هلال رمضان وأعراب اليوم

عبدالفتاح البنوس

 

فلكيًّا يهل علينا يوم غد الأربعاء هلال شهر رمضان المبارك حاملًا معه نسائمه الروحانية الإيمانية، النسائم العابقة بالألق والبهاء والصفاء والنقاء، يهل علينا وعلى المسلمين في العالم شهر القرآن والإحسان، شهر التوبة والغفران، شهر البذل والعطاء، والجهاد والتضحية والفداء، شهر القربات والمكرمات والجوائز الإلهية الكبرى التي خصصها المولى عز وجل للصائمين نهاره إيمانًا واحتسابًا، والقائمين ليله طاعةً وعبادةً وجهادًا، والذاكرين له كثيرًا والذاكرات.

فأهلًا ومرحبًا بك يا رمضان، أهلا بشهر تسمو فيه النفوس، وتطمئن وتستريح فيه القلوب، أهلًا بك يا شهر الله، أهلًا بشهر يدشن به موسم العطاء الرباني الأكبر، تتضاعف الحسنات ويتسابق فيه العباد على الطاعات، تغلق فيه أبواب النار، وتفتح أبواب الجنة، وتصفّد فيه شياطين الجن، وتسود فيه الطمأنينة والسكينة، فهنيئًا لمن أدرك هذا الشهر الفضيل، وأخلص فيه العبادة للإله الجليل.

يهل رمضان وغزة وأهلها تحت العدوان والحصار، مئات الآلاف من النساء والأطفال في المخيمات وعلى أنقاض منازلهم يكابدون مرارة العيش وأوجاع الفقد لأحبة لهم يهل عليهم رمضان وهم تحت التراب، ويعيشون أجواء رمضان على وقع الخروقات الصهيونية المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار، واستمرارية الحصار الصهيوني المعيق للتدفق السلس للمساعدات الإغاثية والإيوائية الطارئة، والذي يزيد أوضاع أهالي غزة تفاقمًا وتدهورًا ومأساويةً، في ظل صمت وتآمر عربي ودولي قبيح.

أطفال ونساء في الخيام المتهالكة والمنازل المهدّمة والأرض المحروقة ولا أفق لأي انفراجة لهذه الأوضاع على الإطلاق، في ظل الدعم والإسناد الأمريكي لكيان العدو الإسرائيلي، والتآمر والخذلان العربي والإسلامي. أطفال يموتون من البرد والجوع وانعدام الأمن، والعرب يرفلون بين النعم وينفقون الأموال الطائلة على الملذات والكماليات ويتفننون في شراء المأكولات والمشروبات، وإخوانهم في غزة يموتون جوعًا، في مشهدية مؤلمة محزنة تظهر أعراب اليوم بلا قلوب وبلا ضمائر، إلى الحد الذي تناسوا واجبهم الديني والأخوي والإنساني في إغاثة ونصرة إخوان لهم في الدين، جار عليهم الأعداء، وتكالبت عليهم الدول، وتآمر عليهم القريب والبعيد والعدو والصديق.

يهل رمضان يا الله وأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين تحت التدنيس من قبل أحفاد القردة والخنازير، يستبيحون باحاته ومقدساته ويمارسون أقذع صور الاستفزاز والاستهزاء والإهانة على مرأى ومسمع أمة الملياري مسلم، فيما بلاد الحرمين الشريفين تواصل مواسم الترفيه ومشاريع الانفتاح، التي تمثل إساءة للدين والمقدسات دون رادع يردعها أو يزجرها.

يهل رمضان وكيان العدو الصهيوني يواصل خروقاته منتهكًا سيادة لبنان، ومستهدفًا لمقاومته الباسلة، ويواصل توغله وتغوله في سوريا العروبة والقومية التي يراد لها أن تتجرد من عروبتها وقوميتها، لتصبح خنجرًا مسمومًا في خاصرة الأمة العربية والإسلامية، ويواصل تهديداته لإيران واليمن والعراق، في سياق معادلة الاستباحة التي يسعى إلى فرضها في المنطقة بالقوة غير آبهٍ بتداعيات وانعكاسات ذلك، وكأنه أمن من أن تصدر أي مواقف منددة أو معارضة لذلك.

فهل يعقل أن تصل الأمة العربية والإسلامية إلى هذا المستوى من الذل والهوان، والخضوع والخنوع والعمالة والارتهان؟! إلى متى سيطول صمتكم؟! ما فائدة صلاتكم وصيامكم وأنتم لا تأمرون بمعروف ولا تنهون عن منكر؟! لماذا تبنون المساجد وتزخرفونها وأنتم بعيدون كل البعد عن الإسلام وقيمه ومبادئه وتعاليمه وتسلبون منها أدوارها ومهامها التنويرية التثقيفية التي تبصر الأمة بما لها من حقوق وممتلكات، وما عليها من واجبات ومسؤوليات؟!

هل شعرتم ولو للحظة واحدة بتأنيب للضمير؟! هل سألتم أنفسكم في لحظة خلوة بأنفسكم لماذا وضعتم أنفسكم في هذه الوضعية المشينة التي تجعل منكم مضرب المثل في الحقارة والوضاعة؟! كيف تستطيعون النوم وغزة وأهلها يشكونكم إلى الله في الليل والنهار على خذلانكم لهم، وتآمر بعضكم عليهم؟! كيف تبررون لأنفسكم الخسة والنذالة التي أنتم عليها؟! أين أنتم من حديث المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه وآله: “من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم”؟! من أين لكم كل تلكم الجرأة على المضي في التدليس والتلبيس على شعوبكم، وممارسة كافة أشكال الزيف والخداع عليهم؟! هل تؤمنون بالموت والحساب والعقاب؟! أما تخافون من الله يوم تعرض عليه أعمالكم المزرية، ومواقفكم المخزية، وفعالكم الخسيسة تجاه شعوبكم وأمتكم؟!

خلاصة الخلاصة.. لقد خبتم وخسرتم، وأعمى الله بصيرتكم، وأخزاكم في الدنيا وسيخزيكم في الآخرة، وستلعنكم الأجيال المتعاقبة، وسيقيض الله من ينتصر لغزة وفلسطين وكل المستضعفين، وسيقيض الله من ينتصر لدينه، ويعلي رايته، هذا وعد الله لعباده المؤمنين.

والعاقبة للمتقين.

 

 

 

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا