الثورة /محمد عبدالله الخربي
تجارة الموت وعقدة الحقد التاريخي
بينما تنشغل الآلة الإعلامية لقوى التحالف السعودي والإماراتي بترويج التبريرات الواهية والمشاريع الوهمية تحت عناوين الإعمار وإعادة البناء، تجري خلف الستار فصول أكثر بشاعة من الاستهداف الممنهج لليمن وشعبه وأرضه. فالمشهد المعلن ليس سوى الوجه الظاهر لكارثة أعمق: واقع معيشي ينهار تحت وطأة الفقر والتجويع وغلاء الأسعار، وانقطاع المرتبات، وغياب الكهرباء والغاز والأمن، فيما تخفي العتمة ما هو أخطر وأشد فتكًا.
وما يتناوله هذا التقرير ليس سوى جانب واحد من جوانب حرب متعددة الوجوه، تتجاوز التجويع والإفقار إلى استهداف الإنسان اليمني وبيئته ومقدراته، وتحويل الأرض التي يفترض أن تكون موطنًا للحياة إلى مساحة مفتوحة للموت.
ففي المحافظات الجنوبية والشرقية، وعلى امتداد السواحل والبراري والجزر اليمنية الواقعة تحت سيطرة الاحتلال ومرتزقته، تبرز حقائق خطيرة بتحويل أجزاء من التراب اليمني إلى مكبات للنفايات الخطرة، ومواقع سرية لدفن مواد كيميائية وسامة ونفايات نووية قادمة من دول صناعية كبرى. ووفق هذه الجريمة فإننا لا نكون أمام انتهاك للسيادة الوطنية فحسب، بل أمام جريمة بيئية وإنسانية بالغة الخطورة، قد تمتد آثارها لعقود وتطال الإنسان والماء والتربة والبحر.
إنها، في جوهرها، حرب صامتة لا تُسمع فيها أصوات المدافع، لكنها قد تترك آثارها في أجساد الأجيال، وتحوّل المرض إلى شاهد، والمياه إلى مصدر خطر، والأرض إلى مقبرة مفتوحة للسموم. وبينما تتراكم المخاطر بعيدًا عن عدسات الإعلام، قد تظهر نتائجها في ارتفاع الأمراض الخطيرة، وفي معاناة مرضى الأورام والفشل الكلوي وسواهما من الأمراض التي تستنزف حياة اليمنيين في صمت.
والأشد فداحة أن تتحول أرض اليمن ومياهه الإقليمية إلى سلعة تُباع وتُشترى، وأن تُقدَّم سيادته وبيئته ومستقبل أجياله قربانًا لمصالح ضيقة وعمولات سرية، في واحدة من أخطر صور السقوط الوطني والأخلاقي التي يمكن أن يشهدها وطن.
جذور المؤامرة: تواطؤ السلطة السابقة
* البدايات السرية: تعود أولى صفقات دفن النفايات في اليمن إلى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي تحت غطاء «استثمارات وهمية».
* تسهيلات النظام السابق: فتحت السلطات السابقة الأراضي اليمنية أمام الشركات الغربية العابرة للقارات مقابل عمولات مالية سرية للمتنفذين.
* اتفاقيات مشبوهة: رصدت تقارير برلمانية سابقة محاولات لتمرير عقود دفن مخلفات صناعية في مناطق صحراوية نائية وجزر شبه معزولة.
* طمس الحقائق: جرى قمع أي تحركات حقوقية أو بيئية حاولت الكشف عن طبيعة المواد الشديدة السمية التي دخلت البلاد عبر الموانئ الرسمية.
تجارة الموت في ظل الاحتلال: السواحل ساحات مفتوحة
في ظل غياب السيادة الوطنية وتعطّل مؤسسات الرقابة، تحولت أجزاء من السواحل والجزر اليمنية الواقعة تحت سيطرة التحالف السعودي الإماراتي إلى بيئة مفتوحة تثير مخاوف جدية بشأن دخول شحنات ومواد خطرة، بعيدًا عن الرقابة الوطنية والشفافية المطلوبة. وتتمثل أبرز أوجه الخطر، وفق ما يثار من معلومات وحقائق في الآتي:
غياب السيادة والرقابة: أدى فقدان السيطرة الوطنية على عدد من المنافذ البحرية والبرية إلى إضعاف إجراءات التفتيش والرقابة، وفتح المجال أمام دخول شحنات مشبوهة أو مجهولة المصدر دون آليات وطنية مستقلة للتحقق من طبيعتها ومحتوياتها.
عسكرة الشواطئ والجزر: أدى تحويل بعض المناطق الساحلية والجزرية، ومنها سقطرى وميون، إلى مناطق ذات طابع عسكري وأمني مغلق إلى تقليص قدرة السكان ووسائل الإعلام والجهات الرقابية على الوصول إليها، الأمر الذي يثير تساؤلات خطيرة حول طبيعة الأنشطة التي تجري بعيدًا عن الرقابة العامة.
المرتزقة كحراس للمواقع المغلقة: فصائل مسلحة محلية مرتبطة بالتحالف بتأمين بعض المواقع والطرق ومنع المواطنين من الاقتراب منها، بما يضاعف حالة الغموض المحيطة بحركة الشاحنات والحمولات التي تحتوي على مواد خطرة.
الاستغلال المالي: تشير الحقائق إلى وجود مصالح مالية وشبكات فساد تستفيد من تحويل الأراضي اليمنية إلى مواقع للتخلص من النفايات الخطرة، عبر صفقات سرية تدر أموالًا طائلة على المتورطين فيها، على حساب صحة الإنسان اليمني وسلامة بيئته.
الفوضى التشريعية وغياب الإدارة البيئية
ولا تكتمل صورة هذه الكارثة دون النظر إلى الانهيار الذي أصاب منظومة الرقابة البيئية في المناطق المحتلة، حيث أدى تعطيل المؤسسات وتراجع الإمكانات إلى إضعاف قدرة الجهات المختصة والمجتمع على اكتشاف أي عمليات تلوث أو التعامل معها في الوقت المناسب.
تعطيل مؤسسات حماية البيئة: أدى تراجع الدعم والتمويل والقدرات الفنية لفروع الجهات المختصة بحماية البيئة في المحافظات المحتلة إلى إضعاف عمليات الرصد والفحص، ولا سيما ما يتعلق بقياس الإشعاع والكشف عن الملوثات الكيميائية في التربة والمياه.
ثغرات الرقابة والتصنيف: تثير المعلومات المتداولة حول تمرير بعض المواد الخطرة تحت مسميات تجارية لا تعكس طبيعتها الحقيقية مخاوف جدية من استغلال الثغرات الجمركية والإدارية لإخفاء حقيقة بعض الشحنات وتسهيل عبورها بعيدًا عن التدقيق العام.
إن خطورة هذه الممارسات لا تكمن في دخول مادة خطرة إلى الأراضي اليمنية فحسب، بل في احتمال تحول غياب الرقابة إلى غطاء دائم لعمليات يصعب اكتشافها أو محاسبة المسؤولين عنها .
الجريمة
1 -خريطة الجريمة: جغرافيا التلوث الممنهج
* شبوة وحضرموت: رصد دفن براميل مخلفات كيميائية سامة في النطاقات الصحراوية القريبة من قطاعات النفط والمناطق المفتوحة.
* المهرة وسواحل بحر العرب: استخدام المياه الإقليمية لليمن كمكب مستمر للمياه العادمة والملوثات الذرية الناتجة عن السفن الحربية والتجارية الأجنبية.
* عدن والساحل الغربي: تسجيل بؤر تلوث كيميائي حاد حول الموانئ الرئيسية أثرت على الأحياء البحرية وتسببت في ظاهرة النفوق الجماعي للأسماك.
