كانت أصابعه تعرف طريقها إلى الحروف قبل أن تصل إليها العيون. يجلس في زاويته الهادئة بمؤسسة الثورة محاطا بأكوام الصحف القديمة والمجلدات المتراصة التي تشي بأن رجلا هنا يحرس ذاكرة بأكملها. يمرر يديه على الأوراق الباهتة وكأنه يلمس وجها عزيزا ثم يبدأ رحلته اليومية بين السطور يصحح يمحو يضيف ويستخرج جوهر الخبر من قلب الفوضى بصرامة مؤرخ وصبر راهب.
ذلك هو عبدالحليم سيف الذي ودع عالمنا ظهر الجمعة حاملا معه أسرار خمسة عقود من الحبر والورق والهمس في أذن التاريخ.
بدأت القصة في عدن حيث فتحت المدارس الحديثة له نافذة على عالم أوسع من حارات الحرفة وصخب الميناء. ثم حملته البعثة إلى موسكو حيث تعلم في مدارس الصحافة السوفيتية ليس فقط فن الكتابة بل وأخلاق المهنة وحديد الانضباط. وعندما عاد إلى صنعاء في منتصف السبعينيات لم يكن يحمل شهادة فحسب بل يحمل مشروع حياة: أن يكون للصحافة اليمنية ذاكرة وللكلمة وزن وللحقيقة سجل لا يزور.
في أروقة مؤسسة الثورة تحول إلى خازن للذاكرة ومهندس للوعي. كان يدخل في عصر كل يوم ولا يغادر إلا بعد أن يطمئن إلى أن آخر خبر قد نال حظه من التدقيق وأن آخر صفحة جاهزة للنشر قد خضعت لمعاييره الصارمة. كان يعلم أن الكلمة التي ستطبع غدا قد تقرأ بعد سنوات فكتب وكأنه يخاطب المستقبل.
لم يكن مدير أخبار فحسب . كان الأب المهني لعشرات الصحفيين الذين تعلموا على يديه أن المصدر الموثوق أغلى من السبق وأن التدقيق أهم من الإثارة وأن رسالة الصحافة أسمى من أي منصب. كان يفتح مكتبه وبيته لاحقا لكل طالب معرفة يمنح من وقته وخبرته بلا حساب كأنه يعيد سداد دين للمهنة التي وهبها عمره.
بيته في صنعاء تحول إلى مكتبة عامرة ومتحف صحفي نادر. جدرانه تشهد على رحلة جمع مضنية لكل ما كتب عن اليمن ورفوفه تحمل إصدارات نادرة ووثائق تاريخية كادت أن تلقى في مزابل النسيان.
هناك، بين دفتي المجلدات عاش عبدالحليم سيف حياة ثانية يبحث.. يرتب..يؤرشف.. ويكتب.
وأما كتبه فهي شهادات ميلاد الصحافة اليمنية الحديثة. «نشأة الصحافة باليمن» «أربعون سنة صحافة… الثورة النشأة والتطور» «التاريخ والتجربة – نقابة الصحفيين اليمنيين» أعمال لم تكن مجرد سرد توثيقي بل كانت تشريحا دقيقا لمسيرة كفاح ومهنة ناشئة في بلد يتكون حديثا.
لكن الألم كان رفيق هذه المسيرة الطويلة. سنوات القراءة المتواصلة تحت ضوء خافت والسهر لساعات طويلة لإنهاء تقرير أو إتمام بحث أخذت من عينيه بريقهما شيئا فشيئا حتى أضجع في فراش المرض يحمل بين جفنيه تاريخ صحافة كاملة وبين أضلعه مرارة جحود من خدمهم بقلمه.
رحل عبدالحليم سيف كما عاش: بهدوء من غير ضجيج محاطا بزهد اختاره وبكرامة حافظ عليها حتى النهاية. رحل تاركا فراغا في مقعده في المؤسسة وفي قلوب كل من عرفوه معلما وصديقا ومرجعا. لكنه ترك إرثا لا يقضى: تاريخا مكتوبا بدم القلب وحبر الأمانة وجيلا من الصحفيين تعلموا أن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون سلطة.
اليوم تطوي اليمن صفحة من تاريخ صحافتها الحافل. صفحة كان عنوانها «عبدالحليم سيف» رجل لم ينحن لقوة إلا لقوة الحقيقة ولم يخضع لسلطان إلا لسلطان الضمير. رحل الجسد لكن سطوره باقية وشهادته للتاريخ مكتملة.
