الثورة نت/ ..
نص المحاضرة الخامسة لقائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي من دروس شهر ذي الحجة ضمن سلسلة “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم” .. السبت السادس من ذي الحجة 1447هـ/ الموافق 21 مايو 2026م.
أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.
الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.
أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:
السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
استكمالاً للحديث على ضوء الآية المباركة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[البقرة:104]، كنَّا تحدَّثنا في محاضرة الأمس عن أهميَّة المقاطعة للبضائع الأمريكية والإسرائيلية، وقدَّمنا ما ذكره شهيد القرآن “رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ” في هذا السياق في بعض من دروسه (من هدي القرآن الكريم)، وله أيضاً نصوص كثيرة حول هذا الموضوع، وطرح واسع؛ لأنه من المواضيع المهمة.
الطرح هنا في هذا السياق على ضوء الآية القرآنية المباركة، كان مركَّزاً وملخَّصاً، كما سبق الحديث عنه، ونعيد هذا النص للأهمية، قال “رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ”: ((هذه الآية تعتبر شهادةً فيما يتعلَّق بالمقاطعة الاقتصادية، ألم يحصل هنا)) يعني: في الآيات القرآنية المباركة: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا}[البقرة:104]، ((ألم يحصل هنا مقاطعة لكلمة؟ قاطع المسلمون كلمة في أيام رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم”؛ لأن استخدامها يمثِّل ماذا؟ دعماً لليهود، إذاً فقاطع بضائعهم؛ لأن بضائعهم تشكِّل دعماً مادياً كبيراً لهم، وتفتح عليك مجالاً لأن تتقبَّل كل ما يريدون أن يوصلوه إلى بدنك، إلى جسمك، من سموم، أو من أشياء لتعقيمك؛ حتى لا تنجب، وتورِّث عندك أمراضاً مستعصية، أشياء كثيرة جدًّا، مع تقدمهم العلمي يعتبرون خطيرين جدًّا، سيطرتهم على الشركات التي تعتبر متطوِّرة في صناعات أشياء كثيرة من المواد السامة، عناصر كثيرة تستخدم، قد أصبحوا يستخدمون عناصر تؤثِّر نفسياً، تقتل عندك الاهتمام، تصبح إنساناً بارداً، لا تهتم، ولا تبالي، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[البقرة:104])).
تحدَّثنا على ضوء هذا النص في نقاط سابقة، عن أهميَّة المقاطعة الاقتصادية للبضائع الأمريكية الإسرائيلية:
• أولاً: بحساب المعيار الديني والإيماني:
المسألة يترتب عليها مسؤولية كبيرة في دين الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”؛ لأن الدعم لليهود وللنصارى في حربهم ضد الإسلام والمسلمين، وفيما يقومون به من إفسادٍ في الأرض، وإضلالٍ للناس، وإجرامٍ، وظلمٍ، وطغيان، يمثِّل وزراً كبيراً وعظيماً، وقد يكون مثل هذا الوزر، هو الذنب الكبير جدًّا للكثير من الناس، وقد يتفاجؤون يوم القيامة حينما يأتون وهم مشتركون في جرائم اليهود، وهي جرائم رهيبة للغاية، عندما نشاهد- مثلاً- ما يعملونه من إجرام رهيب في الظلم للشعب الفلسطيني، في الظلم لشعوب أمَّتنا، كل أشكال الظلم: القتل للأطفال، للنساء.
عندما يأتي الإنسان يوم القيامة ويجد نفسه شريكاً معهم في تلك الجرائم الرهيبة الفظيعة جدًّا، في:
– جرائم الإبادة الجماعية.
– جرائم التجويع حتى للأطفال والنساء، والكبار والصغار.
– جرائم الإضلال، والإفساد في الأرض.
جرائم من أبشع، وأفظع، وأكبر الجرائم، ومن أكبر الذنوب والمعاصي، وهذه قضية خطيرة جدًّا، يعني: تستحق من الإنسان الانتباه، اليقظة، الحذر، الالتفاتة الجادة إلى المسألة؛ لأن الكثير من الناس يغفلون عن مثل هذه الأمور، يغفلون بشكل كبير جدًّا، حسابهم، ونظرتهم، وتقييمهم لما يعتبر- مثلاً- من المعاصي والذنوب، نظرة محدودة، وحسابات محدودة جدًّا، وفق ما يعرفونه، في نطاق معرفة ضعيفة جدًّا، ليس هناك- مثلاً- استيعاب للقرآن الكريم، لهدى الله، لتعليمات الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، مع أنَّ الله حذَّر بشدَّة من التعاون على الإثم والعدوان، وكذلك من تقديم ما فيه خدمة للأعداء، حتى في هذه الآية المباركة حينما قال: {وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[البقرة:104]، وفي الآية المباركة: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ}[المائدة:2]، أمر بالتقوى، وتحذير من المخالفة في ذلك، وآيات كثيرة في كل ما يمثِّل خدمةً لأولئك الأعداء، {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}[المائدة:51].
فالبعض من الناس- مثلاً- قد يكون حريصاً في أعماله وتصرفاته أن يتجنَّب الذنوب، التي صارت من الذنوب المعروفة، يعني: مما يعرف الناس أنها ذنوب، مثل: أن يتورَّط في جريمة قتل بشكل مباشر، أو جرائم أخرى من الجرائم الواضحة، التي عادةً ما يعرفها المجتمع بأنَّها جرائم، وثُقِّف، وقُدِّم إليه في التعليم الديني والخطاب الديني التحذير منها كجرائم، وفي فطرة الناس المعرفة بأنها الجرائم، ولكن قد يغفل الإنسان عن جرائم رهيبة جدًّا، وعن ذنوب فظيعة للغاية، من مثل هذه: أن يساهم بماله في دعم اليهود، بما يرتكبونه من جرائم رهيبة جدًّا، هي أكبر الجرائم على وجه الأرض:
– إن جئت إلى جرائم القتل، فأكبر جرائم القتل يمارسونها، من قتلهم للأطفال الخُدَّج، بل وحتى للنساء الحاملات، إلى قتل الأطفال الرُّضَّع، إلى قتل الأطفال في كل مراحل الطفولة، إلى قتل الكبار والصغار، إلى قتل عباد الله المجاهدين، إلى قتل الناس بشكلٍ عام، إبادات جماعية، وطغياناً، وإجراماً، وظلماً بغير حق.
– إن جئت إلى جرائم الإفساد في الأرض، فهم يرتكبون أبشع جرائم الإفساد في الأرض، ويهلكون الحرثة والنسل، ويسعون للانحراف بالمجتمع البشري عن كلِّ التعاليم الإلهية القيِّمة، ويعملون على إضلال الناس… أشياء كثيرة جدًّا.
فقضية خطيرة على الإنسان حينما يكون، والبعض قد يكون من المتدينين، الذين يحرصون على الالتزام الديني، ولكن حينما لا يكون هناك وعي واهتداء بالقرآن الكريم، واهتداء بالقرآن الكريم، فقد لا يتوفَّق الإنسان في التقوى، في تحقيق التقوى كما ينبغي، الله قال عن القرآن الكريم: {هُدًى لِلْمُتَّقِينَ}[البقرة:2]، مما يلازم التقوى: الاهتداء بالقرآن، إذا أراد الإنسان أن يكون فعلاً متقياً لله، ملتزماً إيمانياً ودينياً، فهو بحاجة إلى الاهتداء بالقرآن الكريم، لن تكتمل له التقوى، ولن تتحقَّق التقوى له بشكلٍ كامل، إلَّا من خلال الاهتداء بالقرآن الكريم، فالمسألة بحساب الاعتبارات الدينية، والمسؤولية الدينية والأخلاقية، ذات أهمية كبيرة جدًّا.
