اليمن.. من « الخطأ الجغرافي » إلى « الشبكة »

 خرائط تسقط وأخرى تُولد من رماد سايكس بيكو

 

في كتابه « السياسة »، يؤسس أرسطو لعلاقة عضوية بين الإنسان والدولة، معتبرًا أن « الإنسان مدني بالطبع »، وأن الدولة «من عمل الطبع». لكن ما يغفله هذا التأسيس الفلسفي، حين ننظر إلى خرائط الشرق الأوسط، هو أن « الطبع » الذي تتشكل به الدول لم يكن يومًا بريئاً؛ بل كان دائمًا نتاج قوة وغلبة وإرادة خارجية. وما ينطبق على نشأة الدول ينطبق على تفكيكها. فإذا كانت الحرب العالمية الأولى قد أفرزت « سايكس بيكو » كأداة لتقسيم « تركة الرجل المريض »، فإن ما نشهده اليوم في اليمن ليس مجرد حرب أهلية، بل هو الموجة الثانية من تحريك الخرائط؛ موجة تُعيد رسم الجغرافيا السياسية بمنطق « الشبكات » بدلاً من « الحدود »، وبمنطق « النفوذ » بدلاً من « السيادة ».

سامي عطا

اليمن الكبرى.. الجغرافيا التي سبقت الخريطة

قبل أن يضع الدبلوماسيون البريطانيون والفرنسيون مساطرهم على الخريطة، كانت لليمن هوية جغرافية طبيعية كبرى، لا تحتاج إلى معاهدة لتُعرَّف. ففي الأدبيات العربية الكلاسيكية، كانت اليمن تمتد من سواحل المحيط الهندي والبحر الأحمر، لتشكل قوساً واسعاً يعبر قلب الجزيرة العربية، وهو ما يعادل تقريبًا امتداد الممالك ما قبل الإسلامية كسبأ وحمير. لم تكن هذه حدوداً سياسية بالمعنى الحديث، بل كانت « نطاقاً » طبيعيًا وحضاريًا. فالحدود الطبيعية لليمن الكبرى كانت تمتد شمالاً حتى وادي تثليث ووادي الدواسر، وعبر بيشة وتبالة، وشرقاً حتى تخوم الخليج العربي. كان اليمن، بحكم جباله وعزلته الطبيعية، كيانًا قادراً على « تاريخ مستقل » بفضل موارده التي تكفي لسد حاجته، ومزيج سكاني كافٍ لصهر هويته.

هذه الجغرافيا الطبيعية لم تكن مجرد مساحة خاملة؛ بل كانت فاعلاً في تشكيل «العصبية» التي تحدث عنها ابن خلدون. فقد ربط ابن خلدون في « المقدمة » بين قوة الدولة وامتداد « نطاقها » الجغرافي، معتبرًا أن « أهل العصبية هم الحامية الذين ينزلون بممالك الدولة وأقطارها، ويتقسمون عليها؛ فما كان من الدولة العامة قيلها وأهل عصابتها أكثر، كانت أقوى وأكثر ممالك وأوطاناً ». كان اليمن الكبرى، بهذا المعنى، نطاقًا لعصبية ممتدة، لا مجرد « كيان » سياسي هش.

سايكس بيكو واليمن.. تفكيك «النطاق» وخلق « الكيانين »

لم تكن اتفاقية سايكس بيكو (1916م) وحدها هي التي مزقت اليمن، بل سبقتها وواكبتها اتفاقيات الحدود الأنجلو-عثمانية، وتحديدًا خطاب 1914م الذي رسم «مجالات نفوذ» بين البريطانيين والعثمانيين، دون أن يعالج مسألة السيادة أو الإدارة. هذا الخط هو الذي « حدد، على المدى الطويل، يمنين ». الإمام يحيى، الذي كان يطالب بحكم «اليمن كله»، لم يعترف يومًا بشرعية هذا الخط، لكن المعاهدة كانت قد وقعت، والدولتان الموقعتان سرعان ما دخلتا الحرب، ليصبح الخط حبراً على ورق، لكنه ظل جرحاً مفتوحاً في جسد الجغرافيا اليمنية.

هكذا، انتقل اليمن من « نطاق » طبيعي وحضاري واسع، إلى « كيانين » سياسيين مشطورة بخطوط رسمها الخارج، وليس الطبع أو العصبية. وكما يقول كارل شميت في « مفهوم السياسي »، فإن « جوهر السياسة » يكمن في « التمييز الحاسم بين الصديق والعدو ». وقد مارست القوى الاستعمارية هذا التمييز بدقة: فالصديق هو من يقبل بخط الحدود، والعدو هو من يطالب باليمن الكبرى. وهكذا تحولت الجغرافيا الطبيعية إلى ساحة صراع وجودي، لا مجرد مسألة حدود.

الحرب اليمنية.. من «الخطأ الجغرافي» إلى « الشبكة »

لم يكن هنري كيسنجر مخطئًا تمامًا حين وصف لبنان بأنه « خطأ جغرافي »، لكنه كان يعبر عن منطق القوة الذي يرى في الكيانات الصغيرة عوائق أمام « التوازن ». وبعد عقود، يبدو أن اليمن، بحدوده المشطورة، قد أصبح هو الآخر « خطأً جغرافياً » في نظر قوى إقليمية ترى أن السيادة الوطنية عقبة أمام طموحاتها. فالحرب التي بدأت في 2015 تحت شعار « إعادة الشرعية » تحولت، كما يرى محللون، إلى « مختبر حي لنهاية عصر القومية العربية » وولادة « منطق جديد للدولة ما بعد القومية ».

لم تعد الخريطة اليمنية تُفهم على أساس الحدود السياسية، بل على أساس «الشبكات» و« النقاط الاستراتيجية ». تحول اليمن بالنسبة لأبوظبي، على سبيل المثال، إلى «فضاء جيو-استراتيجي يجب إدارته»؛ فالسيطرة على موانئ عدن والمكلا والصليف، وبناء قواعد عسكرية، وربط ذلك بشبكة نفوذ تمتد من القرن الأفريقي إلى جنوب آسيا، هو تجاوز لمفهوم الدولة الوطنية بالقفز مباشرة إلى « منطق شبكات النفوذ العالمي ».

هذا التحول لم يقتصر على البر، بل امتد إلى البحر والجزر. فالجزر اليمنية، بموقعها قرب مضيق باب المندب، لم تعد مجرد أرض يمنية، بل تحولت إلى «عُقد تحكم» قادرة على التأثير المباشر في التجارة العالمية وتدفقات الطاقة.وقد جرى « عسكرة » هذه الجزر وتحويلها إلى منصات عسكرية، ليس كنتاج عرضي للحرب، بل كـ«خطة متعمدة» لترسيخ نفوذ بحري طويل الأمد، وتحويل الجغرافيا اليمنية إلى « نظام من النقاط الاستراتيجية الوظيفية » ضمن ترتيبات أمنية إقليمية ودولية.

الرهان على صنعاء.. بين مشروع «اليمن الكبير» وشبح « اليمن الصغير »

في خضم هذا التصارع على « معنى الجغرافيا»، يبرز سؤال وجودي: من يملك فعلًا مشروعًا لإنقاذ ما تبقى من اليمن؟ هنا، يمكن القول، في إطار قراءة نقدية غير منفصلة عن السياق، إن أنصار الله وسلطة صنعاء هما المعول الحقيقي عليهما لإعادة الامتداد التاريخي لليمن، وبناء دولة قادرة أن تكون « رقمًا صعبًا بين الأمم». هذا الطرح ليس تعاطفًا سياسيًا مجردًا، بل يستند إلى قراءة في خطاب الجماعة وسلوكها. فقد أكد قائد أنصار الله، عبد الملك الحوثي، أن « الوحدة اليمنية تمثل إنجازًا وطنيًا مهمًا واستحقاقًا يجب الحفاظ عليه »، محذرًا من أن « الارتهان للقوى الخارجية» هو أحد أخطر العوامل التي تهدد هذا الإنجاز، إلى جانب الحسابات الفئوية الضيقة. ويصف المكتب السياسي للحركة الصراع الدائر بأنه «معركة السيادة والاستقلال » التي يخوضها الشعب اليمني حتى «وقف العدوان ورفع الحصار».

بل إن خطاب الحركة يتجاوز حدود الدولة القطرية، ليستدعي الجغرافيا التاريخية الكبرى. فقد أشار أكاديميون إلى أن مشروع أنصار الله «يسعى للسيطرة على كامل الجغرافيا اليمنية تحت مفهوم اليمن الكبير»، وأنه « لا يتوقف عند حدود صنعاء أو صعدة، بل يمتد ليشمل الجنوب وكل المناطق التي يراها ضمن ما يسميه اليمن التاريخي ». وهنا يتقاطع هذا المشروع، بشكل مفارق، مع النطاق الجغرافي الطبيعي الذي كان قائمًا قبل سايكس بيكو. فأنصار الله، بهذا المعنى، لا يطرحون مجرد إعادة توزيع سلطة داخل كيان مشطور، بل يطرحون، في خطابهم على الأقل، استعادة «النطاق» اليمني الممتد.

في المقابل، يرى هذا الرأي أن خصوم أنصار الله، بمشاريعهم المدعومة خارجيًا، يسعون إلى تقليص دور صنعاء وفاعليتها، بل وتفتيت ما تبقى من الجغرافيا اليمنية. ويستند هذا الطرح إلى أن بعض المبادرات الانفصالية في الجنوب «تتعارض مع إصرار القيادات على الحفاظ على وحدة اليمن وسلامته الإقليمية». والأخطر من ذلك، كما يشير تحليل مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، أن الحرب الحالية لم تعد مجرد صراع على الحكم، بل أصبحت « نزاعًا جوهريًا حول وجود الدولة نفسه: هل يمكن لليمن أن يحافظ على سلامته الإقليمية ونظامه الجمهوري، أم سينهار تحت فرض حكم ثيوقراطي ». وهنا مكمن الخطر الوجودي: فإذا انتصر مشروع الخصوم، فإن السيناريو الأسوأ ليس مجرد استمرار الوضع الراهن، بل فقدان المزيد من الجغرافيا اليمنية لصالح أعداء اليمن، عبر تمزيق ما تبقى من النسيج الوطني إلى كيانات هشة تابعة لنفوذ خارجي، وهو ما يعيد إنتاج منطق «سايكس بيكو» ولكن بأدوات داخلية هذه المرة.

إن هذا الرأي، بطرحه الثنائي، يضعنا أمام مفارقة تاريخية: فمن جهة، هناك قوة تحمل خطابًا يستدعي « اليمن الكبير » وترفض الهيمنة الخارجية، لكنها تواجه تحديات شرعية داخلية وإقليمية هائلة. ومن جهة أخرى، هناك خصوم يرفعون شعار « الشرعية » و« الجمهورية »، لكن ممارساتهم وتحالفاتهم الخارجية قد تؤدي عمليًا إلى تكريس التفتيت. وهنا يصدق قول كارل شميت في «مفهوم السياسي» بأن « التمييز الحاسم » ليس بين الصديق والعدو فحسب، بل بين من يملك إرادة الحفاظ على وحدة الكيان، ومن يرى في تفكيكه فرصة لبقائه. واليمن، في هذه اللحظة الفارقة، يقف على حافة أن يختار بين « نطاق » تاريخي يُستعاد، أو « شبكة » نفوذ تُدمجه في صراعات لا تنتهي.

الخريطة التي تسبق الدولة

ما يجري في اليمن اليوم ليس مجرد حرب على السلطة، بل هو حرب على « معنى الجغرافيا ». فبعد أن تفكك «النطاق» اليمني الكبير بفعل سايكس بيكو والاتفاقيات الحدودية، ها هي الحرب الحالية تعيد تشكيل ما تبقى من كيان، لا عبر مساطر جديدة، بل عبر « شبكات نفوذ » تعيد تعريف الأرض بوصفها ساحة مصالح، لا وطنًا. وكما أن الدولة عند أرسطو تنشأ من « الطبع »، فإن تفكيكها اليوم لا يحدث بالطبع، بل بقرار من قوى ترى في الخريطة مجرد أداة قابلة لإعادة الرسم متى ما اقتضت « المسافة الاستراتيجية » بين الطموح والانتحار.

إن اليمن، الذي كان يومًا نطاقًا جغرافيًا كبيرًا وعصبية ممتدة، يجد نفسه اليوم محاصرًا بين « خطأ جغرافي » قديم، و« شبكة » جديدة تلتهم ما تبقى من سيادته. والسؤال ليس ما إذا كانت الخريطة ستتغير، بل من سيمسك بالقلم هذه المرة، وعلى أي أساس سيرسم: على أساس « الطبع » أم على أساس « النفوذ ».

وإذا كان مشروع أنصار الله وسلطة صنعاء هو الذي ينتصر، فإن الطريق قد تُفتح أمام استعادة الامتداد التاريخي وبناء دولة مركزية قادرة على أن تكون رقمًا صعبًا بين الأمم؛ أما إذا انتصر مشروع خصومهم، فإن الخطر الأكبر لن يكون مجرد استمرار الحرب، بل فقدان المزيد من جغرافيا اليمن لصالح أعدائه، وتحول البلاد إلى كيانات هشة تُدار من الخارج، وتكريس «سايكس بيكو» جديدة، لكن هذه المرة بأقلام داخلية وأدوات محلية.

قد يعجبك ايضا