عنوانه هويته الايمانية ..جيل يستطيع أن يقول “لا للإنحراف “

 

عادل حويس

تعتبر الأسرة الخلية الأولى في نسيج المجتمع ومنها تنطلق أولى خطوات التربية والتعليم التي تشكل وعي الإنسان وتحدد مسار شخصيته. ففي أحضان الأسرة تغرس القيم وتبنى الأخلاق وتكتسب المهارات التي تهيئ الفرد ليكون لبنة صالحة في مجتمعه. ومع تسارع وتيرة الحياة وتعقد التحديات المعاصرة من الانفتاح الإعلامي الهائل إلى تغير النمط الاجتماعي تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى إعادة تصور دور الأسرة التربوي والتعليمي ليس كمسؤولية روتينية بل كمشروع استثماري واع يهدف لتنمية إنسان متكامل قادر على الموازنة بين ثوابت هويته ومتطلبات عصره.

إن جوهر التربية الأسرية الناجحة لا يكمن في التلقين أو فرض السيطرة بل في تحقيق توازن دقيق بين عدة أضلاع تشكل معاً منظومة متكاملة. وأول هذه الأضلاع هو التوازن بين الحزم واللين وهو فن تربوي عظيم.

فالحزم الحقيقي ليس قسوة أو تسلطا بل هو وضع حدود واضحة تمنح الطفل الإحساس بالأمان والاستقرار وتعلمه احترام القواعد. أما اللين فهو ليس ضعفا أو تساهلا بل هو التواصل بالحكمة والرحمة والإنصات لمشاعر الطفل وتقديم التوجيه ضمن إطار من المحبة. فالتربية الفعالة هي التي تعرف متى تكون صارمة في المبدأ رحيمة في الأسلوب مستلهمة في ذلك الهدي النبوي الذي جمع بين الهيبة والمودة.

وهذا التوازن يحول دون الوقوع في مصيدتين خطرتين: التربية المتسلطة التي قد تنتج طفلاً خائفا أو متمردا في الخفاء والتربية المتساهلة التي قد تربي طفلا أنانيا لا يحتمل رفض طلب أو تأجيل رغبة.

ويأتي الضلع الثاني متمثلاً في التربية بالقدوة وهي من أنجع الأساليب تأثيراً. فالأبناء يمتصون السلوكيات من محيطهم قبل أن يستوعبوا النصائح الموجهة إليهم.

إذ لا فائدة من خطاب يحث على الصدق إذا شهد الطفل مخالفة الوالدين لذلك، أو حديث عن بر الوالدين دون أن يرى التطبيق العملي لهذا البر في تعامل والديه مع أجداده. فالأسرة هي المسرح الأول الذي يشهد عليه الطفل دروساً عملية في الأخلاق والتعامل والالتزام مما يجعل من الوالدين نموذجا حيا يتعلم منه الأبناء بشكل تلقائي وعميق.

أما الضلع الثالث فيتمثل في الانتقال من أسلوب الأوامر المباشرة إلى أسلوب المشاركة والتوجيه غير المباشر. لقد عفا الزمن على نموذج المربي الآمر الناهي الذي يصدر التعليمات دون مناقشة. فالتربية الحديثة تعتمد على احترام عقل الطفل وشخصيته وذلك من خلال أساليب مثل إشراكه في الحوار الأسري وتشجيعه على التعبير عن آرائه في شؤون العائلة، ومنحه خيارات ضمن حدود معقولة وتعليمه تحمل المسؤوليات المناسبة لسنه.

إن تشجيع الطفل على ترتيب غرفته أو المشاركة في التخطيط لرحلة عائلية أو إدارة ميزانية مصغرة أثناء هذه الرحلة كلها تدريبات عملية تغرس فيه قيما كالتنظيم والمشاركة والمسؤولية المالية وهي أكثر تأثيرا من أي محاضرة نظرية.

ولا يمكن إغفال التحدي الضخم الذي تمثله وسائل الإعلام والفضاء الرقمي الذي أصبح شريكا -وأحيانا منافسا- للأسرة في عملية التربية. إذ يقضي الأطفال والشبان ساعات طويلة أمام الشاشات يتلقون منها قدرا هائلاً من المعلومات والقيم والمفاهيم التي قد تتعارض مع ما تزرعه الأسرة. وهذا يحتم على الوالدين عدم الانكفاء على دور المراقب السلبي بل يفرض عليهم تطوير “تربية إعلامية” وقائية. وذلك يكون بترشيد الاستهلاك الإعلامي ومشاهدة بعض المحتوى مع الأبناء ومناقشته معهم لتنمية قدراتهم النقدية وملء أوقات فراغهم بأنشطة بديلة نافعة وجذابة كالرياضة والقراءة والمشاركة في حلقات تعليمية.

كما أن خلق بيئة أسرية جاذبة، مليئة بالأنشطة التفاعلية مثل جلسات النقاش العائلية و”المجلس الاستشاري” للأسرة وتبادل القصص والتجارب يسحب البساط من تحت تأثير الشاشات ويعزز الروابط العاطفية والفكرية داخل الأسرة.

وأخيراً يبقى الهدف الأسمى للتربية والتعليم الأسري هو بناء الشخصية المتكاملة القادرة على التفكير النقدي واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية. وهذا يتطلب من المربي التركيز على تنمية الضمير الأخلاقي الداخلي لدى الطفل أكثر من اعتماده على الرقابة الخارجية والعقاب.

كما أن التشجيع والتحفيز الإيجابي عبر الكلمات الطيبة والثناء على المجهود وليس فقط النتيجة له أثر أعمق وأبعد مدى من النقد المستمر أو العقوبات القاسية التي قد تضعف الثقة بالنفس.

إن تربية جيل يعرف حدوده ويحترم غيره ويثق بقدراته وهويته ويستطيع أن يقول “لا” للانحراف هي الثمرة الحقيقية للجهد التربوي الواعي الذي يجمع بين حكمة الموروث وحاجات العصر بين أصالة المبادئ ومرونة الأساليب ليكون البيت حقا مدرسة الإنسان الأولى وأهمها.

 

 

قد يعجبك ايضا