مما لا شك فيه، أنَّ الأعداء اليهود وأعوانهم من النصارى، فريق الشر من أهل الكتاب، يستفيدون بشكلٍ كبيرٍ جدًّا من البضائع، من العائدات المالية، الإيرادات المالية، وأنَّ قوَّتهم بكلها على المستوى العسكري… وعلى كل المستويات، هي تعتمد أساساً على القوَّة المادية، على الإمكانات المادية، هي الركيزة الأساس لكلِّ قوَّتهم، سواءً القوة العسكرية، أو القوَّة في كلِّ المجالات، وهم يعتمدون على الإمكانات الاقتصادية، والقوَّة الاقتصادية هي ذات أهمية كبيرة جدًّا في مختلف المجالات.
• ثم كذلك أهمية المقاطعة لبضائعهم فيما يتعلَّق بالصِّحَّة، والسلامة من الأضرار الناجمة عن استخدام منتجات مسممة من جانبهم، أو كذلك فيها عناصر ومواد ذات ضرر خطير على نفسية الإنسان، أو ذهنيته:
هم أعداء، وأعداء سيئون جدًّا، لا يتورَّعون من فعل أي شيء، بل يحرصون على فعل ما فيه الضرر، كما قال الله عنهم: {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ}[آل عمران:118]، يعني: هم يودُّون أن يلحق بكم أشد الضرر؛ ولذلك يفعلون ما فيه الضرر بهذه الأمَّة، ويحرصون على ذلك، ومع تقدُّمهم العلمي، وتمكُّنهم في المجال الصناعي، فهم يحرصون على فعل ذلك، وهناك حقائق وتفاصيل كثيرة، وأملنا من إخوتنا الأعزَّاء في المجال الإعلامي، من المجاهدين في ميدان الإعلام، أن يركِّزوا على كشف هذه الحقائق بالتفصيل، من خلال ما قد انتشر عنها من معلومات وتفاصيل، ذات أهمية كبيرة جدًّا، وفائدتها كبيرة جدًّا؛ لأنها شواهد ومصاديق تنبِّه الناس، وبالذات من يريد أن يستفيد، ومن ينتفع، ينتفع بما يسمع من الحقائق والحق.
ما يؤثِّر على المستوى النفسي، على المستوى الصحي البدني… على كافَّة المستويات، ومن الغباء أن يدفع لهم الإنسان قيمة ما يضره، يعني مثلاً: قد يكون العدو فيما مضى من الزمن، وحتى ربما في أيِّ عصر، قد يعاني، ويبذل جهداً كبيراً، ويحتاج إلى الحيلة ليوصل سماً إلى عدوه، ليستهدفه- مثلاً- بالسم؛ أمَّا هؤلاء يجعلون سمومهم في منتجات استهلاكية، والناس يشترونها منهم، المسلمون يشترونها منهم بأغلى الأثمان، ويستهلكونها، ويتضررون منها، وقد دفعوا الثمن، وربح اليهود أرباحاً هائلة، وأرباحاً مضاعفة.
ولهذا- فعلاً- الحالة بالنسبة للمسلمين هي حالة تبعث على السخرية لدى أولئك الأعداء، يعني: يسخرون من هذه الأمَّة من موقع أنَّها- فعلاً- تجعل نفسها في محط السخرية فيما تتعاطاه معهم، على أساس الغباء، الغباء الفاحش، الغباء الرهيب، انعدام الرشد.
من المعلوم قطعاً أنهم يعملون على تلويث الكثير من المنتجات، بما يسبب أمراض السرطان، وأمراض فتَّاكة، أمراض متنوعة، أمراض خطيرة؛ ولهذا فللمقاطعة لبضائعهم أهمية صحِّيَّة، والأهمية الصحِّيَّة ينبغي لكل إنسان راشد- الإنسان يحرص على سلامة نفسه- أن يهتم بها، وأن تكون دافعاً له إلى مقاطعة بضائعهم.
• تحدَّثنا عن أهميَّة المقاطعة لبضائعهم في التحرُّر من سيطرتهم وتحكُّمهم بشعوبنا:
لأن شعوبنا حينما تكون معتمدةً في غذائها، في قوتها الضروري، في احتياجاتها الأساسية، على أعدائها، يصبح هذا الاعتماد ورقة ضغط بيد الأعداء، وهذا شيء واضح، ومن المعروف أنهم يستخدمون الضغوط الاقتصادية، والمقاطعة، هم يعتمدون المقاطعة والضغوط الاقتصادية كسلاح رئيس لاستهدافهم لهذه الأمَّة ولغيرها، يعني: من مختلف الشعوب، حتى الشعوب المتحرِّرة في أقصى الأرض، يستخدمون ضدها سلاح المقاطعة.
الضغوط الاقتصادية- في كثيرٍ من الأحوال- عادةً ما تكون عبارة عن مقاطعة اقتصادية، يعني مثلاً: يمنعون على بلدان معيَّنة، يمنعون عليها الاستيراد لبضائع أو منتجات معيَّنة من احتياجاتها الأساسية، عن طريق قوانين، أو قرارات بالعقوبات على من يبيعها تلك السلع، أو تلك المنتجات، ويمنعون كذلك من شراء منتجاتها، عن طريق قرارات بالعقوبات على من يشتري منها تلك المنتجات.
فالأعــــداء، اليهود والصهاينة (أمريكا، وإسرائيل)، هم يدركون أهميَّة هذا السلاح (سلاح المقاطعة)، وهم الأكثر تفعيلاً له في ميدان المواجهة والصراع، ضد عالمنا الإسلامي، وبلداننا الإسلامية، ما فعلوه مع كثير من بلداننا الإسلامية، يعني مثلاً: ضد إيران، ضد العراق، ضد ليبيا في مراحل معيَّنة، ضد سوريا في مراحل معيَّنة، وضد اليمن في مراحل، وفي هذه المرحلة، وضد كثيرٍ من البلدان في العالم أيضاً، ضد كوبا وهي خارج العالم الإسلامي، لا زالت الإجراءات الأمريكية الظالمة مشدَّدة ضد الشعب الكوبي، في الحصار الاقتصادي، والمقاطعة الاقتصادية، وضد بلدان كثيرة.
فلماذا؟ لماذا يستفيدون هم من هذا السلاح ضد أمَّتنا الإسلامية، ولا تستفيد منه أمَّتنا الإسلامية في مواجهتهم؟ وقد تجلَّى أنَّه سلاح مؤثِّر، يعني: يمثِّل عاملاً مؤثِّراً على الناس حتى في معيشتهم، في سبل عيشهم، في وضعهم الاقتصادي، في نهضتهم الاقتصادية.
