منذ الثورة الإيرانية عام 1979م إلى اليوم وهو زمن يمتد لنصف قرن من الزمن تقريبا، لم يشهد النظام الثوري الإيراني استقرارا في العلاقات مع أمريكا، وقد شهدت هذه الفترة الزمنية الطويلة توترا وتصدعا عميقا في العلاقات، ولعل أبرز المحطات التي شهدتها العلاقات الإيرانية –الأمريكية، هي أزمة الرهائن عام 1980م، ثم الاتفاق النووي عام 2015م، ثم الانسحاب الأمريكي من الاتفاق عام 2018م، ومفاوضات العودة للاتفاق ما بين عامي 2021م – 2026م، مع استمرار التوتر بعد الصدام العسكري بين أمريكا وإيران، وحدث قبل ذلك مواجهة عسكرية مع إسرائيل، هذا التاريخ الطويل من التوتر والتدافع، يجعل من المنطقة حالة غير مستقرة، ومهددة للسلم والسلام العالمي، ومؤثرة على الاقتصاد العالمي .
ليست إيران دولة طارئة على التاريخ، ولكنها دولة ذات عمق تاريخي وحضاري يعود إلى أزمنة سحيقة، وصراعها الوجودي مع الحضارة الرومانية متفاوت الدرجات بين البزوغ والأفول، ولذلك لا يمكن لأمريكا أن تحقق هدفا إلا بالقدر الذي يحفظ حالة التوازن الوجودي والحضاري بين الدولتين، وقد دلت المفاوضات، والتراجع الأمريكي عن التهديدات التي يطلقها بين الفينة والأخرى على قوة العنصر التاريخي والحضاري في معادلة الصراع، وعلى صعوبة فرض ثنائية الهيمنة والخضوع على إيران.
ليس في قاموس النظام الثوري الإيراني مفردة الهزيمة، فهو لن يقبلها ولن يعترف بها، في حين تحاول أمريكا بكل وسائل الضغط الوصول إلى لحظة إعلان هزيمة إيران ويبدو ذلك عصيا عليها، ولا أظن تستطيع أمريكا أن تحقق تلك الغاية، فالشروط التي تضعها إيران هي شروط منتصر، ويقابلها من الطرف الأمريكي شروط منتصر، والوصول إلى توافق أضحى من الصعوبة بمكان، كما أن الحرب لم تعد حلا، لما لها من تداعيات عميقة على الهيمنة الأمريكية التي فقدت كل الحلفاء فيها كما يبدو، ومثل ذلك شكل قوة للموقف الإيراني، فضلا عن التداعيات الاقتصادية التي تركها إغلاق مضيق هرمز أمام حركة التجارة والاقتصاد العالمي، ويبدو لي أن الموقف الأمريكي أضحى في أسوأ حالاته اليوم من ذي قبل .
والحصار الاقتصادي الذي تسعى أمريكا إلى فرضه على إيران لن يضيف جديدا, فإيران تعتاده منذ نصف قرن وهي تتكيف مع واقعها منذ ذلك الزمن إلى اليوم، وقد تفتح لها الحرب آفاقا جديدة ربما كانت مغلقة من قبل عليها، فالحرب كتدافع لها آثارها الإيجابية وآثارها السلبية، وهي بالنسبة لإيران تدفع ضررا وفسادا، وبالنسبة لأمريكا تجلب ضررا عميقا على بنية نظامها الدولي العام، وعلى نظامها الطبيعي الذي تشكل في عقود طويلة من الزمن، وقد يحدث هذا التدافع تبدلا في قابل الأيام، فالصين التي تقف في ظلال المعركة قد تخرج أشد عودا وأكثر صلابة من ذي قبل، ومثلها روسيا التي تتربص بأمريكا الدوائر وسوف توقعها في شراك المكيدة، كما فعلت أمريكا بالاتحاد السوفيتي في نهاية القرن العشرين، وقد يتشتت النظام الرأسمالي، ويتعدد النظام الدولي وهو تطور طبيعي نظرا لحداثة الحياة وتطورها، فالتبدل سمة غالبة في طبيعة الأشياء، وبقاء الأشياء على حالها من المحال .
إعلان الحرب على ايران كان مغامرة غير محسوبة العواقب، وجنون العظمة، ووهم البطل الذي سكن وجدان ترامب سيتحول إلى شيطان ملعون يهدد مجد أمريكا بالزوال، ومؤشرات ذلك أضحت ماثلة للعيان لكل ذي عقل ولب وبصيرة .
من القضايا المسلم بها سلفا أن العدوان الأمريكي الإسرائيلي، قد دمر كل شيء في إيران، دمر البنى الأساسية، والعمران، وأتى على حركة الحياة والاقتصاد، لكنه لم يدمر النظام الثوري الذي ظل ثابتا وكان هدفا أساسيا للعدوان، ولم يدمر الفكرة الثورية، ولا الثقافة الثورية، ولا الإيمان بعدالة القضية، وحق الوجود والبقاء والمنافسة على هذا الكوكب، ومثل ذلك من المرتكزات التي تعزز عامل الانتصار في الوجدان الإيراني، وهي اليوم تفرض قوتها على حركة المفاوضات، يساندها في ذلك العامل الاقتصادي العالمي الذي تأثر من مغامرة أمريكا في هذا العدوان، ولذلك فورقة إيران تبدو من القوة بالمكان الذي يجعلها تناور في المفاوضات لتفرض حركة توازن جديدة في النظام الدولي .
تحتاج إيران في قابل أيامها إلى تعزيز قوتها الناعمة، والى نشاط دبلوماسي مكثف، والى مراجعة دورية لعلاقاتها مع محيطها العربي والإسلامي، لتؤتي هذه المرحلة ثمارها، ولعلها بدأت بفكرة الحوار مع المذاهب، إلا أن هذه الفكرة تحتاج نشاطا مكثفا ونوايا حسنة، فالسياج في تكثيف الصورة النمطية عنها كعدو، يهدد المحيط بعدم الاستقرار، لا يمكن محوه في أيام، بل يحتاج إلى عقود من الزمن، وهي مساحة رخوة يتحرك الأمريكان والصهيونية العالمية فيها اليوم، وقد تبدو النتائج اليوم أكثر حيوية من ذي قبل، ليبدأ الحوار القائم على المصالح المرسلة المشتركة بين دول الإقليم، حتى تتشكل قوة سياسية متناغمة وقوة اقتصادية ذات مصالح مشتركة، فعالم اليوم يقوم على التكامل الإقليمي وعلى التكتل في مواجهة غطرسة المصالح العالمية .
