تموّجات الواقع الإسلامي ورموزه

عبدالرحمن مراد

 

 

في الواقع العربي والإسلامي اليوم تموجات متعددة, ففي لبنان سيطرة عسكرية إسرائيلية إلى درجة استباحة السيادة اللبنانية والأجواء اللبنانية, وفي سوريا أصبحت إسرائيل تسرح وتمرح دون عتيد أو رقيب, أما فلسطين، فالقرار أصبح فيها بيد إسرائيل بعد أن أنهكت المقاومة الإسلامية فيها, وليبيا أصبحت وطنا يعاني الشتات والتمزق, والسودان لم تخمد جمرة الانقسامات فيه بل يزداد أوارها, والصومال على قاب قوسين أو أدنى من الانفصال ليصبح دولتين, وتموجات الواقع في اليمن يشير إلى مكون جديد في المحافظات الشرقية, وآخر في المحافظات الجنوبية .
وما تزال الرؤية غير واضحة بشكل كلي ومتكامل في مصير جنوب اليمن  بعد خروج الإمارات من مسرح العلميات من الجنوب, وسقوط المجلس الانتقالي التابع لها, ويبدو لي أن حركة الشارع الإيراني – التي تشبه إلى حد بعيد ما حدث في الإقليم زمن الربيع العربي  بذات السيناريوهات والمحركات وبتدخل من قبل أمريكا وإسرائيل — ترمز إلى مرحلة جديدة من لعبة الشرق الجديد الذي سبق لنا الحديث عنها بشكل متواتر ومكثف في سوالف الأعوام والأشهر .
غالب الظن، أن خطة الشرق الجديد – كما توحي به رموز الواقع وإشاراته – بدأت تنتقل إلى المرحلة (ب) بعد أن استكملت مرحلتها الأولى (أ), وهي اليوم تعمل على إعادة تشكيل حركة التوازنات في المنطقة, هذه التوازنات الجديدة سوف تفرز قوى جديدة, وبالتالي تخرج قوى من المشهد السياسي والعسكري, الإمارات تشهد غروبا في التأثير من خلال بعض الإشارات السياسية, فالسعودية منعت استخدام أجوائها من قبل طيران الإسناد العسكري الإماراتي المتجه إلى السودان وإلى الصومال, وأبلغت أمريكا وإيران بعدم موافقتها على استخدام أجوائها في الهجوم المرتقب على ايران, وتركيا تعاني من مشكلة “قسد” في سوريا وتترقب الوضع هناك بخوف شديد باعتبار حركة القوات الديمقراطية تشكل خطرا على أمنها القومي, ومصر لديها مشاكل مؤجلة مع أثيوبيا, وعلاقاتها الجيوسياسية مع السودان ومع ليبيا  ومع فلسطين, يجعلها في قلب الأحداث التي قد تشكل عامل ضغط شديد على أمنها القومي, وهي تعمل وتتحرك في مساحات ضيقة بسبب ذلك الضغط المحدق بها من كل الجهات .
مساحة اللعبة السياسية والعسكرية والأمنية في المنطقة أصبحت بيد أمريكا وإسرائيل اليوم, بعد أن عملت أمريكا على بقاء جبهة روسيا مع أوكرانيا مشتعلة, وانتهكت القانون الدولي في فنزويلا وتمارس ضغوطا اقتصادية على الصين وتخوض معها حربا باردة في النفوذ الاقتصادي, هذا التمدد الأمريكي يقلل نجاح  فكرة عالم متعدد الأقطاب الذي تظافرت جهود روسيا والصين على تشكله في العالم, ويبدو أن أمريكا تسد اليوم الثغرات في النظام الدولي لتمنع نجاح الفكرة من خلال الترهيب والترغيب الذي تمارسه خارج القانون الدولي, وبصمت دولي مريب، عدا بعض حالات التنديد من هنا أو هناك .
الصراع اليوم لم يعد صراعا بين حق وباطل، باعتبار الحق والباطل مفاهيم تختلف باختلاف الثقافات في العالم, وقد تجاوزت المجتمعات الحديثة الحضارية الجديدة مفهوم الحق والباطل, ذلك أن الحق يستغرق نفسه في ذاته فيصبح باطلا في المجتمعات ذات التجانس الثقافي, كما أن الظاهرة أصبحت نسبية في تلك المجتمعات المتجانسة ثقافيا, لذلك يمكننا توصيف ما يحدث اليوم في العالم بمفهوم جديد وهو صراع من أجل توازن متحرك بين قوى متناقضة يعمل ذلك التوازن على إنتاج تغيير كبير في البناءات عن طريق التوتر والصراع, ولعل ذلك أكثر وضوحا في المجتمعات الإسلامية التي تعاني من التوتر والصراع على مدى أكثر من عقد ونصف من الزمان .
في عالم اليوم تغيرت الكثير من المفاهيم التي كان الناس يظنونها من الثوابت, وتبعا لذلك تتغير الكثير من مفردات الصراع القديمة القائمة على مبادئ الصراع القديمة, والتي كان غالبها يقوم على مرتكزات ثقافية تراكمية متوارثة أو جديدة, متوارثة ممتدة أو جديدة طارئة بسبب حركة الإصلاحات في التاريخ والتدافع بين القديم والجديد, ولذلك نجد علم الاجتماع لما بعد الحداثة يتناقض تناقضا كليا مع علم الاجتماع القديم في الكثير من التفاصيل والقيم والانسحاق, فالتغير في علاقات الإنتاج وفي أدوات الإنتاج وفي المدنية المعاصرة وفي العلاقات الاجتماعية والعادات والتقاليد في زمن العولمة غيره بالأمس, هذا التبدل في المستويات الحضارية يفرض واقعا جديدا بالضرورة, كما يخلق مفاهيما جديدة, وأخلاقا جديدة ومبادئ جديدة, وهو حالة تطور طبيعية في المجتمعات لا يمكن الوقوف أمامها بما درجنا عليه من أساليب، إذ يلزم التفاعل معها وتوظيفها توظيف عصريا يتسق مع عقائدنا وثقافتنا, ولعل بعض الدول سارعت إلى إنشاء مؤسسات تعنى بدراسة ظاهرة التطور المجتمعي وبما يحفظ كيانها من الانصهار مثل أجهزة الأمن القومي الثقافي في بعض البلدان, حيث سارعت تلك الأجهزة إلى تقديم محتويات ثقافية تحفظ لها وجودها مستفيدة من التقنيات ومتفاعلة مع المستويات الحضارية لما بعد الحداثة .
لذلك نرى أن الأمة العربية والإسلامية بحاجة اليوم إلى بناء مشروع سياسي ناهض وجامع يتسق وروح العصر ويتعايش مع كل الثقافات ويحترم قناعات وعقائد الأمم والشعوب, ومثل ذلك التوجه ثابت في تاريخ الفتوحات الإسلامية، أي ليس جديداً، إذ أن الجديد فكرة الإلغاء وتسفيه المعتقدات عند الجماعات الجهادية التي تفجّر وتقتل وتدمر وتريد أن تعيد عجلة الحياة إلى الوراء أي إلى قرون من الزمن, ومن خلال المشروع السياسي القائم على المنطلقات الفكرية والثقافية والعقائدية الإسلامية نخوض صراع الوجود مع النظام الدولي وبما يحقق لنا وجودا فاعلا في معادلة الحياة والبلاغ للناس بمقاصد الله في رسائل الرسل والأنبياء للبشر حين تتحول النصوص المقدسة إلى سلوك وممارسة يومية متحركة بين الناس بالخير والحق والعدل, ومن خلال التوازن الثقافي والنفسي والأخلاقي  نحدث توازنا متحركا في عالم يمتاز بالتعدد والتناقض, هذا التوازن يفرض وجودنا الفاعل في المعادلة العالمية للنظام الدولي, أما الصراع مع عالم اليوم وفق المفاهيم القديمة فهو فناء مؤجل .

قد يعجبك ايضا