الشيء الغريب جدًّا جدًّا جدًّا: أنَّ البلدان في العالم الإسلامي، بحكوماتها الغبية، والجائرة، والظالمة، والموالية لأمريكا وإسرائيل، هي فعلاً تلتزم بالمقاطعة الاقتصادية، لكن لمصلحة أمريكا، يعني: من تقرِّر أمريكا ضده مقاطعة اقتصادية، فمن أكثر البلدان التزاماً للأمريكي والإسرائيلي، وللحركة الصهيونية؛ لأن القرارات الأمريكية، هي قرارات لخدمة الحركة الصهيونية، وفي إطار ما يخدم الصهاينة ويخدم اليهود بشكلٍ أساسي، فالأكثر التزاماً، التزاماً حرفياً وبعناية، هم العرب، معظم الأنظمة العربية تفرض حالة الالتزام بالمقاطعة، مقاطعة لدولة إسلامية هنا، أو دولة إسلامية هناك، مع أنَّه كان بإمكان المسلمين أن يكون لهم سوق إسلامية مشتركة، وألَّا يقبلوا أبداً بقرارات المقاطعة التي تصدرها أمريكا؛ لأنها ظالمة، ولأنها تستهدف هذه الأمَّة، هنا قد تكون- مثلاً- في مرحلة معيَّنة ضد بلد، في مرحلة أخرى ضد بلدٍ آخر، في مرحلة أخرى ضد بلدٍ ثالث… وهكذا، واستخدموها ضد السودان، ضد بلدان كثيرة يعني، أحياناً في بضائع معيَّنة، أو منتجات معيَّنة، يستخدمونها هنا أو هناك.
فهم يستفيدون من هذا السلاح، ولا تستفيد منه أمَّتنا، بل الحكومات في أمَّتنا تتَّجه للالتزام معهم، وإعطاء قراراتهم فاعلية، يعني: كان من الممكن أن تكون القرارات الأمريكية، فيما يتعلَّق بمقاطعة بلدان إسلامية غير ذات جدوى، ولا تأثير، بمجرَّد ألَّا تلتزم بها الدول الإسلامية، ومن حقها ألَّا تلتزم بها، ويمكنها ذلك، يمكنها ذلك، ومع هذا تتَّجه هي، وقبل غيرها من البلدان والدول، إلى الالتزام بإخلاص عجيب، لو أخلصوا لله بعشر عشر ما أخلصوا به لأمريكا؛ لكان وضع الأمَّة الإسلامية مختلفاً عمَّا هو عليه إلى حدٍ كبير، لصالح هذه الأمَّة: عزَّةً، وشرفاً، وكرامةً إنسانية، وقوَّةً اقتصادية وعسكرية.. وغير ذلك.
لكن الحال مؤسف جدًّا: الأعداء هم يستخدمون هذا السلاح، يأتي العرب والمسلمون بسبب حكوماتهم للتنفيذ معهم، وإعطاء قراراتهم الفاعلية العالية، والالتزام! لو يلتزمون بالقرآن الكريم، بمثلما يلتزمون به بالقرارات الأمريكية؛ لكان وضع الأمَّة الإسلامية مختلفاً- فعلاً- عمَّا هو عليه بكثير.
• تحدَّثنا عن أهميَّة المقاطعة الاقتصادية للبضائع الأمريكية والإسرائيلية، كحافزٍ للإنتاج المحلي:
وهذا متاح، وله أهمية كبيرة جدًّا، والشيء المؤسف للغاية في بلداننا، والملحوظ أنه يتزايد أيضاً، هي: الحالة النفسية، والحالة المعرفية تجاه مسألة الإنتاج المحلي، والسعي للاكتفاء الذاتي في الأمور الضرورية، وفي مقدِّمتها: الغذاء، والقوت الضروري للحياة، يعني: ليس هناك فقط تفريط في هذه المسألة، واعتماد شبه كلي على الاستيراد من باب خطأ في السياسة الاقتصادية؛ بل يمتد ذلك إلى الحالة النفسية، في حالة كسل عن الإنتاج المحلِّي، يعني: الأمَّة، هذه الشعوب تفقد حالة النشاط، التوجُّه العملي، الروح العملية في الإنتاج، وتستبدل الروح العملية في العمل الإنتاجي، بحالة الكسل، وحالة اليأس، وثقافة العجز، إلى درجة وكأنه ليس بإمكان هذه الأمَّة- كما قال شهيد القرآن “رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ”- أن تربي دجاجةً ولا بقرةً، فعلاً يعني.
يعني: نحن نعرف- مثلاً- في واقعنا اليمني، في مراحل معيَّنة، كان أبناء الشعب اليمني في الأرياف ينتجون نسبة كبيرة من احتياجاتهم الغذائية، في البيوت يعني، في معظم الأرياف اليمنية كان يتوفَّر في بيوت الناس، في منازلهم: البيض، الدجاج، الأبقار، الثروة الحيوانية، وإنتاج الثروة الحيوانية من الألبان، والسمن… وغير ذلك، أشياء كثيرة، إضافة إلى إنتاج نسبة جيدة من المحاصيل الزراعية المتنوعة، المحتاج إليها في الغذاء، تقلَّص ذلك حتى انعدمت هذه الثروة وهذا الإنتاج في معظم الأرياف، وصل إلى درجة الصفر، يعني: أصبحت الكثير من البيوت، الكثير من الأسر، لم تعد تستفيد أبداً من الإنتاج بهذا المستوى، في مثل ما كان عليه الحال ما قبل خمسة عشر عاماً، عشرين عاماً، اختلفت المسألة بشكل كبير جدًّا، وأصبحت الحالة حالة استهلاكية ومثقلة، يعني: مكلِّفة مالياً، تصبح عبئاً مالياً على الكثير من الأسر، توفير أبسط الاحتياجات، يعني: حتى أصبح شراء البيض- مثلاً- لكثيرٍ من الأسر معضلة، مكلفاً مالياً، مع ظروف اقتصادية صعبة، وظروف حصار اقتصادي، وحرب ظالمة على شعبنا العزيز… وغير ذلك، والأمثلة كثيرة، والتفاصيل كثيرة حول هذه الأمور.
فالحالة النفسية هي خطيرة جدًّا، تسود في أوساط الناس ثقافة العجز، حالة الكسل، التصوُّر وكأنه ليس بإمكان الناس أن ينتجوا أي شيء، التحوُّل إلى البطالة في كل شيء، التسيُّب العملي، هذه حالات خطيرة حتى نفسياً، تقتل في نفوس الناس الروح العملية، الأمل، الثقة بالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، والثقة بأن بإمكانهم بالاعتماد على الله، بالتوكُّل على الله، أن يكون أمَّةً منتجة.
وقابل ذلك- كما قلنا- التوجُّه العجيب جدًّا من رجال المال والأعمال إلى الاستيراد لكلِّ شيء، لكل التفاصيل، يعني: إلى درجة يندهش الإنسان منها، شوك القطب- [القُطْبَة] تسمَّى في التعبير المحلي- من أكثر الأشواك توفُّراً في بلدنا يعني، يأتون بها، يشترونها من الخارج بالدولار، أنواع من التربة، أنواع من الصخور… أشياء كثيرة جدًّا، من أبسط الأشياء، لا زالوا حتى الآن يستوردون الملاخيخ بالدولار! الملاخيخ! ملخاخ يشترى بالدولار من الخارج، أبسط الأشياء التي يمكن إنتاجها بكل بساطة.
لكن عندما تنعدم الروح العملية والإنتاجية، فهذه الحالة هي خطيرة على الناس، يصبح الناس في حالة من البطالة، وحالة من التسيُّب، حتى الجانب المعرفي ينخفض لدى الناس، الجانب المتعلِّق- مثلاً- بالإتقان في العمل، بالمهارة العملية في مختلف المجالات، تتضاءل، يصبح الناس ليس لديهم معرفة، ولا خبرة، ولا إتقان في أي عمل، يصبحون غير عمليين، لا يمتلكون الروح العملية، ولا الخبرة العملية، ولا المعرفة العملية، يتضاءل كل شيء في واقعهم، يهبطون إلى مستويات فظيعة جدًّا، وهذه إشكالية كبيرة جدًّا.
عندما تصبح شعوبنا تتثقف بثقافة العجز، تتَّكل على أعدائها في أساسيات حياتها، تتصوَّر أنَّه لا حل لها إلَّا بالاعتماد على الاستيراد من عندهم، تفقد الروح العملية والإنتاجية بشكلٍ كامل، يكون الإنسان فاقداً للمعرفة، للخبرة، للمهارة العملية، في معظم الأشياء، فهذا نقص، نقص كبير جدًّا، نقص في مستوى جانب الإنسان في معرفته، كفاءته، مهاراته، يعني: تهبط بالناس في مستواهم الإنساني، القيمة الإنسانية، المهارة الإنسانية، ما أودع الله في الإنسان من طاقات وقدرات، إذا تحرَّك واستثمرها؛ لأن في نعم الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، في مقدِّمة النعم الإلهية: النعم التي أنعم الله بها على الإنسان في نفسه، ما منحه الله به من المدارك، والطاقات، والقدرات، ثم ما منَّ عليه في هذه الحياة من نعم كثيرة جدًّا، هذه مسألة مهمة جدًّا، يعني: حتى على المستوى النفسي.
• ثم فيما يتعلَّق بالنهضة الاقتصادية:
الوضع الاقتصادي عادةً هو وضعٌ ضاغط، يعني: حتى لو تجاهله الناس، أو لم يهتموا بالحلول فيه، فهو يضغط عليهم تلقائياً؛ لأنه يضغط على وضعهم المعيشي، في طعامهم، في شرابهم، في مسكنهم، في حاجتهم للدواء، في احتياجاتهم الأساسية في الحياة، والضغط فيه ضغط مؤثِّر على الناس، يعني: لا يمكن تجاهله، لا يمكن تجاهله، فلابدَّ من التوجُّه العملي، الذي يمثِّل حلاً للناس، وليس كمثل ما يفعله البعض، ماذا يفعل البعض؟ البعض من الإعلاميين، البعض من الوسائل الإعلامية، البعض من غير الإعلاميين، يعني: من أبناء المجتمع، لا يتَّجه بحلول عملية، ولا برؤى عملية، دائماً يتَّجهون إلى ما يخدم الأعداء، وهو: التحريض، والإثارة، التحريض على الفتن، التحريض على المشاكل؛ لتتفاقم أكثر، التحريض لتفكيك بنية المجتمع… وغير ذلك، أو طرح ما هو غير ممكن ولا متاح، يعني: الحديث عن أطروحات ليست قائمة في كلِّ العالم.
النهضة الاقتصادية هي نهضة تتحرَّك فيها الشعوب، يعني: لا تتصوَّروا وضعيةً فيها شعب يجلس في حالة من البطالة، لا يعمل شيئاً، لا يتحرَّك أي تحرُّك، وتأتي له حكومة تقدِّم له الأموال إلى كلِّ منزل، وتوفِّر له كل المتطلبات الحياتية إلى كل أسرة، هذا ليس موجود في أي مكان في العالم، مهما كانت الإمكانات الاقتصادية، والإيرادات المالية، والثروات الوطنية المتوفِّرة في أي بلد، فالنهضة الاقتصادية هي نهضة أمَّة نهضة شعب، نهضة شاملة، تحرُّك عملي، تحرُّك إنتاجي.
ما بالك حينما يكون الوضع مثلما هو الحال عليه في بلدنا:
– الثروات الوطنية السيادية من نفط وغاز تحت سيطرة الأعداء، ويحرمون شعبنا منها.
– الحصار الاقتصادي شديد جدًّا على بلدنا، وأكثر من أيِّ بلد عربي أو إسلامي آخر، حتى الأصناف الممنوعة على بلدنا في الاستيراد، مما هي ذات إيجابية، أو يستفيد منها شعبنا، هي بنسبة كبيرة جدًّا، والسماح بالأشياء التي لا قيمة لها، وتخدم الأعداء، أو تجعل شعبنا متَّكلاً حتى في أبسط الأشياء على الاستيراد، ويستفيد منه أعداؤه، يعني: حتى الجانب السعودي هو يستفيد أموالاً طائلة من الأشياء التافهة التي يمكن للتجار أن ينتجوها في البلد بكل بساطة، بدون أي عناء، أشياء معروفة، يعني: من من الاستهلاكيات العادية والمتنوعة البسيطة جدًّا، لكن تذهب أموال كثيرة إلى السعودي، ولا يكفيه ما يحصل عليه من إيرادات هائلة جدًّا من النفط في الجزيرة العربية.
على كلٍّ، هذا الجانب جانب مهم جدًّا، إذا أردنا حلولاً لوضعنا الاقتصادي، لمعاناتنا المعيشية كشعبٍ يمني، وهكذا بالنسبة لبقية شعوب أمَّتنا؛ لأنها بكلها تعيش وضعية الأزمات الاقتصادية، يعني: حتى مختلف البلدان لديها مشاكل اقتصادية، البعض منها وهي لا تعيش الظروف التي نعيشها في اليمن، من حصار، وعدوان ظالم على المستوى العسكري والشامل، وهي تعيش ظروفاً شبيهة بظروفنا أو أقسى من ظروفنا، ولربما- مثلاً- الكثير من أبناء الشعب المصري يعيشون في مستوى البؤس، والحرمان، والفقر، والمعاناة، بأكثر مما يعيشه الكثير من أبناء شعبنا اليمني، في مصر يعني، في دول المغرب العربي، دول أفريقية أخرى، بلدان كثيرة تعيش في وضعية مأزومة جدًّا.
الحل للوضع الاقتصادي هو أولاً: الرجوع إلى الله، والتقوى لله، وضمن التقوى لله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، القيام بالمسؤوليات المتعلِّقة بالمجال الاقتصادي، التحرُّك بشكل صحيح، التحرُّك العملي الجاد، من منطلقات صحيحة، والحذر أيضاً من الأشياء المحرَّمة، مثل: الربا ونحوه، والاتِّجاه العملي الإنتاجي، هذا شيء مهم جدًّا.
