كيف تحولت “فوبيا الصواريخ” إلى بيزنس سياسي وعسكري في أسواق الطائف وجدة؟
محمد عبدالله الخربي
يُحكى في المأثور الشعبي أن رجلاً اشترى دجاجة، وظل يصرخ في أزقة القرية محذراً من أن “الثعلب قادم لالتهامها”، فحشد أهل القرية بأسلحتهم لحراستها طوال الليل. وفي الصباح، تبيّن أن الرجل باع نصف أراضي القرية للثعلب نفسه بحجة “تأمين تكاليف حماية الدجاجة!”.
هذا بالضبط ما تفعله الماكينة الإعلامية والسياسية للرياض كلما ضاقت بها سبل الميدان؛ ترفع عقيرتها بالصراخ عويلاً على “مكة المكرمة”، بينما تفاصيل البيع والشراء السياسي والعسكري تجري خلف الستار. وكما يقول المثل الشعبي الساخر:
“جاء يداويها.. عماها”، ومجنون يحكي وعاقل يسمع!
شهدت الأيام الماضية فصلاً جديداً من فصول هذه المسرحية الهزلية. فلأول مرة، تم تفعيل نظام الإنذار المبكر الخلوي وإرسال رسائل طوارئ مرعبة لهواتف المعتمرين والسكان في مكة المكرمة. هذا التصعيد الدعائي لم يكن معزولاً عن الواقع، بل جاء متزامناً مع تقدم بري خاطف لقوات صنعاء في جبهات الساحل الغربي والسيطرة على مواقع استراتيجية تطل على مضيق باب المندب، بالإضافة إلى تلقي العمق السعودي ضربات باليستية مسددة استهدفت مرابض الطائرات وقواعد الإمداد. ومن هنا، نضع هذا السلوك تحت مشرحة التحليل العسكري، الجغرافي، والقانوني عبر خمسة محاور دقيقة:
1. الخديعة الجغرافية: تفكيك المسافات بين الحرم والقواعد العسكرية
تعتمد الرواية السعودية على استغلال “التداخل الإداري” لتمرير أكبر عملية تضليل إعلامي في الصراع الحالي. قانونياً وعسكرياً، هناك فارق شاسع بين “مدينة مكة المقدسة (الحرم الشريف)” وبين “منطقة مكة المكرمة الإدارية” الشاسعة التي تمتد على مساحة تقارب 153 ألف كيلومتر مربع. هذه المنطقة الإدارية تضم في أحشائها أهدافاً عسكرية استراتيجية تابعة للجيش السعودي، ويتم استهدافها باعتبارها مصادر نيران نشطة:
• قاعدة الملك فهد الجوية بالطائف: والتي تبعد عن الحرم المكي الشريف أكثر من 70 كيلومتراً خطاً مستقيماً، وهي مركز انطلاق المقاتلات.
• مطار الملك عبد العزيز الدولي (الشق العسكري) في جدة: والذي يبعد عن الحرم المكي أكثر من 75 كيلومتراً.
• محطة شمال جدة البترولية (منشآت أرامكو): وتقع على مسافات بعيدة تماماً عن النطاق المقدس.
عندما تستهدف صواريخ ومسيرات صنعاء هذه القواعد والمنشآت العسكرية الصرفة، تسارع المطابخ الإعلامية في الرياض لصياغة الخبر تحت عنوان درامي: “اعتراض صاروخ باتجاه مكة”، في عملية تدليس واضحة لتحويل الفشل الدفاعي إلى مظلومية دينية تستثير عواطف مليار ونصف المليار مسلم.
2. تسييس المقدسات: الانتهاك القانوني لروح القانون الدولي الإنساني
بينما تتباكى الرياض على حماية مكة، تكشف القراءة القانونية المتعمقة للنزاع وجهاً آخر للقضية. إن استخدام الرمزية الدينية الفائقة للحرم المكي كـ”درع إعلامي وسياسي” لتبرير استمرار الهجمات الحربية، يُعد انتهاكاً صارخاً لروح القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف.
وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، يظل حق الدفاع عن النفس والرد على مصادر العدوان مكفولاً وقانونياً لقوات صنعاء. إن تكييف القواعد القانونية الدولية يُثبت أن استهداف المنشآت العسكرية (جدة والطائف) يقع في إطار الاستهداف المشروع لـ”أهداف عسكرية ذات تأثير مباشر في العمليات”، في حين أن محاولات الرياض خلط الأوراق الإعلامية تمثل استغلالاً غير مشروع يحظره القانون الدولي، مما يجعل الطرف الذي يسيّس الدين ويقحم اسم مكة في الصراعات العسكرية هو المنتهك الحقيقي لقداستها.
3. “تحالف مكة” الإسلامي: الشرعية المستأجرة والمظلات الشاغرة
هنا تكمن ذروة المفارقة السياسية؛ فالسعودية أسست ما يُعرف بـ”التحالف العسكري الإسلامي” (والذي يُطلق عليه مجازاً تحالف مكة) كأداة دبلوماسية لحشد الدول الإسلامية وتوفير شرعية دينية لعملياتها. لكن هذا التحالف تحول عملياً إلى كيان معطل أو “هيكل كرتوني” لا يستيقظ إلا لإصدار بيانات الإدانة الجاهزة.
تلجأ الرياض لورقة “خطر مكة” لإعادة الروح في هذا الجسد الهامد، ومطالبة الدول الأعضاء بالالتزام بواجباتها العسكرية والمالية، مستخدمةً قدسية القبلة كأداة ضغط أخلاقي وسياسي على الحلفاء الإقليميين لضمان استمرار ولائهم وحصار صنعاء دبلوماسياً.
4. اقتصاد الفوبيا: معادلة الباتريوت المنهك والمسيرات الرخيصة
بلغة الأرقام العسكرية التي لا تكذب، تواجه المنظومة الدفاعية السعودية استنزافاً اقتصادياً مرعباً تجلى بوضوح في أحداث المعارك الأخيرة:
• تكلفة صاروخ الباتريوت: تتراوح تكلفة الصاروخ الاعتراضي الواحد بين 3 إلى 4 ملايين دولار.
• تكلفة سلاح الجو المسير بصنعاء: لا تتجاوز كلفة الطائرة المسيرة الواحدة بضعة آلاف من الدولارات.
هذا الاختلال الفادح في التوازن المالي والعسكري يفسر سبب لجوء الرياض للإنذار المبكر ونشر الرعب الخلوي؛ إنها تستجدي واشنطن والعواصم الغربية للحصول على إمدادات دفاعية عاجلة وصفقات تسليح استثنائية، عبر تصوير الصراع كتهديد وجودي يمس بالسلم الديني العالمي وخطوط الملاحة الدولية في مضيق باب المندب الاستراتيجي.
5. ارتداد السحر على الساحر: ترويع الداخل وتطفيش الاستثمار
في محاولتها لشحن الرأي العام الدولي، سقطت البروباجندا السعودية في فخ “الذعر الذاتي”. إن إرسال رسائل الطوارئ لمدنيين ومعتمرين داخل النطاق المقدس بهدف كسب التعاطف، أدى في المقابل إلى ضربة موجعة للاقتصاد المحلي والسياحة الدينية وخطط “رؤية 2030”.
فمن سيتجرأ على الاستثمار أو زيارة منطقة تعلن حكومتها عبر هواتف المواطنين أنها تحت نيران مستمرة؟ هنا تتجلى السخرية التعبوية: كيف تحاول الإدارة السياسية إخافة الخصم، فترعب شعبها ومستثمريه!
خلاصة القول:
لم تعد الأوراق الدينية المستهلكة قادرة على حجب شمس الحقائق الميدانية الصارخة. فالرادارات العسكرية الدولية ومراكز الأبحاث باتت تدرك جيداً لعبة الخرائط والتوقيتات السياسية. إن اللجوء إلى “فوبيا مكة” يعكس إفلاساً عميقاً في الخيارات العسكرية ومحاولة بائسة لصرف الأنظار عن الانكسارات المتلاحقة على الأرض وفي جبهات الساحل الغربي.
وتماشياً مع أسلوبنا الساخر، فإن الرياض تشبه تماماً ذلك الذي يطلق الألعاب النارية في عرس جاره، ثم يركض متباكياً نحو أقرب مركز شرطة شاكياً أن منزله يتعرض لقصف مدفعي عنيف! تظل الحقيقة واضحة كعين الشمس، وكما قال الأجداد في مأثورهم الحصيف:
“من غربل الناس، نخلّوه”، وحبل الكذب مآله دائماً إلى زوال.. والميدان هو الحكم.
