العالم في زمن انهيار القانون الدولي..!

طه العامري

 

 

شكلت حرب الإبادة في فلسطين ما يمكن اعتباره نهاية لحقبة زمنية دولية وبداية أخرى، غير أن تهاوي قيم وقوانين الحقبة الماضية وترقب بداية الحقبة الجديدة ترك فراغا دوليا توارى فيه وانتهى القانون الدولي ومنظماته وأعرافه وتقاليده، وبدت حالة فراغ المرحلة الانتقالية التي تعيش فيها البشرية، تجار بأحداثها كل مآسي الماضي في تداعيات الصراعات الجيوسياسية التي تجعل دوما من جغرافية الوطن العربي مسرحا للعبث من قبل أطراف النفوذ الدولي الذين يتخذون من الخارطة العربية وخارطة المنطقة مسرحا لتصفية حساباتهم واستعراض قوتهم، مدركين أن هذه الجغرافية هي مفتاح السيطرة وبوابة النفوذ على العالم ومن سيطر عليها سيطر على العالم، وعلى طرق التجارة ومنابع الطاقة وأسواق المنتجات، التي تنتجها مصانع النافذين لأهل هذه المنطقة الجغرافية التي تدفع وشعوبها ثمن تقدم وتطور العالم، كما تدفع أيضا ثمن تخلفها وتمزقها..
فالوطن العربي هو الوطن الوحيد على خارطة العالم الذي يدفع سكانه ثمن تقدم الآخر الحضاري، ويدفع أيضا ثمن بقائه في دائرة التخلف والتمزق..!
من هذه الجغرافية تشكل عالم ما بعد الحرب العالمية الأولى وكانت اتفاقية سايكس _بيكو و«وعد بلفور» وعصبة الأمم، ومن ثم تمزيق جغرافية الوطن العربي بساطور ضابط بريطاني حدد النطاقات الجغرافية وأطلق المسميات القطرية لكل نطاق ووضع الأسلاك الشائكة بين الأقطار الجديدة ، وزرع ما بينها حقول الألغام لكن أخطرها كانت الألغام التي زرعت في عقول سكان هذه النطاقات..!
مع اندلاع الحرب العالمية الثانية كانت هناك استحقاقات يجب أن تؤديها المنطقة وفاء لـوعد بلفور المشؤوم انتهت تلك الحرب الكونية بميلاد الكيان الصهيوني في قلب الأمة العربية.. لم يكن ذلك الميلاد مجرد مكافأة لليهود لأنهم قاتلوا من أجل الحرية بل كان مشروعا استعماريا ولا يزال كذلك..!
كانت ولا تزال هناك حالة فراغ استراتيجي عربي، فراغ فرض على هذا الأمة، ومع قيام ثورة 23 يوليو في مصر بقيادة الزعيم جمال عبدالناصر، الذي جاء برؤية استراتيجية قومية، عمل لفترة زمنية على تغطية الفراغ الاستراتيجي العربي رغم ما واجه من تحديات ومؤامرات من الاستعماري المتربص ومن العربي المرتهن للمستعمر الذي يرى أن وجوده حدث بفضل ورعاية هذا المستعمر وبالتالي الوفاء له واجب أخلاقي، اضف لذلك أن المستعمر الذي رسم الحدود وعين الأسر الحاكمة لكل كيان عربي كان حريصا على اختيار الأسر الحاكمة الأكثر تبعية له وولاء له وخوفا منه..!
برزت الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية بعد أن تخلص العالم من عصبة الأمم..
أحدثت ثورة يوليو والزعيم عبدالناصر بدورهما ومشروعهما القومي العربي التحرري بما حمل من أبعاد إنسانية وقيم دينية وأخلاقية، وانحياز لجانب الشعوب الحالمة بالحرية في آسيا وأفريقيا، في مواجهة قوى الهيمنة الاستعمارية، سنوات بدت خلالها الأمة وكأنها تعيش صحوة حضارية ويقضه قومية، غير أن رحيل زعيم الأمة في سبتمبر أيلول 1970م بعد سنوات من النضال الوطني والقومي.. أدى ذلك الرحيل إلى هرولة قوى الاستعمار التي أعادت إحكام سيطرتها على الوطن العربي من خلال عملائها من الحكام والأنظمة الرجعية، وبدت الأمم المتحدة وكأنها رافعة للقانون الدولي الذي راحت تطبقه بكثير من الانتقاء ورغم ذلك كانت الحرب الباردة ومواجهة القطبين السوفيتي والغربي قد شكلا قدرا من التوازن في أداء المنظمات الدولية حيث كانت هذه المنظمات تؤدي دورها بقدر من الخجل والانحياز المغلف بالدبلوماسية وبأهمية الحوار والمفاوضات حول مجمل القضايا الدولية، حدث هذا حتى عام 1989م حين انهيار القطب السوفيتي وتهدم جدار برلين فكان أن توزعت ممتلكات الاتحاد السوفيتي كما توزعت ممتلكات الدولة العثمانية..!
هنا سقط القانون الدولي وسقطت المنظمات الدولية المعنية بتطبيقه من مجلس الأمن إلى الجمعية العمومية إلى الأمانة العامة إلى مجلس حقوق الإنسان إلى بقية المنظمات التابعة لهذه المنظمة الأممية التي كان يطلق عليها الأمم المتحدة، التي آلت إدارتها وإدارة المنظمات التابعة لها، لوزارة الخارجية الأمريكية، بل أصبحت هذه المنظمة وكل ما يتبعها مجرد إدارة في وزارة الخارجية الأمريكية، التي رأت أمريكا أن سقوط الاتحاد السوفييتي يعني انتصارها وانتصار القيم الليبرالية..؟!
والحقيقة أن سقوط السوفييت يعني سقوط أمريكا غير أن أمريكا هربت للأمام من هذه الحقيقة واعتمدت على هيمنتها وعلى غطرسة القوة في تطويع العالم لسيطرتها لتبدأ مرحلة دولية اتسمت بالفراغ القانوني والأخلاقي والإنساني فبدا العالم محكوما بقانون الغاب، وهكذا سيطر قانون القوة على قوة القانون وصولا إلى ما نحن والعالم عليه اليوم حيث تبدو الخارطة العربية وخارطة المنطقة حلبة الصراع المفضل لأطراف قوى النفوذ الدولي، ليدفع العربي وأهل المنطقة التي يطلق عليها غرب آسيا أو الشرق الأوسط ثمن سقوط ونهوض أقطاب النفوذ الدولي دون أن يكون بالمقابل هناك موقف استراتيجي من المحميات التي تتوزع على هذه الجغرافية، باستثناء الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تقف اليوم مدافعة عن سكان وحرية جنوب العالم في مواجهة غطرسة أقطاب شمال العالم..!

قد يعجبك ايضا