تهاوي شعبية ترامب وانفجار الغضب الشعبي الأمريكي جراء صدمة أسعار الطاقة الناجمة عن العدوان على إيران
مضيق هرمز يحطم استراتيجية »الحرب الخاطفة« ويعيد رسم موازين القوى!!
قفزة جنونية في أسعار الديزل بنسبة 200% وتسجيل علاوة قياسية بلغت 19.25 دولار فوق خام تكساس
نفاد احتياطيات الوقود الأوروبية وانفجار الأزمات السياسية والاجتماعية
زيادة التضخم الطاقي بنسبة 70% وتكلفة مشاريع العبور البديلة تتجاوز حاجز الـ20 مليار دولار
طفرة واردات الهند من النفط الروسي بنسبة 90% وعودة الخام الإيراني للمرة الأولى منذ 7 سنوات
سقط الرهان الأمريكي على «الحرب الخاطفة» في العدوان الحالي على إيران، ليتحول المشهد إلى زلزال جيوسياسي وضع واشنطن في مستنقع فشل ذريع كشف زيف «تفوق القوة» ومحدودية خيارات البيت الأبيض في إدارة أزمة الطاقة العالمية، فبينما يواصل ثنائي العدوان الأمريكي الاسرائيلي استهداف المقدرات، انتقلت طهران، بالإضافة إلى تمكنها من تحويل مضيق هرمز اليوم كأكثر نقاط التوتر حساسية وكشاهد على واقع ميداني مغاير تماماً للحسابات التقليدية الغربية، إلى «الدفاع الجيوسياسي الهجومي» عبر دك القواعد الأمريكية ومنظومات الرادار والعمق الإسرائيلي بصواريخ باليستية ومسيرات استهدفت مفاصل القوة الحساسة للكيان.
الثورة / يحيى الربيعي – أحمد المالكي
شرخ عميق
هذا المسار الدراماتيكي، أحدث شرخاً عميقاً في بنية حلف شمال الأطلسي «الناتو»، إذ تراجعت العواصم الأوروبية عن الانخراط المباشر في حلبة المواجهة خشية الانتحار الاقتصادي الوشيك، في حين تحاول واشنطن عبثاً تحويل الفشل الميداني إلى حرب اقتصادية عبر دعاية مضللة تزعم إغلاق المضيق، والحقيقة الراسخة هي أن «هرمز» يظل شريان الحياة المفتوح للملاحة الدولية باستثناء سفن المعتدين، مما يضع النظام الدولي أمام اختبار الوجود، إما الرضوخ لواقع التعددية القطبية وتوازنات الردع الجديدة، أو الانزلاق نحو فوضى شاملة تبدأ بانهيار سلاسل الإمداد ولا تنتهي بانفجار كارثي في أسعار الطاقة العالمية.
«المقصلة الوزارية»
في ظل الارتدادات العنيفة التي خلفتها الحرب على إيران، كشفت وكالة «رويترز» عن ملامح تصدع بنيوي عميق يضرب أركان الإدارة الأمريكية؛ حيث يندفع الرئيس ترامب نحو إجراء تعديل وزاري واسع النطاق يمثل في جوهره اعترافاً ضمنياً بانسداد الأفق السياسي والعسكري، مستهدفاً الإطاحة بأسماء وازية كانت تُعدّ من أعمدة فريقه الرئاسي، وفي مقدمتها مديرة المخابرات الوطنية «تولسي جابارد» ووزير التجارة «هوارد لوتنيك».
وهذا التوجه الاستراتيجي نحو التضحية بالرؤوس الكبيرة، يأتي كخطوة دفاعية يائسة لامتصاص الغضب الشعبي المتفجر في الشارع الأمريكي جراء صدمة أسعار الطاقة التي شلّت مفاصل الحياة اليومية، وهو ما وثّقته استطلاعات الرأي التي أظهرت تهاوي شعبية الرئيس ترامب إلى قاع تاريخي لم يتجاوز 36 %؛ مما يؤكد أن خيارات واشنطن العسكرية قد ارتدت مباشرة إلى قلب البيت الأبيض، محولةً الحرب من مقامرة خارجية إلى تهديد وجودي لاستقرار الإدارة التي باتت تبحث عن كباش فداء لتبرير إخفاقاتها الاستراتيجية أمام الناخب الأمريكي.
تحركات طهران وبدائل العبور الاستراتيجية
وعلى الجانب الآخر من المشهد، تتزامن هذه الهزة السياسية في واشنطن مع طفرة في معدلات تصدير النفط من جزيرة «خرج» الإيرانية، حيث أكد رئيس لجنة الطاقة في البرلمان الإيراني، موسى أحمدي، في تصريحات نقلتها وكالة «إيسنا»، أن الصادرات لم تتأثر بالتهديدات العسكرية، مشدداً على فشل رهانات ترامب بتدمير البنية التحتية للجزيرة لفرض فتح مضيق هرمز.
وفي ظل هذا الكباش العسكري، رصدت صحيفة «فاينانشال تايمز» تحولاً جذرياً في التوجهات الخليجية نحو البحث عن بدائل استراتيجية للتصدير بعيداً عن المضيق، إذ تصدّرت السعودية المشهد بإعادة تفعيل وتوسعة «خط أنابيب شرق-غرب» ليرفع قدرته الاستيعابية إلى 7 ملايين برميل يومياً، وصولاً إلى ميناء ينبع، وبحسب التقرير، فإن المزاج الاستثماري الخليجي انتقل من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ الفعلي لمشاريع الممرات المترابطة مثل الممر الاقتصادي «IMEC»، رغم التكاليف الباهظة التي قد تصل إلى 20 مليار دولار للمشاريع العابرة للحدود عبر العراق أو الأردن.
تحذير شديد.. القارة العجوز أمام سيناريو “الظلام” الوشيك
وبالانتقال إلى الميدان الأوروبي، أطلق الممثل الخاص للرئيس الروسي للاستثمار، كيريل دميترييف، تحذيراً شديد اللهجة عبر وكالة “تاس”، توقع فيه نفاد احتياطيات الوقود في الاتحاد الأوروبي بحلول 20 أبريل الجاري نتيجة توقف إمدادات هرمز، مرجحاً انفجار ردود فعل سياسية واقتصادية عنيفة داخل دول الاتحاد بدءاً من 13 أبريل، تزامناً مع وصول آخر شحنات الطاقة في 11 من الشهر ذاته.
وتعقيباً على هذا التدهور، نقلت “فاينانشال تايمز” أن مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي حث دول القارة على ضرورة الاستعداد لصدمة طاقة “طويلة الأمد” وبقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة جداً، بينما وثقت “رويترز” تحركاً عاجلاً لوزراء مالية خمس دول أوروبية يطالبون بفرض ضريبة طوارئ على الأرباح الاستثنائية لشركات الطاقة، لمواجهة القفزة الحادة في أسعار الوقود والغاز التي تجاوزت 70 % منذ اندلاع الحرب على إيران.
آسيا وخارطة الإمدادات
وفي سياق متصل، سجلت واردات الهند من النفط الخام الروسي ارتفاعاً قياسياً بنسبة 90 % خلال مارس الماضي مقارنة بفبراير، وفقاً لبيانات “أويل برايس”، مستفيدة من الإعفاءات الأمريكية لتعويض النقص في إمدادات الشرق الأوسط، وبالتوازي مع ذلك، أعلنت نيودلهي استئناف شراء النفط الإيراني لأول مرة منذ سبع سنوات عقب القرار الأمريكي بالرفع المؤقت للعقوبات لتخفيف شح المعروض العالمي، وهو ما أكدته وكالة “بلومبيرغ” التي أشارت إلى إقرار الهند بشراء الخام والغاز المسال من طهران ونفيها وجود أي عوائق مالية أو لوجستية في عمليات الدفع.
تموضعات القوى الكبرى
من جانبه، أعلن المتحدث باسم وزارة الطاقة الروسية عبر “رويترز” أن موسكو لا ترى ضرورة في الوقت الراهن لحظر تصدير الديزل، مؤكداً استقرار المعروض المحلي رغم التقلبات العالمية، وفي المقابل، طالبت سلوفاكيا الاتحاد الأوروبي برفع العقوبات عن النفط والغاز الروسي واستئناف الحوار مع الكرملين، في وقت أكدت فيه تايوان حصولها على ضمانات كاملة من “دولة كبرى” لتأمين احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال.
وفي إطار المساعي الدبلوماسية لتأمين الطاقة، تبرز الزيارة المرتقبة لرئيسة الوزراء الإيطالية إلى السعودية لتعزيز الأمن الطاقي، بعد اتخاذ روما إجراءات تقشفية لخفض الضرائب على الوقود وتباحثها مع الجزائر لرفع واردات الغاز التي تؤمن حالياً 30 % من احتياجات إيطاليا، فيما أوردت وكالة الأنباء العراقية، نقلاً عن “بلومبيرغ”، أنباءً عن انقطاع الغاز الإيراني عن المنطقة الجنوبية بالكامل، مما يفاقم الأعباء الإقليمية.
انهيار القوة الشرائية
هذه الضغوط امتدت لتشمل قطاعات الخدمات؛ حيث طالبت شركات الاتصالات في مصر برفع أسعارها بنسبة تصل إلى 20 % نتيجة ارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع قيمة الجنيه، كما أقرت بنغلادش إجراءات تقشفية صارمة لتقليص ساعات العمل وخفض الإنفاق العام، وبذات النهج، اتجهت فرنسا، حسب “بلومبيرغ”، لتقديم قروض للشركات الصغيرة المتضررة، بينما حظرت السنغال رحلات المسؤولين الخارجية غير الضرورية لمواجهة الضغوط المالية.
قفزة جنونية
وفي أمريكا الشمالية، رصدت “بلومبيرغ” قفزة جنونية في أسعار النفط الكندي المُرقى بنسبة 200 % نتيجة السباق العالمي على وقود الديزل، في حين سجلت ألمانيا فشلاً في السيطرة على الأسعار مع وصول لتر الديزل إلى 2.415 يورو، وبالمثل، رفعت تركيا أسعار الكهرباء والغاز للمنازل والقطاع الصناعي بنسبة 25 %، وصولاً إلى قطاع التجارة الإلكترونية، حيث أعلنت شركة “أمازون” فرض رسوم إضافية على خدماتها اللوجستية في أمريكا وكندا بدءاً من 17 أبريل، كضريبة مباشرة على ارتفاع أسعار النفط العالمية.
خلاصة القول: تؤكد المعطيات الميدانية والسياسية أن العدوان على إيران قد أخطأ بوصلته الاستراتيجية، فبدلاً من “الحرب الخاطفة” التي خططت لها واشنطن، وجد العالم نفسه أمام واقع “الردع الشامل” الذي تمارسه طهران باقتدار. إن ارتدادات الحرب لم تتوقف عند أسوار “مضيق هرمز”، بل تغلغلت في عمق الاقتصاد العالمي ومزقت نسيج التحالفات الغربية، محولةً الإدارة الأمريكية من وضع الهجوم إلى وضع “الدفاع عن البقاء” السياسي الداخلي.
في نهاية المطاف، لم يعد الصراع مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبح لحظة الحقيقة التي كشفت حدود القوة الأمريكية، وفرضت على العالم الرضوخ لواقع جديد لا مكان فيه للقطبية الواحدة، حيث تتحدث الأرقام والوقائع الميدانية بلغة واحدة: زمن الإملاءات الغربية قد ولى، وما بعد “زلزال هرمز” لن يكون كما قبله.
