لعبة التاريخ
علي العماري


الساسة سوسة الشعوب وعقدتها ومأساتها وسبب معاناتها وتخلفها وخراب بيوتها ومشاريعها باستثناء نماذج ورموز ممن حكموا العالم يضرب بهم المثل وتعتز وتفاخر بهم الأمم.
مشكلة هؤلاء أنهم أساءوا استخدام السلطة واستغلال الثروة وتسببوا في إحداث قطيعة مع الماضي وأقاموا حواجز وأسلاكا شائكة أمام الحاضر وأوصدوا أبواب وآفاق المستقبل فأحكموا قبضتهم الحديدية على دولهم وشعوبهم وحولوها إلى جزر معزولة وسكان كهوف مظلمة مقطوعين عن العالم الخارجي وجعلوا من تاريخ بلدانهم بأحداثه ومنعطفاته مجرد سلسلة غير متصلة الحلقات ليلغوا بذلك من سبقهم ويمحوا تاريخهم ويطمسوا إنجازاتهم وينكروها .. يشوهوا سمعتهم ويحرمون ويجرمون تداول صورهم وذكر أسمائهم.
لا ندري هل هذا التصرف نابع عن حقد وحسد أو جهل وغباء فالجميع يتذكر التجربة المتميزة التي جاء بها الجنوب إلى دولة الوحدة كالصحة والتعليم منع السلاح والقات وسيادة النظام والقانون على الكل وبدلا من الأخذ بها جرى ضربها ونسفها بقوة ولم نسمع من سلطة ما بعد حرب 94 كلمة إطراء واحدة تشيد بالتجربة السياسية للحزب الاشتراكي خلال حكمه للجنوب وما قدمه من تنازلات ضخمة من أجل الوحدة ولم يعترف يوما بأفضلية نظامه القائم على دولة المؤسسات والاقتصاد المحمي من قوى الفساد والنهب فحافظ على الثروة الوطنية وبنى مؤسسات رسمية كمقار حكومية ونقابية ومهنية وبنى المساكن للمواطنين وجرى إهمال مشاريع كبيرة لأنها فقط من إنجازات الاشتراكي مثل المحطة الكهروحرارية بعدن لتوليد الطاقة الكهربائية وتحلية مياه البحر.
وتجاهل عهد الشهيد إبراهيم الحمدي الزاهي فاغتيل الرجل ومشروعه الوطني الكبير وتم دفنه معه في ذات القبر لكنه ظل محفورا في الذاكرة المجتمعية للشعب اليمني بشماله وجنوبه ولم يمت كما خطط له قتلة الحمدي من قبل.
على أن هذا المشهد الدرامي المحزن للقطيعة السياسية مع تاريخ الأمم والشعوب ماض وحاضر ومستقبل لا ينحصر على اليمن فقط.. فقد عمل الرئيس المصري الأسبق أنور السادات وخلفه حسني مبارك على إلغاء وشطب مرحلة الزعيم عبدالناصر من الذاكرة المصرية بكل توهجاتها وبصماتها الوطنية والقومية والإنسانية.
وقدم آخر رئيس سوفياتي (ميخائيل جور بانتشوف) تجربة أكثر من سبعين سنة من سلطة العمال والفلاحين هبة لأعداء المنظومة الاشتراكية مقابل أن يرضوا عنه غير أن هذا التنازل المجاني لم يضمن له البقاء في الحكم وخرج من الكرملن بطريقة مهينة.
وحاول حكام روسيا الجدد طي صفحة أسلافهم من القادة حتى أن جثتي لينين وستالين الموجودتين في الساحة الحمراء بموسكو أصبحتا تمثلان مشكلة كبيرة بالنسبة لهم وكذلك فعل الألمان عندما أهملوا وتخلوا عن تركة وإرث هتلر الذي قاد البلاد إلى قمة التطور الاقتصادي ورحاب التقدم العلمي الأمر الذي أثار غيرة وحسد الدول الغربية الأخرى التي دفعته إلى تفجير حرب حمقاء حصدت أرواح ملايين البشر بهدف ضرب عصفورين بحجر واحد ألمانيا والاتحاد السوفياتي للتخلص منهما إلى جانب أن الرجل كان قد أصيب بجنون العظمة والغرور والقوة.