2 -خطوط السير وسيناريوهات التهريب البحري
* تغيير الهوية الملاحية: تعمد السفن المشبوهة القادمة من بؤر صناعية دولية إلى إغلاق أجهزة التتبع الآلي (AIS) قبل دخولها المياه الإقليمية اليمنية في خليج عدن وبحر العرب بمسافة تصل إلى 50 ميلاً بحرياً.
* الإنزال المباشر في القواعد العسكرية: يتم توجيه السفن المحملة بالبراميل السامة مباشرة إلى أرصفة بحرية مغلقة تديرها قوات الاحتلال في ميناء بلحاف (شبوة)، ميناء الضبة (حضرموت)، وجزيرة سقطرى، حيث تُمنع الطواقم اليمنية وموظفو الموانئ من الاقتراب أو التفتيش.
* النقل البري تحت الحراسة المشددة: تتحرك قوافل الشاحنات في ساعات الفجر الأولى عبر خطوط سير عسكرية مؤمنة بالكامل من قِبل فصائل المرتزقة، وصولاً إلى عمق الصحراء أو المرتفعات الجبلية المعزولة لإتمام عملية الطمر.
3 -خريطة الجريمة والإحداثيات لبؤر التلوث
* نطاق صحراء شبوة والقطاعات النفطية (15°05›N – 46°50’E): طمر براميل المخلفات الكيميائية السائلة الناتجة عن عمليات تكرير صناعية أجنبية في بطون الأودية المحاذية للقطاعات المفتوحة.
* ساحل بروم وبحر العرب بحضرموت (14°18›N – 48°58’E): استخدام الممر المائي لتصريف المياه العادمة المشبعة بالمواد الثقيلة وسوائل المفاعلات التابعة للسفن الحربية الأجنبية العابرة.
* الهضبة الشمالية لحضرموت (ثمود والقف) (17°20›N – 49°55’E): شق خنادق سحيقة في عمق الصحراء المتاخمة للحدود لدفن نفايات عالية الخطورة بعيداً عن الكثافة السكانية في الوقت الراهن لحماية دول الجوار على حساب التربة اليمنية.
* أرخبيل سقطرى المعزول (12°30›N – 54°05’E): تجريف المنظومة البيئية الفريدة في الجوانب الشرقية والجنوبية للجزيرة عبر التخلص العشوائي من المخلفات التشغيلية العسكرية الإماراتية.
* ممر باب المندب و ساحل ذوبان(12°45›N – 43°30’E): إلقاء مستمر للملوثات الكيميائية والذرية من القطع البحرية الغربية المستغلة لحالة الانفلات وغياب الرقابة الوطنية على المضيق
4- التاريخ والرصد | نوع الشحنة المرصودة | إحداثيات موقع التفريغ والطمر | الحماية العسكرية للموقع |
| مايو 2025م| براميل حديدية مغلقة تحمل شعارات تحذيرية للمواد الخطرة. | 15°05›N – 46°50’E (محيط منشأة بلحاف، شبوة) | طوق أمني مغلق من قِبل فصائل «دفاع شبوة». |
| سبتمبر 2025م | مياه رمادية عادمة ومخلفات تشغيلية كيميائية ثقيلة. | 14°18›N – 48°58’E (سواحل بروم ومحيط ميناء الضبة) | زوارق خفر السواحل التابعة للمرتزقة منعت اقتراب الصيادين. |
| يناير 2026م | حاويات مغلقة متوسطة الحجم مجهولة المحتوى البيولوجي. | 12°30›N – 54°05’E (القطاع الشرقي لأرخبيل سقطرى) | إشراف مباشر من ضباط إماراتيين وعناصر الانتقالي. |
| أبريل 2026م | ملوثات صناعية سائلة ومخلفات صلبة دقيقة. | 12°45›N – 43°30’E (الممر الدولي المحاذي لساحل ذوباب) | حماية القطع البحرية الغربية المتواجدة في مضيق باب المندب. |
شهادات محلية وتقارير دولية تفضح الجريمة
الشهادات الطبية والميدانية الحصرية
* إفادة باحث مخبري في المركز الوطني لعلاج الأورام – عدن (أكتوبر 2025م):
“البيانات الإحصائية المسجلة لدينا الحالات القادمة من الساحل الغربي وأطراف شبوة تكشف عن نمط غير طبيعي لتفشي الأورام. نحن نواجه قفزة في سرطانات الدم الحادة والنشطة (Aggressive Leukemia) بين الأطفال والشباب، وهو مؤشر علمي مباشر على تلوث مصادر المياه الجوفية بمركبات البنزين والمعادن الثقيلة المشعة.»
