معادلة الردع وصناعة السلام

يكتبها اليوم / د. شاهر أحمد عمير

 

تفرض التطورات المتسارعة في المشهد الإقليمي والمحلي قراءة متأنية لمعادلات الصراع ومآلاته، لا سيما في ظل الدلالات البالغة التي يحملها الموقف في صنعاء. إن تداعيات المرحلة الراهنة وما تحمله من تعقيدات سياسية وعسكرية تعيد رسم قواعد الاشتباك وتضع دول الجوار، وعلى رأسها النظام السعودي، أمام استحقاقات حتمية لا رجعة فيها، تتطلب الانتقال الجذري من خيار الحرب إلى مسار التسوية الشاملة.

لقد حسمت القوات المسلحة اليمنية موقفها الرافض لاستمرار حصار الشعب اليمني، مترجمة ذلك إلى معادلة عملية قائمة على “الحصار بالحصار، والتصعيد بالتصعيد، والمطار بالمطار، والبنك بالبنك، والميناء بالميناء”، وها هي اليوم تثبت اقتدارها العملياتي في فرض هذه المعادلات بكل قوة وثبات.

أثبتت التجربة الميدانية خلال السنوات الماضية عقم الرهانات العسكرية، حيث فشلت كافة التدخلات في كسر إرادة الشعب اليمني أو النيل من صموده. وعلى النقيض من ذلك، طورت القوات اليمنية قدراتها الاستراتيجية بشكل غير مسبوق، وأصبحت تمتلك أدوات ردع فاعلة تطال المدى وتؤمن الجبهات. هذا التفوق الميداني لم يعد مجرد رد فعل دفاعي، بل تحول إلى عنصر ضغط استراتيجي يعيد صياغة قواعد اللعبة، ويجعل من استمرار الحرب مغامرة غير مضمونة النتائج للرياض وحلفائها، خصوصاً في ظل الظروف الإقليمية الراهنة التي تعزز فيها القوات المسلحة جاهزيتها ويدها على الزناد.

إن المراقب الحصيف للسياسة التي تتهجاها صنعاء يدرك تماماً التحول النوعي في خطابها وموقفها؛ فهي لم تعد في موقع الساعي خلف تسويات هشة تحفظ ماء وجه المعتدين، بل باتت تفرض شروط النصر بقوة الواقع وصلابة الميدان. إن التأكيد على أن صنعاء تملك زمام المبادرة يعكس إدراكاً عميقاً لموازين القوى الجديدة، حيث أثبتت جولات التفاوض والمواجهة أن أي سلام مستدام لا يمكن أن يُبنى إلا على أساس الاعتراف الكامل بالسيادة اليمنية ورفع الحصار وإيقاف العدوان بشكل نهائي.

وعلى النظام السعودي أن يدرك أن الأمريكي والإسرائيلي لا يريد مصلحة المنطقة أو السعودية، وإنما يسعى فقط لحماية الكيان الإسرائيلي المحتل واستمراره في القتل والإجرام والاستيطان في الدول العربية، وإقامة “دولة إسرائيل الكبرى” التي من ضمنها ثلاثة أرباع مساحة السعودية.

تجد الرياض نفسها اليوم أمام مفترق طرق حاسم وخيارات ضيقة؛ فإما الذهاب الجاد نحو مسار تفاوضي منصف يعترف بحقوق الشعب اليمني ويحفظ الاستقرار الإقليمي، وإما الاستمرار في مكابرة سياسية ستكون تكلفتها الباهظة ماثلة في استهداف العمق الحيوي والمطارات والمصالح الاستراتيجية. إن مصلحة النظام السعودي الحقيقية قبل غيره تكمن في لملمة خيبته وإنهاء حالة الحرب، وقراءة المعطيات الإقليمية والدولية بموضوعية، وإدراك أن لغة القوة والتصعيد لم يعد لها رصيد في معادلة اليوم.

إن المرحلة الحالية تتطلب عقليات سياسية شجاعة تدرك أن السلام العادل هو المخرج الوحيد لحفظ أمن المنطقة واستقرارها. وإن صمود صنعاء وثبات موقفها يمثلان البوصلة الأساسية التي ستحدد شكل المنطقة ومستقبلها في المدى القريب والبعيد.

 

 

قد يعجبك ايضا