المحافظات الجنوبية والشرقية بين حصار الخدمات وسياسة التجويع.. غضب شعبي يتصاعد وعصيان مدني يدخل أسبوعه الرابع
تشهد المحافظات الجنوبية والشرقية الواقعة تحت سيطرة تحالف العدوان السعودي وأدواته المحلية واحدة من أسوأ مراحل الانهيار الخدمي والمعيشي، في ظل أزمة خانقة في الغاز المنزلي والمشتقات النفطية، وانقطاع شبه كلي للكهرباء، وارتفاع جنوني في أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية، الأمر الذي فاقم معاناة المواطنين ودفع الشارع إلى موجة احتجاجات واسعة وعصيان مدني متواصل منذ ثلاثة أسابيع في عدد من المديريات والمدن.
ولم تعد الأزمة، وفق شكاوى المواطنين، مجرد فقدان سيطرة على احتواء الوضع، بل تحولت إلى واقع يومي قاسٍ يصفه الأهالي بأنه سياسة تجويع ممنهجة تمارسها قوى الاحتلال السعودي عبر أدواتها في المجلس الرئاسي والحكومة التابعة له، بهدف تركيع السكان وإخضاعهم وإبقائهم تحت ضغط الحاجة والفقر وانعدام الخدمات الأساسية.
الثورة | مصطفى المنتصر
تعيش الأسر في عدن ولحج وأبين وشبوة وحضرموت والمهرة وغيرها من المحافظات الجنوبية والشرقية تحت ضغط غير مسبوق جراء انعدام الغاز المنزلي أو توفره بأسعار مضاعفة في السوق السوداء، حيث يقف المواطنون لساعات وأيام أمام نقاط البيع بحثًا عن أسطوانة غاز، فيما تتحكم شبكات نافذة بالكميات وتعيد بيعها بأسعار تفوق قدرة غالبية الأسر.
وترافق ذلك مع أزمة حادة في المشتقات النفطية، انعكست مباشرة على حركة النقل والمواصلات وأسعار السلع والخدمات. فقد ارتفعت أجور النقل بشكل كبير، وتضررت أعمال المواطنين اليومية، وازدادت كلفة نقل المواد الغذائية، ما أدى إلى موجة جديدة من الغلاء طالت الخبز والخضروات والمواد الأساسية، في وقت يعاني فيه الموظفون والمتقاعدون من تأخر المرتبات وانهيار قيمتها الشرائية.
أما الكهرباء، فقد تحولت إلى عنوان يومي للمعاناة، حيث تعيش معظم المدن ساعات طويلة في الظلام وسط ارتفاع درجات الحرارة، خصوصًا في عدن والمناطق الساحلية. ويؤكد الأهالي أن الانقطاعات لم تعد مجرد أزمة فنية، بل نتيجة مباشرة لغياب الوقود، وفساد إدارة قطاع الطاقة، وتخلي السلطات الموالية للتحالف عن أبسط مسؤولياتها تجاه السكان.
وتسببت هذه الانقطاعات في مضاعفة معاناة المرضى وكبار السن والأطفال، وتعطيل أعمال التجار وأصحاب الورش والمحال، وإتلاف المواد الغذائية والأدوية، فضلًا عن انعكاسها على المياه والمستشفيات والمرافق العامة، في مشهد يكشف حجم الانهيار الشامل الذي تعيشه المحافظات الخاضعة للنفوذ السعودي.
غلاء يلتهم حياة الناس وانهيار معيشي بلا سقف
مع استمرار أزمة الوقود والغاز والكهرباء، ارتفعت أسعار المواد الغذائية والاستهلاكية إلى مستويات غير مسبوقة، وأصبحت كثير من الأسر عاجزة عن توفير احتياجاتها اليومية الأساسية. ويقول مواطنون إن الأسواق لم تعد ترحم أحدًا، وإن الأسعار تتغير بين يوم وآخر، بينما تغيب الرقابة وتنتشر المضاربة والاحتكار.
ويحمل الأهالي تحالف العدوان السعودي وأدواته المحلية المسؤولية المباشرة عن هذا الانهيار، معتبرين أن الموارد التي كان يفترض أن تُسخر لتحسين الخدمات وصرف المرتبات وتثبيت الأسعار، تُهدر في الفساد والولاءات والصفقات المشبوهة، بينما يُترك المواطن وحيدًا في مواجهة الجوع والظلام والعطش.
ويرى مراقبون أن ما يجري في المحافظات الجنوبية والشرقية يعكس فشلًا سياسيًا وإداريًا كاملًا للمجلس الرئاسي وحكومة المرتزقة التابعة له، التي عجزت عن إدارة أبسط الملفات الخدمية، وتحولت إلى واجهة شكلية لا تمتلك قرارًا مستقلًا، فيما تتحكم الرياض بمفاصل المشهد وتستخدم الورقة الاقتصادية وسيلة ضغط على السكان والقوى المحلية.
احتقان شعبي وعصيان مدني يتسع
أمام هذا الواقع، تصاعدت موجة الغضب الشعبي في مختلف المحافظات الجنوبية والشرقية، وخرج المواطنون في احتجاجات رافضة لسياسة التجويع وغياب الخدمات، مطالبين بوقف العبث، وتوفير الوقود والغاز والكهرباء، وضبط الأسعار، وصرف المرتبات، ومحاسبة الفاسدين والمتلاعبين بقوت الناس.
ودخل العصيان المدني أسبوعه الرابع في عدد من المناطق، حيث شهدت مدن ومديريات إغلاقًا جزئيًا للمحال التجارية، وتوقفًا في بعض الأنشطة، واحتجاجات شعبية غاضبة عبّر من خلالها المواطنون عن رفضهم لاستمرار سياسة الإفقار والإذلال. وردد المحتجون شعارات تندد بالاحتلال السعودي وسياساته، وتحمّل أدواته المحلية مسؤولية الكارثة المعيشية التي يعيشها المواطنون.
وأكد ناشطون أن استمرار العصيان المدني يعكس عمق الأزمة وانسداد الأفق أمام المواطنين، مشيرين إلى أن الشارع لم يعد يثق بالوعود الرسمية ولا بالتصريحات الحكومية التي تتكرر دون أي نتائج ملموسة.
فالأزمة بالنسبة للسكان لم تعد في نقص الخدمات فقط، بل في غياب الإرادة السياسية لإنهاء المعاناة، وفي وجود سلطة لا تشعر بوجع الناس ولا تتحرك إلا لحماية مصالحها ومصالح داعميها.
سياسة ضغط لا تصنع استقرارًا
تؤكد التطورات الأخيرة أن استخدام الخدمات الأساسية كورقة ضغط على المواطنين لم يعد قادرًا على إسكات الشارع، بل أصبح عاملًا مباشرًا في تفجير الغضب الشعبي. فالغاز والكهرباء والوقود والغذاء ليست مطالب ترفيهية، بل حقوق أساسية، وحرمان الناس منها يعني دفعهم نحو الانفجار.
وكلما طال أمد الأزمة، زادت قناعة المواطنين بأن ما يجري ليس مجرد عجز عابر، بل سياسة تهدف إلى إنهاك المجتمع وإبقائه منشغلًا بلقمة العيش، بعيدًا عن المطالبة بحقوقه السياسية والاقتصادية. غير أن استمرار الاحتجاجات والعصيان المدني يؤكد أن هذه السياسة بدأت ترتد على أصحابها، وأن الشارع الجنوبي والشرقي لم يعد قابلًا للترويض بالخدمات المقطوعة والأسعار الملتهبة.
عجز سعودي في احتواء الموقف ..وتأكيد جنوبي على مواصلة النضال
إن ما تشهده المحافظات الجنوبية والشرقية اليوم يمثل صورة صارخة لانهيار منظومة الحكم التابعة للعدوان السعودي، وفشل أدواتها في توفير الحد الأدنى من مقومات الحياة. فالمواطن الذي يُحرم من الغاز والوقود والكهرباء والراتب والغذاء لا يمكن أن يبقى صامتًا إلى ما لا نهاية.
ومع دخول العصيان المدني أسبوعه الرابع ، تبدو المحافظات المحتلة أمام مرحلة أكثر تصعيدًا ما لم يتم وضع حد لسياسة التجويع، ومعالجة أزمات الوقود والغاز والكهرباء، وضبط الأسعار، ومحاسبة المتورطين في الفساد والاحتكار. فالغضب الشعبي المتصاعد لم يعد مجرد احتجاج على أزمة خدمات، بل بات رفضًا شاملًا لمنظومة الاحتلال والوصاية والفشل التي أوصلت حياة الناس إلى هذا المستوى من القهر والمعاناة.