التجَّار الذين يتَّجهون إلى الاستيراد، لا يتصوَّرون أنَّ هذا يمثِّل حلاً لهم، يعني: البعض- مثلاً- تغريه نسبة الأرباح، وشراء البضائع الجاهزة والإتيان بها إلى البلد، ولكن مع الوقت تتفاقم المشكلة الاقتصادية، يزداد التضخُّم الاقتصادي، تتكدَّس البضائع في الأسواق، تنعدم القدرة الشرائية للناس، للمجتمع، للشعب؛ فتبقى بضائعهم في مخازنهم، وفي محلاتهم التجارية، لا تنفق لهم السلع، إذا وجَّهوا ولو نسبةً- بالتدريج- من الأموال الهائلة، يعني: في العام الواحد مليارات الدولارات تخرج من البلد إلى جيوب البلدان الأخرى وبنوكها، في سبيل شراء كل الأشياء والمتطلبات الحياتية، التي يمكن إنتاج أكثرها في البلد، فيعتمدون على الاستيراد، إذا اتَّجهت ولو نسبة من هذه الأموال إلى الوضع الداخلي؛ بالتأكيد سيتغير الواقع تماماً، الوضع المعيشي سيتغير تماماً، وتكون الدورة الاقتصادية في البلد (إنتاج، واستهلاك) لمصلحة حتى التجَّار أنفسهم، يستفيدون الكثير من الأموال، وتتعالج هذه المشكلة التي هي تكدُّس البضائع في المخازن والمحلات التجارية، والناس يتفرَّجون عليها، حتى حينما يذهبون للتسوق، لا يقتنون الأموال للشراء، تصبح عملية التسوق أكثر ما تكون للتفرُّج، وتتحوَّل البضائع إلى مناظر، مناظر طبيعية يشاهدها الناس ويتفرَّجون عليها دون القدرة على شرائها.
فجزءٌ من الحلول الأساسية للوضع المعيشي، للوضع الاقتصادي، لضمان نهضة اقتصادية، هو: بالتوجُّه نحو الاكتفاء الذاتي، نحو الإنتاج في بلدنا، والاستفادة من المقاطعة لبضائع الأعداء وشركاتهم العابرة للقارات، الاستفادة من ذلك في سبيل العمل على نهضة اقتصادية حقيقية في بلدنا، هذا شيء مهم جدًّا، ويفيد حتى لتحريك اليد العاملة، والاستفادة من المواد الخام في البلد، والاستفادة من نعم الله الموجودة، المقومات الاقتصادية، الموارد الاقتصادية، الاستثمار لها.
البلد فيه موارد ضخمة جدًّا على المستوى الزراعي، على مستوى مواد البناء، على مستوى المعادن… على مختلف الأمور يعني، أشياء كثيرة جدًّا، هذه مسألة مهمة.
ومن المؤسف جدًّا، الوضعية الكارثية للأمَّة في إسهامها مع العدو ضد نفسها، بما هو إسهام مباشر، مثلما شرحنا في محاضرة الأمس، وهذا شيء معروف: أنَّ أكثر الأموال العربية، وأكثر الثروات في العالم الإسلامي، هي تصب لصالح الأعداء؛ ولذلك حينما سمَّى (الكافر ترامب) سمَّى السعودية بأنها [بقرة حلوب]، فعلاً يعني بهذا المعنى، وهذه النظرة هي التي ينظر بها أعداء هذه الأمَّة إليها، يريدونها أن تكون [بقرةً حلوباً]، يحلبونها حتى يجف ضرعها، ثم يقضون عليها، وهذا شيء مؤسف جدًّا، أن تكون الأمَّة مسهمة، حبل كبير، هذا حبل كبير لليهود، الذين ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة، أن يكونوا هم وشركاتهم، أن تكون أمريكا وإسرائيل أول وأكبر المستفيدين من ثروات الأمَّة الإسلامية، وإمكاناتها الاقتصادية، وأموالها، وأن تكون شعوب هذه الأمَّة، هي الأكثر بؤساً، وشقاءً، وعناءً، بالرغم من كل ذلك، هذه من الأمور المحزنة جدًّا، المحزنة للغاية.
المسؤولية في الجهاد في سبيل الله بسلاح المقاطعة، هي مسؤولية كبيرة على هذه الأمَّة بكلها، بكل شعوبها؛ لأنها وسيلة متاحة لكل الناس في كل الشعوب، يعني: حتى- مثلاً- في بلدان الخليج، في مصر، في بلاد الشام… في مختلف البلدان، في العالم الإسلامي بكله، في كل قطرٍ منه، في كل بلدٍ منه، يمكن للناس أن يقاطعوا البضائع الأمريكية والإسرائيلية، وبضائع الشركات اليهودية الصهيونية، التي هي تابعة للحركة الصهيونية، ويستفيد منها العدو الإسرائيلي، هذا سلاح متاح، وفعَّال، يؤثِّر على العدو تأثيراً حقيقياً بالغاً.
ولهذا قلنا في محاضرة الأمس: أنَّه من واجب الإخوة في الإعلام، والقنوات، والوسائل الإعلامية المجاهدة، الواعية، الراشدة، التي تسعى لما فيه الخير لهذه الأمَّة، من واجبها أن تركِّز على هذه المسألة: أن تكشف مستوى التأثير للمقاطعة، حتى في تجارب قد حدثت في المراحل الماضية، وإن كانت تأتي في ظل أوقات أو مستويات متفاوتة، مع ضعف الوعي في أوساط أمَّتنا الإسلامية، يعني: قد يتفاعل الناس في مرحلة معيَّنة بمستوى أفضل، أو في بعض الشعوب، حصل تفاعل مصري في أوساط الشعب المصري في مرحلة معيَّنة، نتج عنه: إفلاس شركات صهيونية وغربية داعمة للعدو الإسرائيلي في تلك المراحل، وهناك معلومات تفصيلية: أسماء تلك الشركات، كم كانت خسائرها…إلخ. وهكذا في أوساط الشعوب العربية، وفي البلدان الإسلامية، في غير العالم العربي، يعني: في غير المنطقة العربية، شعوب إسلامية كبرى، عندما تتَّجه للمقاطعة، تؤثِّر، تؤثِّر؛ لأن الأعداء يعتمدون على بلداننا كسوق استهلاكية ضخمة وكبيرة؛ نظراً لانعدام الحالة الإنتاجية في أوساط أمَّتنا، تكاد تكون صفراً.
فهذه الوسيلة المتاحة، المؤثِّرة، وغير المكلِّفة، يعني: ليس لها ارتدادات أو مشاكل، يعني مثلاً: أسرة في الخليج، في أي بلد من بلدان الخليج، تركت البضائع الأمريكية والإسرائيلية، وبضائع الشركات الصهيونية العابرة للقارات، وهناك البدائل عنها متوفَّرة، ليس الناس مضطرون، ليس الناس في حالة اضطرار لشراء البضائع الأمريكية الإسرائيلية، هناك بدائل، ولهـذا تكبر المسؤولية:
– لأن هناك بدائل.
– لأن هذه الوسيلة سهلة جدًّا.
– لأنها فعَّالة ومؤثِّرة على العدو.
فالمسؤولية كبيرة جدًّا على الناس، ثم تقاطع تلك البضائع، وتشتري من البدائل، هل سيحصل عليها شيء؟ هل سيحصل لها مشكلة؟ هل يمكن أن تكون تبعات ذلك سجن، أو إعدام… أو أيٍّ من العقوبات؟ لا، يمكن أن يؤدِّي الإنسان في الشعوب المكبوتة، المقهورة، المغلوبة على أمرها، أن يؤدِّي هذا السلاح، أو هذا الواجب، هذه المسؤولية بكل راحة بال، بكل اطمئنان، من دون أي قلق، من دون أي خوف، من دون أي تبعات، لا سجن، بطريقة حتى صامتة، إذا كان في وضعية صعبة للغاية، يتأثَّر أو يتضرَّر حتى بالحديث عن الموضوع، فهو لن يتضرَّر أي تضرُّر بالتطبيق العملي، والالتزام العملي بالمقاطعة، واعتماد الشراء لبضائع أخرى، لبدائل أخرى.