* شهادة رئيس جمعية سمكية محلية – ساحل بروم، حضرموت (فبراير 2026م):
“تتكرر ظاهرة وقوف سفن تجارية ضخمة في عرض البحر ليلاً مع إطفاء كامل لأنوارها الملاحية. وفي الصباح التالي، تكسو الشواطئ آلاف الأسماك النافقة وتتغير رائحة البحر إلى ما يشبه الكبريت والمواد البترولية. عندما طالبنا الجهات البيئية في المكلا بالتحرك، أفادوا بعدم امتلاكهم تصاريح لدخول هذه المربعات باعتبارها مناطق عسكرية مغلقة.»
* تحذيرات برامج الأمم المتحدة: أكدت تقارير أممية أن المياه اليمنية وخليج عدن عرضة للقرصنة البيئية وإلقاء المخلفات السامة.
* الوكالة الدولية للطاقة الذرية: رصدت تقارير غير معلنة مؤشرات على ارتفاع مستويات الإشعاع في مناطق معينة من البحر العربي إثر أنشطة بحرية مشبوهة.
* منظمات بيئية مستقلة: وثقت منظمات حقوقية محلية ودولية انتهاكات صارخة لاتفاقية بازل التي تحظر نقل النفايات الخطرة عبر الحدود إلى الدول النامية.
القائمة السوداء:الجهات المتورطة في الصفقات السرية
* قيادات في حكومة المرتزقة: وزراء ومسؤولون في قطاعي البيئة والنقل منحوا تصاريح مرور وتسهيلات لسفن تجارية مشبوهة دون إخضاعها للفحص والرقابة.
* قادة الفصائل العسكرية الموالية: قادة أمنيون وعسكريون أشرفوا بشكل مباشر على تأمين جرافات الدفن الليلي في صحاري شبوة وحضرموت ومناطق بروم الساحلية.
* شركات ملاحة محلية وأجنبية: وكلاء ملاحيون يعملون كوسطاء لصالح شركات كيميائية وصناعية غربية وآسيوية لتفريغ السموم في السواحل اليمنية.
الحصاد المر: تدمير شامل للبشر والشجر والبحار
لم تتوقف آثار النفايات والملوثات السامة عند حدود مواقع دفنها أو التخلص منها؛ بل امتدت لتضرب الإنسان والبيئة في آنٍ واحد. فالتلوث الكيميائي والإشعاعي المتراكم ترك آثارًا كارثية على الصحة العامة والمياه والثروة الزراعية والبحرية، لتتحول الأرض اليمنية في المناطق المتضررة إلى ساحة مفتوحة لكارثة بيئية وصحية تتسع آثارها يومًا بعد آخر.
– انفجار الأورام والأمراض الخبيثة: تشهد مراكز علاج الأورام في عدن وحضرموت تزايدًا لافتًا في أعداد المرضى، في ظل انتشار واسع للأمراض السرطانية والمزمنة. وقد أصبح المرض جزءًا مؤلمًا من حياة آلاف الأسر، بينما تتواصل معاناة المرضى في مواجهة نقص الإمكانات العلاجية وارتفاع كلفة العلاج. ويأتي التلوث البيئي والكيميائي والإشعاعي في مقدمة المخاطر التي تفرض نفسها على الواقع الصحي والبيئي في تلك المناطق.
