فلسفة الوجود بين معاوِل الهدم ونور البناء.. مآلات الاستكبار في ميزان السماء
القاضي/ حسين بن محمد المهدي
{أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
لقد جعل الله الحياة ميدانًا للتسابق في المكارم، واستخلف الإنسان لعمارة الأرض لا لخرابها، ولعبادة الرب لا لاستعباد الخلق. والموت في هذا الناموس ليس مجرد نهاية بيولوجية، بل هو الحد الفاصل الذي يستبين عنده من كان سعيه في بناء الوجود صرحًا للحق، ومن كان عيثه في نقض العهود حفرًا للشقاء. فشأن الهداية أن تُبصر بنور الله، وشأن الضلالة أن تتخبط في تيه المادة؛ وكما لا يستوي الأعمى والبصير، لا يستوي من وهب حياته لترميم وجع الإنسانية، ومن أفنى عمره في تمزيق أشلائها.
{وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ}.
طغيان المادة وعجز الاستكبار
إن ما نشهده اليوم من غطرسة صهيونية مدعومة بآلة الاستكبار العالمي -التي يمثلها تحالف الطغيان المعاصر- ليس مجرد صراع سياسي على حدود أو جغرافيا، بل هو تجسيد حي لمنطق “معاول الهدم”. إن الاعتداءات الممنهجة على غزة ولبنان، واستهداف عمق الجمهورية الإسلامية في إيران، ومحاصرة يمن الإيمان والحكمة، ليست إلا أعراضًا لداء “الاستكبار” الذي يرى القوة غاية لا وسيلة، والفساد وسيلة لا جريمة.
هذا الاستكبار ليس عسكريًا فحسب، بل هو منظومة تحاول هدم فطرة الإنسان وقيمه، وإحلال قانون الغاب محل شرائع السماء. إن مَن يمشي في الأرض جبارًا، يظن أن “التكنولوجيا” تمنحه حق تأليه الذات، هو في الحقيقة أعمى البصيرة؛ غرتْه قوة هي في جوهرها “ضعف مستتر”، وسلطان هو في مآله “زوال منتظر”. كيف لعاقل أن يحسب الصلف مجدًا؟ وكيف لظالم أن يركن إلى سلاح هو في غده وبال عليه؟
مَنْ لَمْ يُهَذِّبْ مِنَ الأَيَّامِ فِطْرَتَهُ
أَمْسَى عَلَى مَوْرِدِ الأَطْمَاعِ يَجْتَرِعُ
تَمْضِي اللَّيَالِي وَنُورُ الْعَقْلِ منطفئ
وَالْجَهْلُ لَيْلٌ بِهِ الأَحلامُ تَنْصَرِعُ
نور البناء.. البديل الحضاري والمسيرة القرآنية
أمام معاول الهدم هذه، لا يقف الإيمان مكتوف الأيدي، بل يقدم “نور البناء”. إن مشروع المقاومة والتمسك بالمنهج القرآني ليس مجرد رد فعل عسكري، بل هو “إحياء” للنفس البشرية قبل الأرض. البناء هنا يبدأ من ترميم الوعي الجمعي، وصياغة إنسان لا يقبل الذل، ويؤمن بكفاية الله (الغني الحميد) عن سطوة المستكبرين (الفقراء إلى الله).
البناء الحضاري يتجلى في تحويل المعاناة إلى وقود للصمود، وفي بناء مجتمعات متكافلة تكسر قيود التبعية الاقتصادية والثقافية. إن من يسير تحت راية الحق لا يهدم ليحكم، بل يبني لِيُحرر؛ يبني في النفوس عزة “أعزة على الكافرين”، وفي الواقع صروحًا من الاكتفاء والمنعة.
إِذا شِئتَ عِزاً يديمُ البَقاء
فَصُن أمر نَفسِكَ عَن كُلِّ شَر
وَلا تَحسَبَنَّ المَعالي تَدوم
بِغَيرِ التواضع وأخذ العبر
مآلات البغي وسنن الاستبدال
على قوى الاستكبار ومن دار في فلكهم أن يدركوا أن العزة لا تُنال بإذلال الآخرين، وأن الانزلاق في هاوية المنكرات هو إيذان بالهلاك السريع. فالسنة الإلهية لا تجامل أحدًا: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}. هذه هي معادلة النصر القادمة؛ قومٌ استبدلوا حب الدنيا بحب الله، ورأوا في الجهاد وسيلة للبناء لا للخراب.
إن الشعوب اليوم مدعوة لتكون جزءًا من هذا “النور المشي بين الناس”، بالوعي أولاً، وبالوحدة ثانيًا، وباليقين ثالثًا. إن الهزيمة النفسية هي أخطر معاول الهدم، والوعي بالحق هو أول لبنة في صرح البناء.
لقد باعت الصهيونية ومن والاها سعادة الأبد بعبث زائل، وظنوا أنهم بعتادهم يطاولون السماء، وهم في حقيقتهم يهوون إلى الهاوية. أما المرابطون في ثغور العزة، فهم الذين يكتبون بدمائهم وصبرهم وبنائهم فصلاً جديدًا من فصول السيادة الإلهية على الأرض، مصداقًا لقوله تعالى: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
عضو رابطة علماء اليمن
