الثقة بالله.. جوهر مشروع شهيد القرآن وبوصلة النهوض للأمة

محمد فاضل العزي

 

 

في خضمّ واقعٍ مثقلٍ بالهزائم، ومناخٍ عربيٍّ وإسلاميٍّ تهيمن عليه التبعية والانكسار، يضع السيد القائد عبدالملك بدرالدين الحوثي يده على أصل الداء، حين يؤكد أن من أبرز المعالم الشخصية في مسيرة شهيد القرآن هو ثقته المطلقة بالله سبحانه وتعالى؛ تلك الثقة التي لم تكن حالةً وجدانيةً معزولة، ولا شعارًا خطابيًا، بل كانت منهجًا واعيًا، وتشخيصًا دقيقًا، ومنطلقًا عمليًا لتحركٍ تاريخيٍّ غيّر المعادلات.
لقد شخّص شهيد القرآن السيد حسين بدرالدين الحوثي رضوان الله عليه واقع الأمة تشخيصًا قرآنيًا صريحًا، فرأى أن أزمة الثقة بالله هي في مقدمة أزمات الأمة، وأنها السبب الجوهري لشلل المواقف، وتراجع الإرادة، واستشراء الهزيمة النفسية قبل العسكرية. أمةٌ ضعفت ثقتها بوعد الله، فضعف تحركها، وأمةٌ ارتابت في سنن النصر، فاستسلمت لواقع الذل والتبعية، رغم أن الوعد الإلهي واضح وصريح لا لبس فيه.
ومن هنا جاءت دروسه ومحاضراته، كما يؤكد السيد القائد، مركّزةً على إعادة بناء الثقة بالله، وعلى إحياء اليقين بالقرآن كهدايةٍ شاملةٍ لإصلاح واقع الأمة وتغيير حالها المزري والمؤسف. فقد كان يؤمن أن المشكلة ليست في غياب النص، بل في الإعراض عنه في مقام الاهتداء العملي، وفي ميدان المواقف والخيارات والتوجهات، لا في مقام التلاوة والشعارات.
وانطلق شهيد القرآن في مشروعه من نقطة الصفر، بلا سندٍ عسكري، ولا غطاءٍ رسمي، وفي أقسى ظروف الاستضعاف، وفي زمنٍ بلغت فيه هجمة الأعداء ذروتها مع مطلع الألفية الثالثة، حيث كانت الأمة تواجه أخطر مراحل الاستهداف لهويتها ودينها وكرامتها، وتقع تحت هيمنة مباشرة وغير مباشرة لأذرع الصهيونية الأمريكية وكيان الاحتلال والبريطانية. ومع ذلك تحرك، لأن ثقته بالله كانت أكبر من موازين القوى، وأقوى من حسابات الخوف.
وفي مقابل حالة الهزيمة الشاملة التي كانت تعيشها معظم الأنظمة العربية، ارتفع صوت شهيد القرآن صوتًا مختلفًا؛ صوتًا يصدع بالحق، وينطق بالقرآن الكريم، ويتحرك من منطلق الشعور العالي بالمسؤولية الإيمانية. لم يكن صوته صدىً لواقعٍ مهزوم، بل كان اختراقًا لهذا الواقع، ومواجهةً مباشرةً للأعداء في ذروة هجمتهم التي شكّلت خطرًا بالغًا على دين الأمة ودنياها، وعلى حريتها وكرامتها ومستقبلها.
لقد كانت ثقة شهيد القرآن بالله ثقة واعية وبصيرة، ثقةً بالوعد الإلهي الصريح بالنصر، وبسنن الله التي لا تحابي أحدًا، وبالهداية الشاملة التي يحملها القرآن في مواجهة كل التحديات والمخاطر، وفي كل المراحل والظروف. وكان يرى أن عدم تحرك أكثر الأمة، وتخلّفها عن مسؤولياتها، إنما يعود إلى ضعف الإيمان، وانعكاس هذا الضعف على الثقة بوعد الله الواضح الجلي.
ومن المعالم البارزة في شخصيته، كما يبيّن السيد القائد، التقوى لله، والشعور العالي بالمسؤولية. فقد أعاد للقرآن دوره في إحياء هذا الشعور المقدس، عبر عناوين الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، باعتبارها مسؤولياتٍ مشرفةً لا أعباءً ثقيلة، وواجباتٍ إيمانيةً لا خياراتٍ ثانوية.
إن تجربة شهيد القرآن تختصر درسًا عظيمًا للأمة:
أن الثقة بالله هي منطلق النهوض،
وأن القرآن هو بوصلة التحرر،
وأن المسؤولية الإيمانية هي طريق الكرامة والنصر.
ومن يعِ هذا الدرس، ويمضِ عليه، فلن تضلّ به السبل، ولن تكسره العواصف، ولن تُهزمه قوى الأرض مجتمعة، لأن من وثق بالله حقًا… كان الله معه، ومن كان الله معه فلا غالب له.

قد يعجبك ايضا