– تدمير الأحواض المائية: لم تسلم المياه الجوفية من آثار التلوث؛ إذ تسربت إليها مواد ومعادن ثقيلة شديدة الخطورة، من بينها الرصاص والكادميوم، لتتحول بعض مصادر المياه من شريان للحياة إلى مصدر دائم للخطر. ومع استمرار التلوث، تتفاقم الأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة، وفي مقدمتها أمراض الكلى والفشل الكلوي المزمن، بما يضاعف معاناة المواطنين ويهدد سلامة الأجيال القادمة.
– إبادة الثروة السمكية: امتدت الكارثة إلى السواحل والبحار، حيث ألحقت الملوثات السامة أضرارًا بالبيئة البحرية والشعاب المرجانية والأحياء المائية، وأضعفت الثروة السمكية التي تمثل مصدر رزق أساسي لآلاف الصيادين اليمنيين. وهكذا لم يعد التلوث خطرًا على البحر وحده، بل أصبح تهديدًا مباشرًا للغذاء والدخل والاستقرار الاقتصادي للأسر الساحلية.
إن الصورة الكاملة لهذه الكارثة تكشف أن المستهدف ليس موردًا واحدًا ولا منطقة بعينها؛ فالإنسان يُصاب، والماء يُلوَّث، والأرض تُستنزف، والبحر يُدمَّر، والاقتصاد المحلي يُخنق. إنها آثار متشابكة لجريمة بيئية لا تتوقف عند حدود الحاضر، بل تمتد إلى مستقبل أجيال كاملة ستدفع ثمنًا باهظًا ما لم تتوقف مصادر التلوث وتُفتح ملفاتها للمحاسبة والمعالجة.
الموقف الرسمي لحكومة صنعاء أمام هذه الكارثة
وأمام خطورة ما تتعرض له البيئة اليمنية والإنسان اليمني من مخاطر متفاقمة، يأتي الموقف الرسمي لحكومة صنعاء ليؤكد أن قضية النفايات السامة والخطرة ليست شأنًا هامشيًا، ولا ملفًا يمكن إخفاؤه خلف جدران الصمت، بل قضية تمس السيادة الوطنية وحق اليمنيين في الحياة والبيئة الآمنة.
أولًا: التحذير المبكر من الكارثة
حذرت الجهات الرسمية في صنعاء، وفي وقت مبكر، من مخاطر استمرار هذه الممارسات، وفي مقدمتها وزارات الثروة السمكية والصحة والمياه والبيئة، مؤكدةً أن العبث بالبيئة اليمنية والسواحل والمياه الجوفية والثروة البحرية يمثل خطرًا مباشرًا على صحة المواطنين ومستقبل الأجيال القادمة.
ثانيًا: رفض الاتفاقيات والتفاهمات السرية
تؤكد حكومة صنعاء إدانتها ورفضها لأي اتفاقيات أو تفاهمات سرية تبرمها السلطات التابعة للتحالف مع جهات أو هيئات أجنبية، بما فيها ما يرتبط بالجانب النووي، تحت أي مبررات لا تستند إلى الشفافية والمصلحة الوطنية؛ باعتبار أن مثل هذه التفاهمات، قد تتحول إلى غطاء لتمرير المزيد من المواد السامة أو المشعة إلى الأراضي والمياه اليمنية.
ثالثًا: فتح الملف القانوني أمام المجتمع الدولي
يجري في العاصمة صنعاء إعداد ملف قانوني متكامل لتوثيق الانتهاكات البيئية المحتملة، وجمع الأدلة والوثائق والشهادات والبيانات المتعلقة بها، تمهيدًا لعرضها على الجهات القضائية والحقوقية الدولية المختصة، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته عنها.
ويستند الملف، من بين الأطر القانونية الدولية ذات الصلة، إلى:
– اتفاقية بازل بشأن التحكم في نقل النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود: باعتبارها الإطار الدولي الأبرز لتنظيم حركة النفايات الخطرة عبر الحدود، وضمان عدم نقلها والتخلص منها بصورة غير مشروعة، مع اشتراطات وإجراءات تتعلق بموافقة الدول المعنية وإدارتها السليمة بيئيًا.
– القانون الدولي الإنساني، ولا سيما أحكام البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف: فيما يتعلق بحماية البيئة الطبيعية أثناء النزاعات المسلحة، وحظر أساليب ووسائل الحرب التي يُقصد بها أو يُتوقع أن تسبب أضرارًا واسعة النطاق وطويلة الأمد وشديدة للبيئة الطبيعية.
– اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار: فيما يتعلق بالتزامات الدول بحماية البيئة البحرية والحفاظ عليها، ومنع التلوث البحري الناتج عن إلقاء المواد والمواد الخطرة أو الأنشطة التي تؤدي إلى الإضرار بالبيئة البحرية.
خاتمة:
الأرض لا تنسى
إن ما تتعرض له الأراضي والسواحل والجزر اليمنية الواقعة تحت الاحتلال من استغلالٍ ودفنٍ للنفايات السامة والخطرة،، لا يمثل مجرد انتهاك عابر للسيادة، ولا جريمة بيئية يمكن أن تطويها الأيام؛ بل هو تهديد ممتد للإنسان والأرض والماء، ولحق الأجيال القادمة في وطنٍ نظيف وآمن. إنها جريمة صامتة قد لا تُسمع لها أصوات القذائف، لكنها قادرة على أن تترك أثرها في الأجساد والتربة والمياه لعقود طويلة.
والصمت الدولي المريب، والتقصير في التحقيق الجاد في مثل هذه الحقائق يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية لا يجوز التنصل منها. فاليمن ليس مكبًا لنفايات الآخرين، ولا أرضًا مباحة تُستباح بيئتها وثرواتها ومياهها بعيدًا عن أعين القانون.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي يبقى على وعي أبناء شعبنا في المناطق الواقعة تحت الاحتلال، وعلى تمسكهم بأرضهم وحقوقهم ورفض تحويل وطنهم إلى مساحةٍ مستباحة للمخاطر والسموم. إن حماية الأرض تبدأ بكشف الحقيقة، ورفع الصوت، وتوثيق الانتهاكات، وحشد المجتمع والنخب الوطنية والقانونية والإعلامية للدفاع عن البيئة اليمنية وحقوق الإنسان بكل الوسائل المشروعة.
وعلى النخب المستقلة والباحثين والحقوقيين أن يحولوا هذه القضية إلى ملف موثق بالأدلة والشهادات والخرائط والوثائق، وأن يعملوا على إيصالها إلى الجهات الوطنية والدولية المختصة، حتى لا تتحول الجرائم البيئية إلى وقائع منسية، وحتى يمثل كل من تثبت مسؤوليته أمام العدالة.
إن حقوق الشعوب لا تسقط بالتقادم، والجرائم الكبرى لا تدفنها الرمال، كما لا تستطيع السموم أن تدفن الحقيقة إلى الأبد. فالأرض تحفظ آثار من ظلموها، والبحر يحتفظ بأسراره، والتاريخ لا يرحم من حوّل وطنًا كاملًا إلى ساحة للعبث.
وسيظل اليمن، بأرضه وبحره وجزره، حقًا لأبنائه؛ وستبقى حماية ترابه ومياهه وكرامة إنسانه مسؤولية لا تسقط بالتقادم. ومهما طال زمن الاحتلال أو التواطؤ أو الصمت، فإن الحقيقة ستجد طريقها إلى النور، وستبقى إرادة اليمنيين في صون وطنهم أقوى من كل محاولات طمس الحقيقة أو دفنها تحت طبقات السموم.
