مشهد القدس الثقافي في قلب الاشتباك.. كيف تبدو المدينة بعد طوفان الأقصى؟

 

الثورة / متابعات

في القدس، حيث يُعاد تعريف المكان والإنسان والذاكرة تحت وطأة سياسات استعمارية مركّبة، لم تعد الثقافة فعلاً رمزياً موازياً للسياسة، ولا نشاطاً هامشياً يمكن فصله عن شروط العيش اليومية، وإنما أحد ميادين الاشتباك الأساسية على الحضور الفلسطيني ذاته.
هكذا تقارب ورقة السياسات الصادرة عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية، في 14 يناير/كانون الثاني 2026، واقع الممارسة الثقافية اليومية في المدينة، بوصفها ساحة صراع غير مباشر على المعنى، والذاكرة، والشرعية الرمزية، خصوصاً في المرحلة التي تلت 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
تنطلق الورقة من فرضية مركزية مفادها أن الثقافة في القدس تحوّلت إلى مسألة سياسات عامة تمسّ شروط البقاء الفردي والجماعي، لا سيما في سياق اجتماعي- اقتصادي بالغ الهشاشة. فوفق المعطيات الرسمية، يعيش نحو ثلاثة أرباع الفلسطينيين في القدس تحت خط الفقر، مع نسب مرتفعة بشكل خاص بين الأطفال، ما يعني تآكلاً مبكراً في القاعدة الاجتماعية التي يفترض أن تشكّل جمهور الثقافة في المستقبل.
مشهد القدس قبل 7 أكتوبر
هذا الواقع لا ينعكس فقط في محدودية الوصول إلى الأنشطة الثقافية، بل يطال بنية المؤسسات نفسها، وأنماط الإنتاج الفني، وقدرة الفاعلين الثقافيين على الاستمرار، لتغدو الممارسة الثقافية اليومية شكلاً من أشكال الصمود غير المعلن، وفي الوقت ذاته حقلاً شديد القابلية للاستهداف والتجفيف المنهجي.
قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، كان المشهد الثقافي الفلسطيني في القدس قائماً، في معظمه، على شبكة من المبادرات الفردية والفضاءات الأهلية المستقلة، منخفضة التكلفة، والتي تعمل ضمن بيئة قانونية وأمنية غير مستقرة.
أتاح هذا النمط حضوراً ثقافياً يومياً متواضعاً لكنه متواصل، عبر عروض مسرحية صغيرة، وورش فنية للأطفال، وأمسيات شعرية محدودة، ومكتبات عامة، غير أن هذه الاستمرارية كانت قائمة على منطق التكيّف الدائم مع القيود، لا على التخطيط طويل الأمد أو التطوير المؤسسي. فالهشاشة البنيوية، الناتجة من تداخل القيود القانونية والأمنية والتمويل المشروط وضعف التنسيق، جعلت الفعل الثقافي قابلاً للتجميد السريع عند أي تصعيد سياسي أو أمني.
ثقافة القدس في حدود الممكن
في هذا السياق، لا تقارب الورقة الثقافة بوصفها نشاطاً إبداعياً مستقلاً، بل باعتبارها إحدى آليات تنظيم الحضور الفلسطيني في الفضاء العام. ففي مدينة تُدار عبر منظومات تصنيف أمني وقانوني متداخلة، يُعاد تحديد ما يمكن ظهوره وتداوله ثقافياً، ومن يملك حق التعبير والتمثيل داخل المجال العام، بما يحوّل الثقافة إلى مجال خاضع لمعادلات السماح والمنع، لا إلى حق مدني أصيل.
ومن هنا، تصبح الممارسة الثقافية اليومية مساحة اختبار دائمة لحدود الممكن، وحقلًا حساساً تتداخل فيه أدوات الضبط الناعم مع أشكال القمع المباشر، من دون الحاجة دائماً إلى قرارات منع صريحة.
عملت السياسات الإسرائيلية، قبل الحرب على غزة، على ضبط المجال الثقافي المقدسي عبر منظومة متراكمة من الأدوات: تقدير أمني متغيّر، اتهامات فضفاضة بـ”التحريض” أو “الارتباط السياسي”، تمويل مشروط يفرغ العمل الثقافي من مضامينه النقدية، ورقابة رقمية متصاعدة. وقد أفضى هذا كله إلى إنتاج مشهد ثقافي يعمل تحت منسوب عالٍ من الحذر المسبق، ويُدار بوصفه هامشاً مسموحاً به مؤقتاً، لا حقاً أصيلاً للسكان الأصليين.
غير أن ما بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 شكّل نقطة انعطاف حادة. فمع اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة، انتقلت السياسات الإسرائيلية من منطق الضبط إلى منطق التعطيل شبه الكامل. لم يعد المجال الثقافي يُدار كحيز إداري قابل للتنظيم، وإنما كمساحة عالية المخاطر ينبغي تجميدها، حيث جرى إيقاف نشاطات قائمة، وإلغاء برامج مقررة، ومداهمة مؤسسات ثقافية، من دون مسارات قانونية واضحة، ما أعاد تعريف الثقافة من ممارسة مدنية إلى مخاطرة أمنية بحد ذاتها.