وتلك البلدان عادةً هي الأكثر استهلاكاً، والأكثر إمكانيةً وقدرةً شرائية، يستفيد منها العدو الأمريكي، والعدو الصهيوني، مثلاً: في بلدان الخليج، وربما هي من البلدان الأكثر استهلاكاً لبضائع الشركات الصهيونية العابرة للقارات، وأصبح هناك ترويج حتى للبضائع التي ينتجها العدو الصهيوني الإسرائيلي بشكلٍ مباشر، والبضائع الأمريكية، يمكنهم في بلدان الخليج، وأن يكون لذلك تأثير كبير؛ لأنهم الأكثر شراءً، والأقوى قدرةً شرائيةً، ويستفيد العدو بشكل أكبر بالتالي منها، كذلك في مصر… في بلدان كثيرة.
كل البلدان الإسلامية، يمكن لشعوبها أن توسِّع تفعيل هذا السلاح، وهو مؤثِّر، الأعداء قوَّتهم قوَّة مادية، القوَّة والقدرة الأمريكية هي مادية، القوَّة والقدرة الغربية هي مادية، القوَّة والقدرة الصهيونية هي مادية، كلما أُلحق بهم الضرر في قدرتهم المادية؛ تأثَّروا في بقية الأشياء، وهذا شيء مهم جدًّا، وهذا جزء من الجهاد بوسيلة متاحة، ميسَّرة، سهلة، ممكنة، وتأثيرها كبيرٌ جدًّا على الأعداء، وينزعجون منها، ينزعجون منها، وعبَّروا عن ذلك، لهم مواقف، لهم تصريحات، وهم- كما قلت- يفعلونها أصلاً ضد أمَّتنا الإسلامية.
ولهذا فالوزر في التفريط، حتى في الوسائل السهلة، المتاحة، التي يمكن للإنسان أن يفعِّلها ضد العدو، بدون أي تبعات، بدون أي مشاكل، الناس يهربون من أن يكون لأي موقف تبعات معيَّنة، أو مشكلة معيَّنة، من دون أي مشاكل حتى، التفريط في ذلك وزر، ذنب، معناه: أنَّ الإنسان يصرّ على أن يدعمهم بماله، أن يتعاون معهم على الإثم والعدوان، أن يكون شريكاً لهم في جرائمهم، في الظلم والطغيان، وبدون أي مبرِّر، ليس مضطراً إلى ذلك، ليس محتاجاً إلى ذلك، إن حسبنا حساب الحاجة الاستهلاكية، فهناك البدائل، وإن حسبنا حساب أي حسابات أو اعتبارات، ليس لدى الإنسان أي مبرِّر إطلاقاً، فالمسؤولية كبيرة جدًّا في ذلك، هذا جانب.
أيضاً هناك درس مهم جدًّا نستفيده من الآية المباركة، في قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا}[البقرة:104]، {لَا تَقُولُوا}، {وَقُولُوا}، المسؤولية الدينية والأخلاقية في ما نقول، وما لا نقول، وهذا مجال واسع، يدخل من ضمنه الجانب الإعلامي، الجانب الإعلامي الذي يتحرَّك فيه الكثير من الناس، ولاسيَّما عندما أتت مسألة التواصل الاجتماعي، وحتى ما قبلها، الكثير من الناس يتحرَّكون فيه بدون أي ضوابط أخلاقية، ولا دينية، ولا أي اعتبارات تتعلَّق بخدمة قضايا أمَّتهم، قضايا شعوبهم، قضاياهم؛ لأن قضية أمَّتك هي قضيتك، وهي قضية شعبك، ولا تتعلَّق بها أيضاً أي اعتبارات لأمن شعوبهم… ولا لأي شيء أبداً، حالة من الانفلات العجيب جدًّا في التعاطي مع هذه المسألة، لا ينظرون إلى ما الذي قد يخدم أعداءهم مما يقولونه.
هنا نجد في الآية القرآنية المباركة: الأمر بمقاطعة مفردة عربية، والنهي عن استخدامها، لماذا؟ لأن العدو يستفيد من ذلك، حينما نحسب حساب هذا المعيار: ألَّا نقول ما يخدم الأعداء، ما يستفيد منه الأعداء، ما هو خدمة يفيد الأعداء، وأن نقول ما يفيد أمَّتنا، ما يدخل في حساب الحق، والعدل، والقضايا العادلة، وما يفيد الناس، وأن نقول كلمة الحق في مواجهة الطغاة، والجائرين، والمستكبرين، واليهود، أن نقول ما ينبغي أن نقوله بحساب الحق والعدل، ومقتضى الحكمة، أن نقول القول السديد الذي أمرنا الله أن نقوله.
أيضاً نحتاج إلى الوعي والمسؤولية تجاه (ما نقول، وما لا نقول) بشكلٍ عام، يعني: في معاملاتنا، في واقعنا، في اهتماماتنا، وأيضاً في المجال الإعلامي، الجانب الإعلامي مما يحتاج إلى وعي، إلى رشد، إلى أن ندرك أنَّ الالتزام فيه جزءٌ أساسيٌ من التزامنا الإيماني والأخلاقي والديني، وأنَّه ليس بمعزلٍ عن ذلك، يعني: ليس مباحاً فيه أي شيء، أن يقول الإنسان ما دام سيكتب في مواقع التواصل الاجتماعي، أو ينشط إعلامياً في أيِّ وسيلة من وسائل الإعلام، أنَّ له أن يقول أي شيء، وأن يكون منفلتاً من كل الضوابط الأخلاقية والدينية، تحت عنوان: [حُرِّيَّة الإعلام].
حُرِّيَّة الإعلام لا تعني حُرِّيَّة الكذب، والبهتان، والدجل، ولا تعني حُرِّيَّة التشويه للحقائق، والتزوير للحقائق، والخدمة للباطل، وممارسة الإضلال، ولا تعني أيضاً إباحة هتك الأعراض بغير وجه حق، والإساءة إلى الناس بغير وجه حق، والتَّفلُّت في كل شيء: البذاءة في الكلام، الافتراء، التحريض لخدمة الباطل، العمل لخدمة الأعداء، التقديم للمعلومات لهم… أشكال كثيرة.
هناك نسبة كبيرة من الجرائم، في مقابل نسبة كبيرة ذات أهمية كبيرة أيضاً من القيم المهمة، تتعلَّق بما يقوله الناس، يعني: المسؤولية الدينية والأخلاقية فيما نقول، وما لا نقول، هي مسؤولية كبيرة جدًّا؛ لأن هذا جانب أساس في حياة الناس، مجال ما يقولونه، ويعبِّرون عنه، ويتحدَّثون فيه؛ ولهذا ارتبطت به مسؤوليات كثيرة، وأيضاً تتعلَّق به من جانبٍ آخر إذا انطلق الإنسان في حالة التَّفلُّت، جرائم كبيرة جدًّا، من أكبر الجرائم التي تكبُّ الناس على مناخرهم في نار جهنم، كما في الحديث النبوي الشريف.
