دروس من الهجرة النبوية

نستقبل اليوم مناسبة اسلامية عظيمة أقل ما توصف به هذه المناسبة أنها بداية التوثيق للتاريخ والدعوة الاسلامية على حد سواء ذلك أن التاريخ الهجري كان بمثابة بداية ميلاد الدولة الاسلامية ومنطلق انتشارها إلى كل أصقاع الأرض ولا يمكن لأمة أن تصنع مجدها وتبني حضارتها دون أن تكون لها بداية فالحاضر يستمد أصوله من الماضي وهذا ما يحفل به التاريخ الهجري وهو يثبت للمسلمين حقهم في تحديد وتخصيص تاريخ ينفرد به المسلمون وتشهد به كل الأمم والشعوب عبر كل العصور ويمكن لنا أن نستنبط من تاريخنا الهجري العديد من المواقف الخالدة التي وضحت لنا دور الرعيل الأول من الصحابة الكرام الذين اسسوا هذا التاريخ وحددوا ملامحه وفقاٍ لما تعلموه من نبينا محمد عليه الصلاة والسلام الذي سطر في معجزة الهجرة النبوية أعظم ملامح التضحية والفداء في طريق رسم خارطة الدولة الإسلامية والقفز بها على الواقع المظلم متجاوزاٍ الصعاب التي تقف في سبيل بناء الدولة الإسلامية محققاٍ بذلك لهذه الأمة سبل العيش الرغيد في ظل دولة العدل والمساواة بين مختلف الأطياف والأعراق الإنسانية ولما يحقق مبادئ الحكم الرشيد الذي تأسس وظهرت ملامحه في أول تاريخ الهجرة النبوية وحتى تستمر مسيرة البناء والتعمير لهذه الدولة المنشودة كانت الهجرة النبوية رؤية استراتيجية نبوية بعيدة المدى ولها مدلولاتها على الأمدين القريب والبعيد من حيث توزيع الأدوار والواجبات بين الفريق المصاحب لرسول الله في تحقيق هذه الغاية فكان الصحابة الكرام وعلى رأسهم الصديق رضي الله عنه والإمام علي كرم الله وجهه وأسماء المعروفة بذات النطاقين وغيرهم ممن ساهموا في معجزة الهجرة من الذين ساروا مع رسول الله وقدموا أرواحهم وكل ما يملكونه في سبيل نجاح هذه الهجرة كان لهذه الأدوار الفضل الكبير في الوصول لما نحن عليه اليوم من نعمة الإسلام التي ندين به.. ذلك أن التكامل الإسلامي الذي مثله أولئك الأفراد في حادثة الهجرة التي تعلمنا اليوم خصوصاٍ في ظل ظروف الخلاف والقتال والفتن التي نعيشها.. كيف تكون أخلاق المسلمين في الظروف الحساسة والحرجة التي تشهد انقساماٍ واضطراباٍ تمزقت فيه الأمة وأصبح حالها منذراٍ بحصول ما هو أسوأ مما نراه ونشهده…. فدروس الهجرة اليوم تلقي بظلالها على واقعنا اليوم الذي يجب أن نعيد قراءته من دروس الهجرة التي مثلت الحراك الإيجابي في سلوكيات الصحابة لتغيير الواقع المعاش وخلق واقع جديد ينسجم مع ضرورات الحياة ويحمل معه ملامح الواقع الجديد… واقع الإيمان والمحبة والوحدة في ظل ظروف الأمن والأمان والاستقرار والطمأنينة والتعايش السلمي.. وهذا ما كان يفتقده المسلمون في مكة قبل الهجرة من الظلم والتسلط والعبودية والاستبداد الذي عانى منه المسلمون كثيراٍ قبل حادثة الهجرة النبوية الكريمة.
إن من أهم ما يجب أن نستفيد منه ونحن نشهد ذكرى الهجرة النبوية وبداية العام الهجري الجديد أن نستنبط مدلولات وإشارات ما حملته الهجرة في مضامينها ولعل من أهمها التكاتف والتلاحم والتعاون الذي سطره المسلمون في تلك الفترة .. ونعكس ذلك في واقعنا وحياتنا اليومية المكتظة بالصراعات والخلافات بكل أنواعها, واستلهامنا للدرس والعظة ينبغي أن يرتكز على ضرورة الاتعاظ من تاريخنا وما فيه من مشاهد وصور الاعتصام والتوافق فالأمة التي لا تعود إلى تاريخها ستظل متخبطة وتائهة في سياساتها ومعاملاتها وشئونها الحياتية وحتى الدينية والأمواج التي تعصف بنا اليوم ما هي إلا نتيجة طبيعية لانحرافنا عن الطريق وجهلنا بتاريخنا الناصع الذي لا يكذب.. بل وضحت لنا صفحاته المشرقة أن الأخوة والألفة التي تعامل بها أسلافنا كانت السمة الدائمة في معاملاتهم اليومية وبالتالي كانت السبب الأول في ازدهار حضاراتهم ونمو مجتمعاتهم وصلاح دنياهم والفلاح في أخراهم كما يكشف تاريخ الهجرة للمسلمين سر بقاء الحكم الرشيد على أصوله وأسباب التعايش السلمي بين المسلمين مهما اختلفت أعراقهم وانتماءاتهم وهو التعاون على البر والتقوي في إدارة شئون الحياة بين الراعي والرعية واخشى اليوم ونحن نتجرع ويلات واقعنا المزري أننا أصبحنا نتعاون على الإثم والعدوان وكأننا أخذنا من تاريخنا ما نهانا عنه بالمشهد والصورة فضلاٍ عن نهي ربنا ونبينا في منهجنا وتشريعاتنا والخلاصة تحتم علينا اليوم أن نلملم جراحاتنا ونفقه ديننا ونعي مدلولات تاريخنا ونتعلم من أخطائنا دون مكابرة أو عناد وإلا فسنكون ممن ليس له حظ في تاريخه بالثناء وذكر الفضل وتخليد المواقف وقصها وحكايتها للأجيال من بعدنا شأننا شأن من خالف تاريخه ممن سبقنا ممن لعنتهم الأجيال وفضحهم التاريخ.. والفرصة قائمة لمن أراد أن يخلد اسمه ويمجد فعله في صفحات التاريخ حتى وإن قبضت روحه ودفن جسمه وانتهى أجله … وتذكروا دائماٍ أن التاريخ كفيل بكشف المستور وغالباٍ لا يكذب….. وإلى لقاء.

قد يعجبك ايضا