دلالات تبرير السقوط المدوي

د/ عبدالرحمن المختار

 

تعددت وتنوعت التبريرات للسقوط المدوي للعملاء في الساحل الغربي، وتعددت وتلونت الجهات الصادرة عنها تلك التبريرات، وقد يكون من الصعوبة بمكان حصرها في وقت محدد، باعتبار أنه يتم تحديثها على مدار الساعة، ولا تهمنا في حقيقة الأمر تلك التبريرات وما يطرأ عليها من تحديثات، فالسقوط المدوي والمخزي للعملاء تم بفضل الله تعالى وبعزيمة المجاهدين الصادقين المخلصين.

وكل ما يهمنا ويعنينا هو الدلالات المستخلصة من تلك التبريرات المتعددة الجهات، والاستفادة منها ميدانيا لتحقيق المزيد من الإنجازات، وسياسيا وإعلاميا لسحب ذرائع النظام السعودي المتشبث بشماعة الشرعية، ومسمى الحكومة المعترف بها دوليا.

وقبل أن نتناول الدلالات لا بد من الإشارة ولو بشكل موجز الى عدد من التبريرات، التي حاول بها العملاء تبرير واقعهم المذل والمخزي بعد السقوط المدوي لمليشياتهم في الساحل الغربي، ومن تلك التبريرات أن ما حصل كان انسحاباً تكتيكياً بهدف إعادة التموضع وتجهيز غرفة عمليات في مكان آمن!

وهذا التبرير يكشف عن حالة الانفصال بين قيادة تلك المليشيات وأفرادها، فالمهم عند تلك القيادة الخائبة الخاسرة الخاسئة أن تحظى بغرفة عمليات فيها كل وسائل الراحة والترفيه، متناسية أنها في مسرح عمليات، والأصل أن تكون القيادات في مقدمة الصفوف، لتحفيز المقاتلين، لكن لان أولئك بلا مشروع ولا هدف ولا قضية، فلن يكون حالهم مختلفا عما كان!

وتبرير آخر ذهب إلى أن ما حدث سببه الخيانة، ودون مناقشة التفاصيل فإن مجرد إطلاق اتهامات بالخيانة في ما بين المليشيات المتواجدة في مسرح العمليات، فذلك يؤكد ما هو مؤكد وواضح للعيان، من تبعية وارتهان لقوى خارجية سعت ولا تزال تسعى لتنفيذ أجنداتها في الجغرافيا اليمنية، وما الاتهامات المتبادلة بينها إلا لتبرير مواقفها وتبرئة ساحة قادتها أمام مشغليها، أما الحقيقة القائمة على أرض الواقع فهي أن رجال الله، وبعون الله، هم من صنعوا حالة السقوط للعملاء، كما سبق لهم كسر تحالف ترامب، ومن قبله تحالف الازدهار في عهد سلفه بايدن، ومن قبل ذلك ما سمى بعاصفة الحزم بد تحت عنوان تحالف دعم الشرعية.

وأيضا من التبريرات المضحكة التي سعى لترويجها قادة المليشيات في الساحل الغربي لتجنب غضب وتوبيخ المشغل واستمرار الغطاء، أن المعركة تمت بإسناد مباشر من جانب الحرس الثوري الإيراني، وهذا التبرير يدخل العملاء في تناقض صارخ، فالحديث عن المعركة يؤكد الجاهزية والاستعداد وأنه لولا الإسناد المباشر من جانب الحرس الثوري لكانت نتيجة المعركة لصالحهم! وهذا الترويج مؤكد أن مشغلهم لن يقبل به، وأن المروجين لن ينجو من التقريع والتوبيخ، وربما الركل وما هو أشد من ذلك.

وضمن سلسلة التبريرات، تم الترويج لمبرر آخر هو استخدام الخصم لكثافة نارية غير معهودة، أفقدت التشكيلات القتالية توازنها، ويبدو أن العملاء أقدموا على خوض غمار المواجهة وفي عقيدتهم أنه إذا ما اشتعل مسرح العمليات بالنار، فالفرار هو الخيار المتاح، وهو ما فعلوه فعلا.