نجد الكثير من الآيات القرآنية تتحدَّث حول هذه المسألة، أولاً: ترسيخ المسؤولية الإيمانية والدينية، والشعور بالرقابة الإلهية فيما نقول، هذه المسألة ليست مسألة منفلتة، وعنوان [حُرِّيَّة التعبير] هو عنوان مخادع، أتى به الغرب في غير محلِّه الصحيح، حتى عندهم أشياء معيَّنة لا يقبلون فيها بحُرِّيَّة الإعلام، ولا بحُرِّيَّة التعبير، بما في ذلك مثلاً: الانتقاد لجرائم اليهود، هذا مما لا يسمحون به أبداً، تنتهي حُرِّيَّة التعبير، وحُرِّيَّة الإعلام، حينما تكون المسألة انتقاداً لجرائم اليهود، وتضامناً مع الشعب الفلسطيني وشعوب أمَّتنا الإسلامية.
ولهذا عندما نأتي للقرآن الكريم، نجد أنَّ الله يقول: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}[ق:16-18]، الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” يبيِّن لنا هذه الرقابة؛ لكي نستشعرها، مع أنَّه غنيٌ عن ذلك؛ لأنه يعلم حتى بما توسوس به نفس الإنسان، أي ليس الله بحاجة إلى أن يجعل عن يمين الإنسان وعن شماله رقابة دائمة فيما يعمل وفيما يقول، {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ}[ق:18]، والكتابة هي مرتبطة بما يقوله الإنسان، هي وسيلة تعبير أيضاً، وسيلة تعبير.
لو نأتي- مثلاً- إلى القيم المرتبطة بما نقوله: هناك قيم الحق، العدل، {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا}[الأنعام:152]، قيم ترتبط- مثلاً- بالصدق، الصدق هو من أهم القيم التي تتَّجه إلى مسألة ما نقول… وهكذا قيم كثيرة جدًّا، العدل، الإحسان، قيم كثيرة في الإسلام، هي من القيم المهمة، التي تحكم وتضبط توجُّهاتنا في الحياة، وأعمالنا في الحياة، ومنها مساحة كبيرة جدًّا في ما نقوله، هناك عبادات كثيرة مما يقوله الناس: أذكار، تلاوة قرآن، تقديم للحق، صدع بالحق، تعريف بالحق، نصرة للقضايا العادلة… أشياء كثيرة جدًّا تدخل فيما نقول.
ليست مسألة القول والتعبير، سواءً باللسان أو بالكتابة، ليست مسألة عادية، لا ترتبط بها قيم، ولا مسؤولية دينية أو شرعية، بل أيضاً فيما يعتبر بالجانب الآخر، هناك جرائم هي من أفظع الجرائم ترتبط بالكلام، يعني: تأتي في إطار الكلام والقول، جرائم عليها عقوبات في الدنيا، جرائم عليها عقوبات في الآخرة: القذف، والهتك للأعراض، هذا من أكبر الجرائم، التي عليها وعيد شديد في القرآن الكريم، ومن الوعيد عليه أيضاً: النار في نار جهنم، نار جهنم في الآخرة، في الدنيا عقوبات كذلك وجزاء، عقوبات معنوية، وعقوبات بالجلد… وغير ذلك.
وهكذا- مثلاً- جريمة الإضلال، جزء كبير من الإضلال يأتي بالتعبير، عملية الخدمة للباطل، جرائم الافتراء والكذب، حتى الكذب على الله، الكذب على الناس، الدجل… جرائم كثيرة جدًّا هي في إطار ما يقوله الناس، هي كلام، كلام وتأتي إلى الناس بطريقة إعلامية، أو تثقيفية، أو تعليمية… أو بأي شكلٍ كان، لكن هي في دائرة القول والكلام، في دائرة التعبير باللسان أو القلم.
فهذا الجانب هو جانب رئيسي مما تتعلَّق به قيم كبرى، مسؤوليات كبرى، ومما في أيضاً مساحة في دائرة الإساءة، في دائرة الظلم، يعني: هناك جرائم هي ظلم رهيب جدًّا، وتأتي في دائرة الكلام، والقول، والتعبير، جرائم تدخل في دائرة الإساءة… وهكذا أشياء كثيرة جدًّا.
ولهذا نجد في القرآن الكريم ضبط لاتِّجاه الإنسان المسلم في هذا المجال، من مثل قول الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا}[الأنعام:152]، مثل قوله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا}[البقرة:83]، {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}[الإسراء:53]، الأمر بالصدق في القرآن الكريم، إلى حد أن يكون قيمة أساسية من القيم الإيمانية، والمواصفات الرئيسية: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ}[آل عمران:17]، والمصداقية جزءٌ كبيرٌ منها يتعلَّق بما يقوله الإنسان، جزءٌ منها يتعلَّق بانتمائه، بالتزامه العملي.
فهذه المسألة مما يجب أن يكون لدينا وعي كبير وراسخ عنها، ثم ندرك أنها أيضاً من أهم المجالات في الصراع بيننا وبين أعدائنا، اليهود في المقدِّمة، اليهود في مقدمة الأعداء الذين ينشطون إعلامياً، ويركِّزون على مسألة التعبير في وسائله الإعلامية والتثقيفية، وكل وسائله، وأساليبه، ومجالاته: التثقيفية، الفكرية، الإعلامية… وغيرها.
الميدان الإعلامي هو ميدان من أكبر الميادين خطورةً وأهميةً في الصراع بيننا كمسلمين وبين اليهود، اليهود هم يركِّزون على هذا الميدان تركيزاً كبيراً جدًّا؛ ولهذا لديهم الكثير من الوسائل الإعلامية، ما هو مباشر، وما هو غير مباشر، يعني: هناك وسائل إعلامية باسم حكومات عربية، أو جهات عربية، يعني: أحياناً جهات حكومية، وأحياناً جهات غير حكومية، هو باسمها، لكنها في الواقع تعمل بكل تأكيد، بكل تأكيد، تعمل كجهات إعلامية لخدمة من؟ لخدمة اليهود؛ ولهذا تحكمها كل السياسة الإعلامية اليهودية، يعني: الفارق بينها وبين وسائل الإعلام اليهودية المباشرة هو فقط اللغة، مثلما الآن تتحدَّث باللغة العبرية، ووسائل إعلامية- مثلاً- قنوات فضائية، أو صحف، أو مواقع على الإنترنت، أو في مواقع التواصل الاجتماعي، تتحدَّث باللغة العربية، باسم جهات عربية، حكومات عربية، قوى عربية، لكنها ما عدا اللغة العربية تختلف، وشكليات محدودة جدًّا، شكليات محدودة جدًّا تقدِّم نفسها باسم أنها جهات عربية، أو مسلمة؛ أمَّا فيما يتعلَّق بالمواقف، بالتوجُّهات، بالولاءات والعداوات، بالموقف من الأحداث، فكل المضمون في إطار السياسة اليهودية الصهيونية، والمهام الرئيسية لها هي: تتعلَّق بالتأثير على الرأي العام في التصورات، في الأفكار، في الرؤى، في المواقف، في الولاءات، في العداوات، هذا هو المسار الرئيسي لها، والمهمة الأساسية لها، والوظيفة الفعلية لها، وهي تتَّجه في ذلك نفس اتِّجاه اليهود الصهاينة، وهناك أيضاً تقارير، معلومات عن طبيعة هذا الارتباط باليهود، وكيف أنها تخضع- فعلاً- لنفس الموجِّهات، وتتحرَّك وفق نفس السياسات الإعلامية، لخدمة اليهود الصهاينة، هم يعملون دائماً على التأثير على الرأي العام في صنع مفاهيم، رؤى، أفكار مغلوطة، خاطئة، توجُّهات خاطئة، ولاءات وعداوات كلها لخدمة اليهود.
