ليست كل الهزائم تُقاس بسقوط الجيوش، فبعضها يُقاس حين تعجز القوة العظمى عن إخضاع شعب، رغم امتلاكها لكل أدوات الضغط. منذ عام 1979، حين سقط مشروع الولايات المتحدة في طهران مع انتصار الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني، دخلت واشنطن في مواجهة مستمرة مع إيران، مستخدمة العقوبات الاقتصادية القاسية، الحصار، الضغوط السياسية، الحروب غير المباشرة، وحملات التحريض الإعلامي. ومع كل هذه الوسائل، لم تتمكن أمريكا من تحقيق هدفها: كسر إرادة الشعب الإيراني الصامد.
القصة الأمريكية مع إيران بدأت قبل ذلك، عام 1953، حين أطاحت الولايات المتحدة برئيس الوزراء محمد مصدق، في انقلاب هدفه السيطرة على القرار الإيراني وضمان استمرار مصالح النفط الغربية. ومن ثم تم تمكين الشاه محمد رضا بهلوي كحليف استراتيجي للولايات المتحدة في المنطقة. لكنها لم تفهم أن النفوذ المفروض لا يصمد أمام إرادة شعب ملتف حول قيادته.
وفي عام 1979، جاءت الثورة الإسلامية لتعلن سقوط الهيمنة الأمريكية، لتبدأ واشنطن معركة طويلة من العقوبات والحصار والضغوط النفسية. وكل هذه الأساليب فشلت في إخضاع الشعب الإيراني أو تفكيك قيادته. بل على العكس، كل محاولة أمريكية زادت من صمود الشعب وعمّقت إحساسه بالمسؤولية الوطنية.
هنا يبرز التساؤل: كيف عجزت الولايات المتحدة عن كسر إيران طوال 47 عامًا رغم كل العقوبات والضغوط؟ ولماذا لم ينجرّ الشعب الإيراني وراء محاولات التحريض الأمريكية والصهيونية؟
وفي عام 2026، تصاعدت المواجهة إلى مستوى غير مسبوق، حين شنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى جانب الكيان الصهيوني في الأرض المحتلة، عدوانًا مباشرًا على إيران، محاولةً لتحريك الداخل ضد قيادته وتشجيع الشعب على الخروج على الثورة.
لكن الشعب الإيراني، الذي خبر العقوبات والضغوط على مدار أربعة عقود، لم ينجرّ وراء هذه المحاولات. بل تحول إلى جبهة صلبة، متماسكًا خلف قيادته، ليكون الرد الإيراني حاسمًا: دكّ كافة القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، ما أدى إلى خسائر فادحة للولايات المتحدة بمليارات الدولارات من أموال المواطن الأمريكي، وأثبت أن أي عدوان على إيران لن يمر دون ثمن باهظ.
وهنا يطرح السؤال: هل تستطيع أمريكا تحقيق اليوم ما فشلت فيه منذ الثورة؟ وهل تعلم واشنطن أن أي عدوان على إيران لن يمر دون ثمن باهظ؟
تجربة إيران تثبت أن كل أدوات الضغط الأمريكية—العقوبات، الحروب غير المباشرة، ومحاولات التحريض الداخلي—لم تؤد إلا إلى تعزيز وحدة الشعب وارتباطه بقيادته. فحين يشعر الشعب أن المعركة تستهدف استقلاله، فإنه يتجاوز خلافاته ويتحول إلى جبهة واحدة.
ختامًا، وبعد 47 عامًا من الفشل المتكرر، يظهر أن أمريكا عجزت عن كسر إيران بكل الوسائل، وما فشل في العقود الماضية لن تحققه الحرب اليوم. إن العدوان الأمريكي–الصهيوني الحالي سيواجه المصير ذاته: الفشل أمام شعب حر، واعٍ، ومتمسك بقيادته، يثبت أن إرادة الأمة أقوى من كل التحديات.
وتظل التساؤلات مفتوحة: كم ستستمر الولايات المتحدة في تكرار نفس الأخطاء التاريخية؟ وإلى متى ستظل عاجزة عن فهم أن الشعوب الحرة لا تُهزم بالحصار ولا تُستدرج بمحاولات التحريض؟
