حين يُملي الصابرون شروطهم ويصوغ الشعب نصره

وفاء الكبسي

 

لم يكن ما شهدته إيران مجرّد جولة تفاوض عابرة، ولا محطة سياسية تُضاف إلى أرشيف الأزمات الدولية، بل كان تحوّلًا نوعيًا في موازين الصراع، وتجليًا حيًا لسنن الله في الأمم حين تتسلّح بالوعي، وتتماسك في وجه العواصف.
أرادها خصومها حصارًا خانقًا، وضغوطًا متراكمة، وحربًا ناعمة تستنزف الداخل وتربك القرار، لكنهم غفلوا عن حقيقةٍ كبرى:
أن الأمة التي تُبنى على العقيدة، لا تُهزم بالحصار، ولا تُكسر بالإملاءات.
أكثر من أربعين عامًا، والعقوبات تُفرض، والحملات تُشن، والرهانات تُعقد على الانهيار، لكن إيران لم تتعامل مع ذلك كقدرٍ خانق، بل كمرحلة إعداد؛ تراكم فيها الاكتفاء، وبُنيت عناصر القوة، وأُعيد تشكيل موقعها في معادلة الصراع.
لم تدخل إيران مسار التفاوض من موقع المنكسر، بل من موقع الثابت الواعي، الذي يدرك أن الصبر الطويل يمكن أن يتحوّل إلى ورقة قوة.
فاوَضت بندّية، وتحدّثت بلغة الدولة التي لا تبحث عن النجاة، بل عن تثبيت موقعها في رسم مآلات المعركة.
غير أن جوهر التحول لم يكن على طاولات التفاوض، بل في المشهد الأعمق:
الشعب الإيراني شيعة وسنّة، مؤيدين ومعارضين، رجالاً ونساءً، شيوخاً وأطفالاً، حتى المختلفين مع السلطة، حين شعروا أن الوطن مستهدف، تجاوزوا خلافاتهم، واصطفّوا في خندقٍ واحد، يستحضرون قوله تعالى:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾
ولأن النصر لا يُمنح بلا ثمن، كان طريق الثبات محفوفًا بالتضحيات، وقدّمت إيران قادةً ورجالًا سطّروا بدمائهم معادلة الصمود، لتبقى تضحياتهم عنوان قوة، لا علامة ضعف.
وفي قراءة نتائج هذه المرحلة، يتبيّن أن سياسة “الضغط الأقصى” التي انتهجها المجرم ترامب لم تُحقق أهدافها؛
فلم تُسقط النظام، ولم تُنهِ البرنامجين النووي أو الصاروخي، ولم تعزل إيران كما كان يُراد.
بل على العكس، بقيت الممرات الاستراتيجية -وفي مقدمتها مضيق هرمز- عناصر ضغط فاعلة، واستمرت قوى إقليمية حليفة لإيران بأدوارها كحزب الله، بما يعكس تعقيد المشهد وتشابك أدوات التأثير فيه.
ولم تكن إيران وحدها في هذا المسار، بل برزت في ميدان المواجهة قوى إقليمية كان لها حضورها الفاعل، وفي مقدمتها اليمن، الذي لم يقف موقف المتفرّج، بل دخل المعادلة بقوة، مسنِدًا، ومناصرًا، وعضدًا صلبًا في معركة الصمود.
فمن موقعه الإيماني والواعي، قدّم اليمن نموذجًا فريدًا في نصرة القضايا الكبرى، فلم تقيّده الجغرافيا، ولم تُضعفه التحديات، بل تحرّك بوعيٍ عميق لطبيعة الصراع، مدركًا أن وحدة الموقف في مواجهة قوى الاستكبار تمثّل ركيزة أساسية في تثبيت معادلات الردع.
وهكذا، لم يكن حضوره هامشيًا، بل كان جزءًا من مشهدٍ أوسع، تتكامل فيه الأدوار، وتتساند فيه المواقف، ليؤكد أن معركة الأمة واحدة، وأن قوى الوعي حين تلتقي، تصنع واقعًا جديدًا، وتفرض معادلاتها على الأرض.

وهنا تتجلّى المفارقة: حين يُراد بالحصار أن يكون أداة كسر، قد يتحوّل في وعي الأمم الحيّة—إلى محفّز لإعادة بناء القوة.
لقد حافظت إيران على قرارها السيادي، وفرضت حضورها في المعادلات الإقليمية والدولية، حتى غدت رقمًا صعبًا لا يمكن تجاوزه.
وبينما ظنّ البعض أن الزمن يعمل ضدها، تحوّل الزمن إلى رصيد، والصبر إلى قوة، والثبات إلى تمكين.
وفي هذا الدرس، يتجلّى البعد الأهم لنا نحن أيضًا:
كما يؤكد السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله:
“معركتنا الحقيقية هي معركة وعي؛ لأن العدو يسعى للسيطرة على العقول قبل الأرض.”
فالانتماء الحقيقي لا يُقاس بالشعارات في زمن الرخاء، بل بالمواقف عند الخطر:
أن تختلف دون أن تخون، أن تعارض دون أن تُسلّم وطنك، أن تتمسّك بثوابتك وأنت في قلب الجدل.
أكثر من أربعين عامًا من الصبر الواعي، صنعت مسارًا مختلفًا، وأثبتت أن التراكم إذا اقترن بالبصيرة، أعاد تشكيل موازين القوى.
﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾.

قد يعجبك ايضا