وهذا مما ينبغي أيضاً أن يكون هناك وعي كبير تجاهه، وأن يسهم المجاهدون في ميدان الإعلام، الراشدون، الواعون، الصادقون، المخلصون، المهتمون، الذين يتحرَّكون بمسؤولية ووعي في ميدان الإعلام، أن يكشفوه لمجتمعاتنا الإسلامية، في العالم العربي وغيره: حقيقة وخلفية وتوجُّهات الوسائل الإعلامية، التي تقدِّم نفسها على أنَّها من هذه الأمَّة؛ بينما هي أبواق للصهيونية، ومنها: أقلام للصهيونية، وهي تتَّجه في نفس التوجُّه اليهودي الصهيوني، تستخدم نفس المصطلحات، وتتَّجه نفس التوجُّه، وتؤدِّي الدور الذي تؤديه نفس وسائل الإعلام التي هي وسائل إعلام عبرية مثلاً، أو باللغة الإنجليزية في العالم الغربي، مما يتبع للصهاينة في أمريكا، أو في بريطانيا، التوجُّه واحد، المطبخ- كما يقولون- الإعلامي واحد، الغرف: غرف العمليات، والغرف التي تدير النشاط الإعلامي واحدة.
ونجد- مثلاً- حتى فيما يتعلَّق بالخونة المحسوبين على الشعب اليمني، من يقدِّمون أنفسهم على أنهم من اليمن، وهم ضد الشعب اليمني، يعادون الشعب اليمني، يخدمون الأعداء؛ هم في نفس الفلك اليهودي الصهيوني، يتحرَّكون بنفس الموجِّهات، بنفس المواقف، بنفس المصطلحات، بنفس التعبير، تجد- مثلاً- تعبير يتحدَّث به المجرم الكافر اليهودي الصهيوني (نتنياهو)، وتجد نفس ذلك المنطق تكرِّره وسائل إعلام عربية، سواءً من خونة بلدنا، أو على المستوى الإقليمي، في بعض الإعلام السعودي، بعض الإعلام لأنظمة خليجية أخرى، بعض الإعلام لبلدان أخرى، تحسب في الظاهر تلك الوسائل الإعلامية على تلك البلدان، لكنها تستخدم نفس مصطلحات نتنياهو، وترامب، ومن قبل نتنياهو، إلى شارون… وغيره، كل المجرمين اليهود الصهاينة، ما هو معتمد لديهم كيهود صهاينة في تعبيراتهم، في مصطلحاتهم، في مواقفهم، في توجُّهاتهم، في ما يسعون له من صنع ولاءات وعداوات، في محاولتهم التتويه لهذه الأمَّة، وحرف بوصلة عدائها إلى اتِّجاه آخر يخدم اليهود، ويخدم إسرائيل وأمريكا.
نجد أيضاً فيما يتعلَّق بجزء كبير من الحرب الناعمة، هو عبر الإعلام، الحرب الناعمة، المفسدة، المضلَّة، سواءً في التأثير على الأفكار، والرأي العام، والولاءات والعداوات، أو فيما يتَّجه نحو مساعي التمييع، والإفساد اللاأخلاقي، والضرب لزكاء النفوس، والجرِّ للناس نحو الرذائل، والدعارة، والفاحشة، والتحلُّل من القيم الأخلاقية، يأتي عبر وسائل الإعلام، تعمل حكومات، تعمل جهات كثيرة في هذا السياق مع اليهود، مع اليهود، تعمل معهم في نفس الاتِّجاه؛ لأن الوسيلة الرئيسية التي يعتمد عليها الأعداء، هي هذا الجانب، قبل غيره، حتى قبل العتاد العسكري، قال الله عنهم في القرآن الكريم: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ}[التوبة:32]، العمل بالدعايات، بالإضلال، بالتأثير على الرأي العام، بكل وسائل التأثير على الناس: بالدجل، بالكذب، بالبهتان، بالتشويه… مختلف أنواع الدعاية المعادية، هي وسيلة رئيسية يحاولون أن يصرفوا الناس بها حتى عن نور الله، عن هديه، عن الموقف الحق، عن التوجُّه الحق، الذي يهدي إليه الله في القرآن الكريم، يصرفون الناس عن ذلك، {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}[التوبة:32].
لأهمية هذا المجال؛ لأنه المجال حتى على مستوى التأثير الشيطاني، واليهود الصهاينة هم مرتبطون بالشيطان، في قائمة أولياء الشيطان، عندما نتحدَّث عن الكافرين، عن المنافقين… عن كل أشكال وفئات وتشكيلات أولياء الشيطان، في المقدِّمة، وقبل كل تشكيل من تشكيلات أولياء الشيطان: اليهود، اليهود هم يتحرَّكون حركة شيطانية، في نفس الأهداف الشيطانية:
– لإضلال الناس.
– لإفساد الناس.
– لإغواء الناس، وبشكل كبير جدًّا.
– وللوسوسة في صدور الناس.
أتت سورة كاملة في القرآن الكريم، هي ذات أهمية كبيرة جدًّا، وعلى كلِّ المسلمين أن يعوا هذه السورة، (سورة الناس): {بسم الله الرحمن الرحيم * قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}[الناس:1-6]، كثير من الموسوسين هم من الناس، من وسائل الوسوسة: هو المجال الإعلامي، يوسوسون من خلاله في صدور الناس، التأثير على توجُّهات الناس، على ولاءاتهم، على عداواتهم، على ميولهم، على رغباتهم؛ للدفع بهم نحو الانحراف، نحو الفساد، نحو الضياع؛ للتأثير على أفكارهم، على تصوراتهم.
مساحة كبيرة في الإعلام الذي يخدم الأعداء، هي تشتغل في هذا النطاق: يوسوسون في صدور الناس؛ لأنهم كما في الآيات القرآنية: {مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ}[الناس: 6]، يعني: الموسوسين، الموسوسين جزءٌ منهم من الجنِّة، يعني: من الجن، أبالسة من أبالسة الجن، وجزءٌ منهم من الإنس، يوسوسون بالدعاية، سواءً في وسائل إعلامية، أو من غير وسائل إعلامية، في مجالس الناس، في مقايلهم، في اجتماعاتهم، بل البعض يذهب حتى في حركة الناس وهم يتحرَّكون يعني في سيارات الأجرة، في باصات وغيرها، يسعى إلى أن يلحق بالناس حتى هناك؛ ليوسوس في صدورهم، ليؤثِّر على توجُّهاتهم وأفكارهم، لينحرف بهم فيما يخدم اليهود الصهاينة.
هذا الجانب لأهميته الكبيرة إن شاء الله نستكمل الحديث عنه في المحاضرة القادمة؛ لأن تأثيره كبير على الناس، وأهميته أيضاً في الاتِّجاه الصحيح ذات أهمية كبرى، كميدان من أهمِّ ميادين الجهاد، وميدان ترتبط به مسؤوليات عظيمة، مسؤوليات مقدَّسة، مهام عظيمة للغاية.
نَسْألُ اللَّهَ “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.
وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛
