الثورة / هاشم السريحي
سلّطت دراسة أكاديمية حديثة الضوء على التحولات المتسارعة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في الإدارة العامة، مؤكدة أن الأنظمة الذكية أصبحت لاعبًا رئيسيًا في صناعة القرار الإداري، بما تحمله من فرص لتعزيز الكفاءة والسرعة والدقة، مقابل تحديات قانونية وأخلاقية متنامية تتعلق بالشفافية والمساءلة وحماية الحقوق.
الدراسة التي حملت عنوان: “دور الذكاء الاصطناعي في صنع القرار الإداري: بين تعزيز الكفاءة الإدارية وضمان الالتزام بالمبادئ القانونية”، أعدها الباحث إبراهيم فتحي صالح، ونُشرت في مجلة جامعة صنعاء للعلوم الإنسانية ضمن المجلد الخامس، العدد الثالث لعام 2026.
الذكاء الاصطناعي يدخل قلب الإدارة
تناولت الدراسة التحول الرقمي الذي تشهده المؤسسات الحكومية مع توسع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات وصناعة القرار الإداري، مشيرة إلى أن الخوارزميات باتت قادرة على تسريع الإجراءات وتحسين كفاءة الأداء وتقليل الأخطاء البشرية.
وأوضحت الدراسة أن المشكلة الرئيسة التي تعالجها تتمثل في كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات إدارية فعّالة، مع الحفاظ على مبدأ المشروعية القانونية وحماية حقوق الأفراد.
أهداف الدراسة
هدفت الدراسة إلى:
– التعريف بالذكاء الاصطناعي ومجالات استخدامه في الإدارة العامة.
– تحليل تأثيره في تحسين الأداء الإداري ودقة القرارات.
– دراسة الشرعية القانونية للقرارات الإدارية المدعومة بالأنظمة الذكية.
– استعراض التطبيقات القضائية الدولية المرتبطة بالقرارات الآلية.
– بحث آليات الرقابة الإدارية والقضائية على أنظمة الذكاء الاصطناعي.
واعتمد الباحث على المنهج الوصفي التحليلي، إلى جانب المنهج المقارن بين التجارب العربية والأوروبية، بهدف الوصول إلى تصور متوازن يجمع بين الفعالية الإدارية والضمانات القانونية.
أبرز النتائج
توصلت الدراسة إلى عدد من النتائج المهمة، أبرزها:
– أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الجهات الحكومية تسهم في تسريع الإجراءات وتحليل البيانات بكفاءة أعلى، ما يؤدي إلى تقليل الوقت والتكاليف التشغيلية.
– تساعد الخوارزميات التنبؤية في تحسين توزيع الموارد البشرية والمادية عبر التنبؤ بالاحتياجات المستقبلية.
– تزداد دقة القرارات الإدارية عند الاعتماد على الأنظمة الذكية، لكن هذه الدقة ترتبط بجودة البيانات وشفافية الخوارزميات.
– وجود فجوة تشريعية واضحة في معظم الدول العربية فيما يتعلق بتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في الإدارة العامة، مقارنة بالتطور التشريعي الأوروبي في هذا المجال.
– أكدت الدراسة أن القرارات الإدارية الصادرة عبر الأنظمة الذكية يجب أن تبقى خاضعة للرقابة القضائية والبشرية لضمان احترام الحقوق والحريات.
كما حذرت الدراسة من إشكالية المسؤولية القانونية عند حدوث أخطاء في القرارات الآلية، متسائلة عمن يتحمل المسؤولية: الإدارة أم المطور أم مزود البيانات.
الشفافية و”حق التفسير الخوارزمي”
ناقشت الدراسة مفهوم “حق التفسير الخوارزمي”، والذي يمنح الأفراد الحق في معرفة الأسس التي بُنيت عليها القرارات الآلية المؤثرة على حقوقهم، باعتباره أحد أهم متطلبات الشفافية الرقمية.
وأكدت أن الشفافية لا تعني الكشف الكامل عن الشيفرات البرمجية، بل توفير معلومات كافية لفهم منطق القرار وضمان إمكانية مراجعته قانونيًا.
أبرز التوصيات
قدمت الدراسة مجموعة من التوصيات، أبرزها:
– وضع تشريعات وطنية تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع العام، مستلهمة من التجارب الأوروبية الحديثة.
– إنشاء وحدات رقابية متخصصة لمتابعة أداء الأنظمة الذكية وتقييم مخاطرها بشكل دوري.
– إلزام الجهات الحكومية بالإفصاح عن المبادئ العامة للخوارزميات المستخدمة دون الإضرار بحقوق الملكية الفكرية.
– ضمان وجود تدخل بشري في القرارات الحساسة المتعلقة بالترقيات والعقوبات والتراخيص.
– تطوير آليات للطعن وتفسير القرارات الآلية عبر بوابات رقمية مخصصة.
خلاصة
تكشف الدراسة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية مساعدة، بل أصبح عنصرًا مؤثرًا في صناعة القرار الإداري الحديث، بما يحمله من إمكانات كبيرة لتحسين الأداء الحكومي.
لكن في المقابل، تؤكد الدراسة أن نجاح هذا التحول الرقمي يظل مرهونًا بوجود تشريعات واضحة، ورقابة بشرية فعالة، وضمانات قانونية تحافظ على الشفافية وحقوق الأفراد، حتى لا تتحول الخوارزميات إلى سلطة غير مرئية تتحكم بالقرارات دون مساءلة.
