مكتبة في سفح جبل نقم
هشام علي

لقد طال الأمد حتى تلحق هذه المقالة بسابقتها التي نشرت قبل أكثر من شهرين وأعتذر هنا للقارئ المتتبع وللصحيفة وللصديق محمد القعود الذي ما فتئ يحثني على الكتابة منذ أكثر من عشرين عاما ولا استطيع سوى الاستجابة لإلحاحه في الطلب رغم ما ينتابني من إحساس في أحايين كثيرة بعدم جدوى الكتابة في هذه الأزمنة الصعبة.
وقبل أن استرسل في سرد حكاية مكتبتي التي أودعتها في غرفة صغيرة في سفح جبل نقم غرفة أشبه بكهف من كهوفه يغمرها الظلام وتنقطع داخلها الأنفاس ورغم كآبة المنظر والمصير المؤلم فإن الأمل يقرع بابها إن فجرا قادما يلوح في الأفق تخرج فيه الكتب من عتمة ذلك الكهف لتحتل موقعا في الصدارة من حياتنا وبيوتنا وتملأ بنور العقل والتنوير مسالك عيشنا وطرائق حياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية وجميع المجالات الأخرى التي تشكل في مجموعها ما نطلق عليه المجتمع ولذا لم أشعر بحسرة في النفس وأنا انقل كتبي إلى ذلك الكهف في سفح جبل نقم. ليس في الأمر أي انتقام أو نقمة كما قد يوحي بذلك اسم الجبل الشامخ فوق مدينة صنعاء الذي يظللها بغمائمه في معظم أيام السنة. وهنا أقف قليلا عند دلالات المكان وعند تسمية الجبل “نقم” بدلالاتها العنيفة أو بما توحي من دلالات رغم أن عنف اللغة لا يعني بضرورة عنف الدلالة والفعل وبهذه المناسبة استعيد التسمية الأخرى لجبل “نقم” التي اقترح شاعرنا الجميل “عبدالعزيز المقالح” إطلاقها على الجبل جبل “غيمان” وأيده في ذلك الأستاذ الصديق “خالد الرويشان” “غيمان” اسم كان يطلق أهالي صنعاء على هذا الجبل الذي تغطي الغيوم قممه العالية بل تكاد تغطيه كله في مواسم الأمطار في زمن غير بعيد وقبل أن تقسو النفوس وتتحجر وقبل أن يتحول الجبل إلى قلعة للسلاح والمدافع والصواريخ الذكية وغير الذكية كان الناس يصعدون إلى هذا الجبل في وقت الأمطار كأنهم يبحثون عن أصل الماء المنبعث من تلك السحب البيضاء التي تكاد تغطي ذلك الجبل أو أنهم كانوا يفتشون عن المطلق الساكن في أعالي القمم البيضاء كما يروي الأستاذ أحمد محفوظ عمر في قصته الرائعة ” يا أهل هذا الجبل”
بعيدا عن الجبل واسمه نعود إلى ذلك الكهف حيث أودعت كتبي محملة بالأمل في عودتها إلى مقام رفيع في صدارة البيت مهما كان ضيقا أو صغيرا. فالمكتبة في المنزل لها أكثر من دلالة ومعني. وكذلك الحال بالنسبة للمجتمع بشكل عام والذي يمثل مجموعة أفراد وعائلات وبيوت وإعلانات لذلك علقت جرسا على باب تلك الغرفة المغلقة التي شبهتها بالكهف. كهف مظلم لكنه يحفظ داخله أنوار العقل والفكر. لابد من أن يقرع الأمل ذلك الجرس المعلق بالباب. ليس في الأمر استعارة من عنوان تلك السيمفونية الأخيرة لبيتهوفن: الأمل يقرع الباب” التي ألفها بعد أن أصبح أصما تماما ومع ذلك ظل ينتظر سماع ذلك الأمل الذي يقرع الباب الأمل في خروج المكتبة من تلك الغرفة في سفح نقم لتحتل مكانها في أعلى قمة يعود إلى قراءة جدلية لعلاقة الكتب بالإنسان والمجتمع وقد أوضح الكاتب الأرجنتيني البرتو ما نفويل هذه العلاقة بين الكتب والمجتمع بصورة عميقة لا مناص للكتب في أن تشترك في مصير المجتمعات التي هي جزء منها فكلما فكرنا في الكتاب علينا أن نفكر في المجتمع أولا وكلما قلقنا بشأن مستقبل الكتب علينا أن ندقق النظر في المجتمع واتجاهاته ولكي نجعل الكتب صالحة للمجتمع الذي نعيش فيه علينا أن نحاول منع المجتمع من أن يصير غير صالح للكتب.
هذه العلاقة بين المكتب والمجتمع تحتاج إلى وقفة مطولة للبحث في تفاصيلها وكشف مضامينها العميقة وذلك لتفنيد الآراء التي يرددها كثيرون عن نهاية الكتاب ولكني أرجئ مناقشة الموضوع إلى مقال آخر وأعود لسرد حكاية المكتبة الخاصة التي ضاق بها البيت وآثرت إخراجها إلى سكان آخر شاءت المصادفة أن يكون غرفة في سفح جبل نقم وكان لهذا المكان دور في كتابة هذا المقال.
لم يكن قرار خروج الكتب من البيت أمرا هينا مثل هذا القرار يستثير مسألة أخرى هي دخول الكتب إلى البيت أو أول محاولة لتكوين المكتبة الواقع أنه لا يوجد قرار بتكوين مكتبة ولكن المكتبة تتكون وتنمو بنمو الإنسان ما أن يرتبط المرء بالقراءة ويصبح الكتاب جليسه المفضل حتى تبدأ الكتب في التراكم أنها تتجمع في رفوف أو خزانات وتظل وتتكاثر المكتبة مشروع ناقص غير مكتمل ولا يمكن أن يكتمل لقد ظل بورفيس يشتري كتبا حتى بعد أن أصيب بالعمى إن كل رف ناقص ينذر بمجيء كتب أخرى تضاف إلى المكتبة لكن الأمر لم يعد بهذه البساطة فازدحام الكتب وتراكمها جعل دخول الكتاب إلى البيت مقامرة غير محسوبة أو عملا مثيرا للشبهة هل أقول أننا نقوم بعملية تهريب الكتاب بطريقة سرية كما لو كانت أشياء ممنوعة ينبغي إخفاؤها عن عيوب الرقيب ليس في الأمر سخرية أو مبالغة ولكنها الحياة وضرورات العيش وقانون الإزاحة والتراكم الذي لا يحقق فائض قيمة داخل البيت إ