لا تمثل مجزرة “تنومة” التي ارتكبها النظام السعودي بحق ثلاثة آلاف حاج يمني في العام 1923م، مجرد ذكرى لمأساة تاريخية غابرة، بل هي في الجوهر الوثيقة السياسية الأولى المعمدة بالدم التي كشفت طبيعة المشروع السعودي تجاه اليمن. إن قراءة هذه المجزرة من منظور تحليلي اليوم تكشف أن استهداف الحجيج العُزل وهم في “ملابس الإحرام” لم يكن نتاج خطأ عسكري، بل كان فعلاً استراتيجياً مقصوداً يهدف إلى كسر الكبرياء اليمني وإخضاع الهوية الجامعة لمشروع التبعية الناشئ آنذاك.
إن الربط التحليلي بين رصاص “تنومة” وصواريخ العدوان الراهن يضعنا أمام حقيقة واحدة: وهي أن “الإجرام الوظيفي” للنظام السعودي لم يتغير، بل تطورت أدواته فقط. فالمسار التاريخي يثبت أن النظام السعودي، منذ لحظات تأسيسه، قام بدور الأداة لتمزيق النسيج العربي والإسلامي، وكانت تنومة هي حجر الزاوية في بناء جدار العداء مع الشعب اليمني. وهذا العداء نابع من إدراك آل سعود بأن استقلال القرار اليمني وتماسك هويته يمثل التهديد الأخطر لمشاريع الوصاية الإقليمية والدولية التي يمثلونها.
علاوة على ذلك، فإن عقود الصمت والارتهان التي عاشتها الأنظمة السابقة في اليمن تجاه هذا الملف، كانت جزءاً من عملية “تغييب الوعي” التي أرادت الرياض فرضها كواقع؛ لتظل المجزرة جرحاً منسياً لا يترتب عليه موقف سيادي. غير أن المتغير الجوهري اليوم يكمن في استعادة الإنسان اليمني لهذه الذاكرة وتحويلها من حالة “المظلومية الساكنة” إلى “قوة دافعة” للتحرر والكرامة. لقد بات الوعي الجمعي يدرك أن الضمانة الوحيدة لعدم تكرار مآسي الماضي ليست في التوسل الدبلوماسي، بل في بناء الدولة القوية المعتمدة على ذاتها والممتلكة لزمام القوة الرادعة.
ختاماً، إن مجزرة تنومة هي الدرس السياسي الأهم الذي يقول لليمنيين: إن السيادة لا تُمنح بل تُنتزع، وإن الوفاء لتلك الدماء المسفوكة غدراً يتجسد اليوم في التمسك بالحرية والاستقلال ورفض كافة أشكال التبعية. لقد أثبت الصمود اليمني المعاصر أن زمن الاستباحة قد ولى، وأن الرد التاريخي على غدر الأمس، يُكتب اليوم بمداد العزة والانتصار في كافة جبهات السيادة والقرار، لتظل تنومة شاهداً حياً على قبح المعتدي وعظمة تضحيات الشعب اليمني الصامد.
