم تنفيذ 19,785 مبادرة مجتمعية بتكلفة تقديرية 25,420,223,362 ريالاً يمنياً.
