المحاضرات الرمضانية للسيد القائد ودورها في بناء الوعي القرآني للأمة

شاهر أحمد عمير

 

 

يطلّ علينا في شهر رمضان المبارك السيد القائد عبدالملك بن بدر الدين الحوثي- حفظه الله- بمحاضراته الرمضانية التي تمثل محطة إيمانية متجددة وزادًا روحيًا وفكريًا يعين الأمة على الثبات والوعي في زمن التحديات. فهي محاضرات لا تُستمع فقط، بل تُعاش، لأنها تنبع من هدى الله، ومن منبع القرآن الكريم، ومن علم آل البيت عليهم السلام، لتكون سفينة نجاة في زمن كثرت فيه الفتن وتعددت فيه أدوات التضليل.
هذه المحاضرات ليست خطبًا دينية تقليدية، بل مشروع قرآني متكامل يسعى إلى بناء الإنسان الواعي، المدرك لحقيقة الصراع بين الحق والباطل، ويمنحه البصيرة التي تحصّنه من المؤامرات التي تستهدف عقيدة الأمة وهويتها واستقلال قرارها. فهي تربي الوعي، وتعيد ترتيب المفاهيم، وتضع المسلم أمام مسؤوليته الدينية والإنسانية تجاه قضايا أمته.
وتزداد أهمية هذه المحاضرات في هذا التوقيت تحديدًا، إذ تتزامن مع واحدة من أشد المراحل قسوة التي تمر بها الأمة، وفي مقدمتها ما يعانيه أبناء غزة من حصار خانق وعدوان متواصل، وعمليات قتل وتدمير ممنهجة ينفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي، بدعم سياسي وعسكري مفتوح من أمريكا، في ظل خذلان عربي واضح وصمت رسمي مخزٍ كشف حجم التراجع الخطير في المواقف تجاه القضية الفلسطينية.
إن ما يجري في غزة لا يمكن فصله عن السياق العام للصراع في المنطقة، ولا عن الرؤية التي يطرحها السيد القائد في محاضراته، حيث يؤكد أن العدو الصهيوني لا يتحرك بمعزل عن منظومة الهيمنة الغربية، وأن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين ليست أحداثًا عابرة أو ردود فعل آنية، بل سياسة ثابتة تهدف إلى كسر إرادة الشعوب وفرض معادلات جديدة بالقوة. ويترافق ذلك مع استمرار الانتهاكات في لبنان، في محاولة واضحة لتوسيع دائرة التوتر وفرض واقع أمني يخدم المشروع التوسعي للاحتلال، مستفيدًا من حالة العجز الدولي والتواطؤ الغربي.
وتبرز المحاضرات الرمضانية بوصفها خطاب وعي وتحليل، لا يكتفي بإدانة الجرائم، بل يكشف جذورها الفكرية والسياسية، ويفكك الخطاب الزائف الذي يسعى إلى تبريرها أو تصويرها كدفاع عن النفس. كما تؤدي دورًا محوريًا في تعزيز الصمود الشعبي، سواء في اليمن أو في عموم الأمة، من خلال ترسيخ قناعة راسخة بأن الثبات على الموقف، والاعتماد على الله، والتمسك بالحق، هي عناصر أساسية في صناعة النصر، بغض النظر عن اختلال موازين القوة المادية. فالتجربة الفلسطينية، ومعاناة غزة على وجه الخصوص، تقدم نموذجًا صارخًا لنتائج الرهان على الوعود الدولية، التي لم تنتج سوى مزيد من الحصار والقتل والخذلان.
وتكمن أهمية هذه المحاضرات أيضًا في بعدها التربوي والفكري، إذ تعيد ربط القضايا الكبرى بالمنهج القرآني، وتؤكد أن الصراع الدائر ليس سياسيًا أو جغرافيًا فحسب، بل هو صراع وعي وقيم وإرادة. فهي تعلم الإنسان كيف يواجه الفتن بثبات، ويكتسب البصيرة التي تجعله واعيًا بحقيقة المعركة التي تستهدف وعي الأمة قبل أي شيء آخر، كما تسهم في تعزيز الوعي الجمعي، وتماسك المجتمع، وتحمله لمسؤولياته في الدفاع عن قيمه وهويته الإيمانية.
إن ما يطرحه السيد القائد يشكل إطارًا فكريًا جامعًا لفهم ما يجري في اليمن وفلسطين ولبنان ضمن معركة واحدة، عنوانها مواجهة الاحتلال والهيمنة والاستكبار. وهي محاضرات تعيد الاعتبار لمفهوم المسؤولية الجماعية للأمة، وتؤكد أن الصمت أمام الجرائم لا يعني الحياد، بل يمثل شكلًا من أشكال التواطؤ غير المعلن. وتعتبر المحاضرات الرمضانية للسيد القائد اليوم خريطة للأمة العربية والإسلامية، وتسليحًا للوعي، تمكّن الشعوب من فهم المعركة الكبرى واستشراف الطريق نحو الصمود والثبات إلى جانب قضايا الأمة العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، مهما اشتد العدوان وتعاظم الخذلان.

قد يعجبك ايضا