بخلاف الاتباع تنظر واشنطن بواقعيه إلى ما أحدثه الظهور اليمني بتلك القوة التي دفعتها للتسليم والانسحاب من المُنازلة، بعد أن اهتزت مكانتها كقوة مطلقة قادرة على العبث بكل العالم بلا رادع أو حسيب أو رقيب، وصار الكثير في العالم على قناعة بأن ما كان يحيط بأمريكا لجهة هالة الردع، مسألة أخذت أكثر من طبيعتها.
هذا المتغير لا شك بأنه يثير القلق كثيرا لدى قادة أمريكا واللوبي الصهيوني العميق، فهو لا يكشف فقط واقعها أمام القوى العالمية المنافسة، وإنما يحرجها أيضا أمام من وضعوا كل ثقتهم بها وسلموا لها مصائرهم.
يعي المدعو «ترامب» ومن يحكم أمريكا في الظل بان التحدي اليمني صار واقعا لا يمكن تجاهله.
على أن نجاح اليمن في القيام بدوره الإسنادي للمظلومية الفلسطينية، من الواضح أن أمريكا لن تتجاوزه، إذ أنه الإسناد قد أسس لمرحلة جديدة تقع فيه أمريكا بحجمها الطبيعي والمكشوف للعالم، وهو الخطر الذي يمس في كينونتها ويتهدد مكانتها كمتصدرة للعالم.
من هنا تتجدد رؤية واشنطن إلى أن ممارسة السياسة في الشرق الأوسط على نحو فوضوي هو الذي يمكن أن يزيحها عن مساحة الخطر ويعود بها إلى الوضعية التي كانت عليها قبل تهورها في معركة فرض الإرادة على اليمن.
وفق ذلك لن يكون مستغربا أن تدفع واشنطن إلى استهداف اليمن بأشكال مختلفة بقصد وضع حد لهذه القوة التي تتشكل وتتنامى في المنطقة وتهدد واقعها ومستقبلها، منطلقة من تصور ساذج بان اليمنيين يبقون في وضعية استكانة إلى أن يتعرضوا لأي خطر، وهي فكرة اثبت العامين الماضيين سذاجتها، فشعور اليمن بخطر الأعداء لا يتكون من التحرك اللحظي وإنما من القناعة والمعرفة بطبيعة الأعداء كقوى استعمارية تعيش على أعمال البطش والنهب للشعوب.
لذلك يبقى اليمن في حالة إعداد مستمر بما استطاع من قوة، كما وفي حالة واعية لمحاولات النخر البطيء بسياسات عدوانية تقوم على التضييق الاقتصادي والإرهاب بتحريك بعض الأوراق أو خلق ضجيج حول دعم الأدوات كي تتصدر المواجهة مع القوات اليمنية.
من هنا، ومنذ مسرحية وقف إطلاق النار، لم يتوقف الشعب اليمني (رسميا وشعبيا) عن الإعداد للمعركة القادمة، بما يعنيه ذلك من حتمية الظهور بمفاجآت ستربك ما تبقى لدى أرباب البلطجة والعربدة من قدرة على استيعاب الواقع وقد تُدخلهم نفقا مظلما سيصعب عليهم فيه وضع أي تصور لمتطلبات الواقع الجديد.
عاشوا ذلك خلال عمليات «الفتح الموعود والجهاد المقدس»، والمعركة مستمرة، لذلك سيرون حتما وبعون من الله القدير ما يُنهي آمالهم بالعودة إلى استباحة الجغرافية اليمنية.
كما يكفي أمريكا أن تستعرض مشاهد نهاية تواجدها في اليمن، كيف انهار كبرياؤها وظهرت ساحبة «المارينز» كحال بريطانيا يوم جرّت آخر جنودها من عدن الحرة.
في مسارات التهيئة والإعداد، يظهر اليمنيون بحالة إصرار استثنائية ورغبة نادرة لحسم المعركة، ولإجبار أمريكا على التسليم بأن اليمنيين لا ينطلقون في مواقفهم من مطامع وإنما من معتقد يُوجب عليهم التحرك ضد العداء.
وعلى أمريكا ألا تتجاهل هذه الحقيقة كلما فكرت أنه بمقدورها إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. وأن تكون على ثقة بأنه لا الجزرة تغري اليمنيين ولا العصا تخيفهم.