وضمن التبريرات أيضا التي تم الترويج لها، أنه ربما كان هناك قرار سعودي بتسليم الساحل، باعتبار أن الساحل لم يكن أولوية بالنسبة للسعودية! وهذا التبرير يتناقض بشكل صارخ مع ما هو قائم على أرض الواقع من ضغط شديد على السعودية حال دون تصدير منتجاتها النفطية، وهي تسعى بكل إمكانياتها للسيطرة على مضيق باب المندب، وما تحالف مكة إلا من أجل ما سمى بحماية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

ومن التبريرات التي ساقها الفارون، أنه لم يكن هناك غطاء جوي كافٍ، ومن لا يعرف الواقع يمكن أن يعتقد للوهلة الأولى أن الطرف الآخر في المعركة مغطى جويا على مدار الساعة، ويبدو أن العملاء يريدون بهذا التبرير أن يحملوا المشغل جزءاً من خيبتهم لاعتقادهم أن مثل هذا التبرير يمكن أن يخفف من شدة سخطه عليهم.

وذكر البعض في سلسلة التبريرات التي جرى الترويج لها أن السقوط أسبابه بنيوية، باعتبار أن قوات الساحل قد بنيت لحراسة خط طويل في سهل تهامة لا لخوض حرب متعددة المحاور، ويعتقد العملاء أنهم بهذا التبرير يمكنهم إقناع مشغلهم إن ما كان متواجدا من مليشيات في الساحل الغربي هي قوات خفر سواحل، لا أقل ولا أكثر، متناسين أنهم سبق وأن أكدوا لمشغلهم أنهم في أعلى درجات الجاهزية لخوض معركة القادسية الثالثة، لكن هذه الجاهزية سرعان ما تلاشت لتتحول كل تلك المليشيات المتعددة الولاءات، إلى مجرد قوات أمنية (خفر سواحل)!

وتضمنت سلسلة التبريرات التي جرى الترويج لها عقب السقوط المدوي، أن أسباب هذا السقوط سياسية وتنظيمية، ذلك أنه رغم وجود قوات المقاومة الوطنية وقوات العمالقة ودرع الوطن ووحدات محور تعز، إلى جانب بعضها في مسرح العمليات. إلا أنها لم تكن لها قيادة وسيطرة موحدتان!

وضمن سردية المروجين لهذا التبرير أن النفوذ غير المباشر للإمارات لدى تشكيلات وقوى محلية، ومنها المقاومة الوطنية والعمالقة وتشكيلات جنوبية، كل ذلك أدى عقب انسحاب الإمارات إلى إضعاف صيغة الرعاية القديمة السعودية الإمارتية، دون أن يحل محلها بناء وطني موحد، ويعتقد العملاء أنهم بترويجهم لهذا المبرر يمكنهم أن يتفادوا بعض الركلات التي تنتظرهم في صالات مشغلهم.

وآخر تبرير نستعرضه في سلسلة تبريرات العملاء الطويلة لسقوط مليشياتهم في الساحل الغربي، ترويجهم لما أسموه بانتفاء الجاهزية والتوقيت، وفي ترويجهم لهذا التبرير أرجعوا سبب انتفاء الجاهزية إلى أن مرور أربع سنوات على اتفاق التهدئة سنة 2022 حوّل مواقع كثيرة إلى حاميات ثابتة، وأن هذه الحاميات كانت في وضع حراسة خطوط ساكنة، في حين كان العدو يخوض حرب حركة واختراق.

وما يمكننا استخلاصه من دلالات مؤكدة من كل ما سبق من تبريرات، جاءت على لسان العملاء أنفسهم، وروجوا لها بأنفسهم لتغطية خيبتهم وخستهم ودناءتهم وانحطاطهم وسقوطهم، وتعد الدلالات المستخلصة نتيجة منطقية تشخص الحالة القائمة على طول وعرض الجغرافيا اليمنية، ويتوجب وفقا لهذه الدلالات على المحيط الإقليمي التوقف الفوري عن التدخل في الشأن اليمني، ويتوجب على المحيط الدولي أخذها في الاعتبار، وتجنب الاستمرار في مسلك الزيف والتضليل الذي رسمته الوفرة المالية للنظام السعودي.

وأولى هذه الدلالات أن ما سبق الترويج له من وجود سلطة شرعية وحكومة معترف بها دوليا، لا يعدو عن كونه وهماً لا أساس له على أرض الواقع، ومن ثم فلا قبول بعد اليوم لاستمرار ذريعة الشرعية، التي استخدمها النظام السعودي لزرع الفرقة والفتنة بين أبناء الشعب اليمني، وليتمكن بذلك من بسط نفوذه على نطاق واسع من الجغرافيا اليمنية.

والدلالة الثانية التي كشفت عنها تلك التبريرات والمكشوفة سابقا، أن ما هو قائم من مسميات على الأرض اليمنية، سواء حراس الجمهورية، أو المقاومة الوطنية أو العمالقة أو قوات درع الوطن أو غيرها من المسميات، لا تعدو عن كونها مليشيات تعمل على تنفيذ أجندات مختلفة لمشغلين مختلفين، ولا علاقة لها بالشعب اليمني، وتنحصر علاقتها وإرادتها وإدارتها بمموليها ومشغليها.

والدلالة الثالثة أن السلطة الممثلة للجمهورية اليمنية هي السلطة القائمة على شؤون الدولة المتواجدة في صنعاء العاصمة الدستورية للجمهورية اليمنية، وأن قواتها المسلحة المنظمة المنضوية ضمن وزارة الدفاع في تشكيلات رسمية محددة معلومة ومعلنة، هي التي خاضت من قبل وتخوض اليوم معركة الدفاع عن الوطن في مواجهة النظام السعودي وأدواته المحلية.

ويتوجب اليوم على مجلس الأمن الدولي أن يتوقف عن التعاطي مع الشأن اليمني من منظور مادي نفعي، وأن يتعاطى من منظور أخلاقي إنساني قانوني قائم على معطيات واقعية أثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن السلطة الممثلة للجمهورية اليمنية متواجدة في العاصمة صنعاء، وأن هذه السلطة منذ أكثر من عقد من الزمان عملت باقتدار على تحقيق الأمن والاستقرار في ربوع البلاد، وبشكل لا يقارن بحال من الأحوال مع ذلك النطاق الجغرافي من البلاد الواقع تحت نفوذ النظامين السعودي والإماراتي خلال المرحلة السابقة.

ويتوجب على مجلس الأمن الدولي وفقا لمعطيات الواقع أن يلزم النظام السعودي بالوقف الفوري للحصار المفروض على الشعب اليمني والتعويض عن الأضرار التي تسبب بها بعدوانه الإجرامي، والالتزام بإعادة إعمار ما دمره ذلك العدوان.

ولم يعد هناك من مبرر لمجلس الأمن الدولي للتمادي في تغطية جرائم النظام السعودي بحق الشعب اليمني، تحت ذريعة دعم وهم الشرعية، خصوصا بعد أن أدرك العالم بأسره أن سلطة الدولة في العاصمة صنعاء أدارت المؤسسات العامة بكفاءة عالية، خلال العقد الماضي ووقفت بكل عزة وشموخ في وجه تحالف عدواني إجرامي حتى أجبرته صاغرا على طلب التهدئة، وها هي القوات المسلحة اليوم تحقق إنجازات تعجز عن تحقيقها جيوش تملك أحدث وأفتك المعدات العسكرية، ويتمتع منتسبوها بمستوى عال من الإعداد والتدريب، وبعد كل ذلك فإنه من المخجل والمخزي استمرار تعاطي منظمة الأمم المتحدة ومجلس أمنها مع الشعب اليمني بذات المسلك السابق تحت ضغط النفوذ المالي للنظام السعودي.

قد يعجبك ايضا