برمجة منخفضة الظهور
تجلّى هذا التحول في استهداف مباشر للممارسات الثقافية اليومية. داهمت قوات الاحتلال مسرح الحكواتي أثناء عرض موجّه للأطفال، وأُوقف العرض وأُخليت القاعة رغم طابعه التربوي المحدود. أُلغيت فعاليات تعليمية وثقافية في فضاءات مغلقة بذريعة “التحريض”، واتسع تعريف التهديد ليشمل الفعل الثقافي نفسه، لا مضمونه فقط.
وبلغ الاستهداف ذروته في مداهمة المكتبات، مثل المكتبة العلمية في شارع صلاح الدين ومكتبة القدس في خان الزيت، ومصادرة كتب واعتقال مالكيها، في تسييس مباشر للمعرفة المكتوبة والتعامل معها كعنصر تهديد موازٍ للفعل السياسي.
تعطيل البنية المؤسسية طال المعنى ذاته، فمُنعت أمسيات ومعارض بسبب مفردات أو رموز مرتبطة بغزة أو الذاكرة الفلسطينية، وأُزيلت مواد ثقافية من الفضاء العام.
وعلى المستوى البنيوي، ترافق ذلك مع تشديد القيود المالية والتنظيمية، وتعطيل تحويلات مالية، وتخويف مانحين دوليين، ما أدى إلى تقليص البرامج وتعليقها، وأنتج هشاشة مضاعفة في زمن الحرب. حتى الفضاء الرقمي، الذي شكّل سابقاً بديلاً نسبياً، لم يعد ملاذاً آمناً، إذ توسعت المراقبة والتحقيقات وحذف المحتوى، وأُعيد إنتاج الرقابة الذاتية خارج الفضاء المادي.
ورغم هذا كله، لم تختفِ الممارسة الثقافية تماماً. بل أعادت تنظيم نفسها ضمن برمجة منخفضة الظهور، محدودة الإعلان، وقابلة للإلغاء في أي لحظة. استمرت بعض الأنشطة داخل فضاءات مغلقة، كعروض سينمائية وأمسيات ثقافية وبازارات حرفية ضيقة النطاق، في ظل حذر لغوي وتنظيمي واضح، ومن دون توسع إعلامي.
غير أن هذا التكيّف ظل هشاً، إذ أُوقفت فعاليات في اللحظات الأخيرة، وأُحبطت مبادرات قبل انطلاقها، في استهداف للبنية الحاضنة للفعل الثقافي لا للحدث وحده.
توصيات سياساتية
وتخلص الورقة إلى أن الممارسات الثقافية في القدس ليس إجراءً ظرفياً أو رمزياً، إنما شكل من أشكال الحضور الممكن في مدينة تُدار إسرائيلياً بمنطق الإقصاء، وتفريغ المجال العام من قدرته على إنتاج المعنى.
وتشدد الدراسة على أن المجال الثقافي بوصفه حيزاً سيادياً للذاكرة والهوية، وأحد ميادين الصراع الأساسية على المدينة، فإن التعامل مع الثقافة بصفتها مسألة سياسات عامة يمثل شرطاً أساسياً لحماية الاستمرارية، وتعزيز القدرة المجتمعية على الصمود، وترسيخ الحضور الفلسطيني اليومي في الفضاء العام المقدسي ضمن أفق بناء تراكمي طويل الأمد.
بناءً على ذلك، تدعو الورقة إلى إعادة تعريف الثقافة في القدس بوصفها أولوية سياساتية، لا نشاطاً تكميلياً. توصي بالتحول من منطق التمويل قصير الأجل إلى دعم تشغيلي مرن يوفر حدّاً أدنى من الاستقرار، وبإنشاء آليات دعم سريعة ومنخفضة البيروقراطية، وتوفير غطاء قانوني وتوثيقي يحمي الفعل الثقافي المستهدف. كما تشدد على ضرورة تطوير سياسات أمان رقمي متخصصة، ومواءمة الدعم الدولي مع الواقع السياسي والأمني الخاص بالقدس.
وتوصي الورقة بإدراج الثقافة في القدس ضمن سلّم الأولويات السياساتية بصفتها شرطاً بنيوياً للبقاء والصمود، وبالتحول من منطق التمويل القائم على المشاريع القصيرة الأجل إلى دعم تشغيلي مرن ومتوسط الأجل يوفر حداً أدنى من الاستقرار المؤسسي ويحد من قابلية المبادرات الثقافية للتجميد الفوري.
كما تدعو إلى إنشاء آليات دعم سريعة ومنخفضة البيروقراطية قادرة على الاستجابة الفورية لحالات الإغلاق والمنع. وتؤكد الورقة ضرورة توفير غطاء قانوني وتوثيقي يحمي الفعل الثقافي المستهدَف ويخفِّف تكلفته الأمنية والمؤسساتية، إلى جانب دعم تنسيقات ثقافية مقدسية وغير مركزية تحد من مخاطر الاستهداف الناتجة من التمركز.
وفي ظل تحوُل الفضاء الرقمي إلى امتداد لمنطق الضبط والمراقبة، توصي الورقة بتطوير سياسات أمان رقمي متخصصة تحمي العاملين في الحقل الثقافي وتحدّ من الرقابة الذاتية القسرية، فضلاً عن مواءمة سياسات الدعم الدولي مع الواقع السياسي والأمني للقدس نحو تدخلات عملية قابلة للتنفيذ.

قد يعجبك ايضا