اليمن والسعودية نحو الحسم.. والمنطقة نحو مواجهة فاصلة
من مواجهة البحر الأحمر المرتقبة.. خطوط المنطقة تُرسم وملامح الطرف المنتصر إقليمياً ستتضح
الثورة / تقرير/ إبراهيم الوادعي
متجهة نحو التصعيد تبدو المنطقة ذاهبة برمتها ومن بوابة تجدد العدوان الشامل على اليمن، يسعى المحور الأمريكي لإشعال النار إقليميا، لم يكن العدوان على العراق سوى المؤشر الأوضح لهذا التوجه، والنهج الذي تأكد مع قصف مطار صنعاء في يوليو الماضي، رغم محاولات صنعاء أن تبقيه في إطار ثنائي مع السعودية، غير أن الطرف المقابل في المعسكر الأمريكي يختار المواجهة الشاملة، وابتداء جولة جديدة بأسرع مما توقع مراقبون ومتفائلون بالهدنة أو ديمومة الهدوء في المنطقة عقب اتفاق إسلام آباد..
في الضفة الأخرى لا تظهر صنعاء أي انكسار، واستبقت تصعيد المعسكر الأمريكي بإطلاق معادلة كسر الحصار بالقوة وفرض الحصار على المملكة السعودية، ولم تترك للمحور الأمريكي وقتا أطول ليرتب أوراقه ويحدث بنك أهدافه كيفما يريد.
صنعاء التقطت اللحظة الذهبية التي يعاني فيها المحور الأمريكي من التخبط والانكسار في أكثر من جبهة وتراجع إنجازاته السابقة في مقابل ترميم المحور لساحاته، وذهبت إلى فرض الحصار على المملكة أبرز لاعبي المعسكر الأمريكي بعد الميان الصهيوني واللاعب الأول اقتصاديا في المعسكر الغربي برمته.
عملية قصف مقرات الحشد الشعبي في البصرة بإعلان أمريكي سعودي واضح، أعطت مؤشرا بكون الولايات المتحدة الأمريكية هي من تقود معركة الإقليم بشكل كامل، وأنها من تبقي اليمن تحت الحصار السعودي، وعزل اليمن عن العالم بإغلاق مطار صنعاء، وأيضا هي من تختار مكان الضربات ومن توزع الأدوار بين أدواتها الإقليمية، في ضوء الحديث عن مشاركة للطيران الكويتي والبحريني والإماراتي في قصف إيران، بما يلغي الحاجة لوجود الطيران الإسرائيلي، ولا تستطيع هذه « الدول» ذات الترسانة الأمريكية من المسمار إلى الصاروخ أن تتحرك شبرا دون توجيه وحماية ورعاية من الأمريكان.
• انكشاف خليجي
الأنظمة الخليجية ظهرت خلال المواجهة مع إيران ومنذ طوفان الأقصى بحجمها الحقيقي ودورها الفعلي، محميات زرع لها إعلام، هدفها حماية منابع الطاقة لصالح أمريكا والمشروع الصهيوني والاقتصاد الغربي، وأسوار حماية لقاعدة الناتو المتقدمة في الشرق على أرض فلسطين « إسرائيل»، وأكد القصف من أراضي هذه الدول وكذلك قصف مطار صنعاء، رغم أنه لا مصلحة سعودية، أن أنظمة الخليج لا تملك من مقومات الدول سوى تحمل وزر جرائمها وجرائم أمريكا في المنطقة.
نزول أمريكا إلى الساحة وكشف أوراقها الإقليمية الأخرى المتمثلة بدول الخليج والأردن ومصر « السادات» وتوزيع أدوار سياسية وعسكرية على هذه الدول والأنظمة، تتلاءم والحاجة الأمريكية في إدارة المعركة الناشبة منذ طوفان الأقصى والممتدة حتى اليوم، وبشكل علني، لم يعد الأمر خافيا كما كان لعقود ويتحدث عنه الباحثون في كتبهم للعامة، وهو أمر استجد منذ أكتوبر 2023م وظهر بوقاحة خلال المواجهة مع ايران وعجز الولايات المتحدة والكيان الصهيوني عن كسر النظام الإسلامي بوسائل قذرة كالمظاهرات المسيّرة، والعمل العسكري أخيرا ..
وبرغم أن المشهد على مستوى المنطقة منذ أكتوبر 2023م يبدو في ظاهره بتمكن الولايات المتحدة الأمريكية من توجيه ضربات مؤلمة للنظام الإسلامي في ايران، ولجبهة المقاومة الإسلامية في بلدان المحور، إلا أن التغير الاستراتيجي يجري أيضا على المقلب الآخر مستقبل الوجود والهيمنة الأمريكية في المنطقة ومستقبل الكيان الإسرائيلي المزروع منذ 1948م، يدركه الخبراء وتتحدث عنه دوائر السياسية الغربية بوضوح دونما تفاؤل بعكس ذلك..
• مواجهة مع الإسلام
ما يختلف في مواجهة الشرق الأوسط عن باقي الحروب التي واجهتها الولايات المتحدة الأمريكية في العالم، بما في ذك فيتنام والمواجهة مع اليابان، أنها تدور ضد خصم يمتلك البعد الإسلامي الذي يرفض الاستسلام ويحافظ على الروح المقاومة حتى يحقق النصر، فالإسلام يرفض التدجين ولديه القدرة على خلق المقاومة لدى الأجيال، وبالتالي فتكرار التجربة مع اليابان وفيتنام يبدو غير ذي جدوى، وبمجرد أن يسقط العملاء في مواقع القيادة تعود الشعوب لتنهض بفعل هذا الدين العظيم، تدرك الولايات المتحدة هذا الواقع في مصر والأردن ودول أخرى ولذا فهي تحرص على صون عملائها، ويدرك هؤلاء هذا الواقع، فنرى ضغطا ودلالا بين الفينة والأخرى الأمريكي المجبر على استبدال عملاء بعملاء وعدم ترك فجوة انتقالية..
منذ 76 عاما لم يستكن الفلسطينيون رغم شراسة المشروع الصهيوني وقوته اقتصاديا وخذلان العالم، لم يستسلم الفلسطينيون رغم الإبادة المتكررة منذ 48م وحتى 2023م حين انطلقت الإبادة الصهيونية الجديدة في غزة بدعم دولي واسع النطاق وتعاون من دول عربية وإسلامية.. فلسطين تغلي تحت الرماد ولا يمكن لقارئ للتاريخ أن يجزم باستتباب الأمر للمشروع الصهيوني على ارض فلسطين مهما كانت القسوة في القتل والإجرام ومهما بدا المشهد ورديا للمحتلين، تعاقبت أجيال ولم تنس حقها في فلسطين ولم تقبل بـ « إسرائيل»..
تمكن مجاهدو فلسطين ولبنان واليمن وبدعم إيراني خلال طوفان الأقصى في نزع أظافر الكيان الإسرائيلي وجعله عاجزا عن أداء دوره الردعي الذي أنيط به منذ تأسيس الكيان في 1948م، رغم الدعم الأمريكي والغربي الواضح ودعم دول عربية وإسلامية بينها مصر وتركيا بالإضافة إلى دول الخليج.
وتمكنت إيران الإسلامية من قصقصة أظافر التواجد الأمريكي في المنطقة، ولا يمكن للمشروع الأمريكي أن يبقى في ظل وضع عدائي كهذاء تعيشه المنطقة، ولم يعد للأمريكيين حصانة ضد القتل والاستهداف، يعرف عن أمريكا نفسها القصير في الحروب، فهي أتت من خلفية عصابات قدمت لسرقة الأرض والمحوصل في أمريكا، وجبلت على هذا السجية في مختلف حروبها العالمية، تذهب إلى الحروب العسكرية القصيرة بعد أن تكون قد خلخلت خصمها من الداخل، مثل بنما ووصولا إلى فنزويلا.
وتمكن اليمن من هزيمة 3 تحالفات في البحر الأحمر، وتوجيه ضربة مهينة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وبحريتها خلال المواجهة المباشرة بين شهري مارس ومايو 2025م، وتوجيه ضربة هي الأولى من نوعها تتلقاها البحرية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية 1945م
• دور تركي مقبل
بالعودة إلى الميدان اليمني تحدث السيد عبدالملك عن تصعيد شامل يعد له المحور الأمريكي تجاه اليمن، خلال الأيام الماضية جرت عملية مستجدة لتزويد المرتزقة بالعتاد وصرف الأموال السعودية من جديد على شاكلة رواتب منقطعة، ومن بين العتاد الذي منح للمرتزقة مسيّرات تركية لن تراها في يد الفلسطيني أو العراقي، بل تتنقل من أوكرانيا إلى اليمن إلى السعودية، تدور داخل المحور الأمريكي.
وفي هذه النقطة تجدر الإشارة إلى أنه وخلال طوفان الأقصى، تلقى الجيش الصهيوني قنابل تركية وعتادا تركيا، وتلقى الكيان بما في ذلك الجيش الصهيوني جسرا منتظما من الأغذية التركية ووسائل الحماية للجنود من إنتاج المصانع التركية، تباهي بكل ذلك وقاحة الجنود الإسرائيليين على وقع خطابات الرئيس التركي أردوغان عن دعم فلسطين وغزة، وسبقت تركيا الخونة العرب في مد الكيان الصهيوني بالخضروات والأغذية الطازجة لمواجهة الحصار اليمني البحري على الكيان.
وفي هذه النقطة تحديدا لا يمكن لبلد أن يكون مع فلسطين وأمريكا في ذات الوقت، ولم تكن تركيا يوما مع القضية الفلسطينية وهي عضو في الناتو الذي تولى عمليا عملية الإبادة في غزة عبر الإمداد بالسلاح وإنشاء غرف العلميات التي لاحقت المقاومة وإنفاقها وبحثت عن الأسرى الصهاينة ولم يكن الجيش الصهيوني سوى ذراع عسكري معلن لمنح المعنويات لليهود المحتلين فلسطين، وتسجل التقارير مئات المرتزقة وفرقا عسكرية غربية وأمريكية عملت في غزة في مواجهة المقاومة الفلسطينية وارتكبت أبشع الجرائم.
ووفقا لمحللين، فأطراف المعسكر الأمريكي تتقاسم المناطق اليمنية عسكريا لترتيب تصعيد شامل، توضح فيه حتى الآن دور المرتزقة بالمشاغلة في الجبهات وذلك اقصى ما يستطيعونه في ظل الوهن الذي أصابهم والخلاف الذي يعتري صفوفهم، ودور بريطاني سيتركز في الساحل الغربي عبر هجمات بالطائرات المسيّرة، يبدو أنها ستكون البصمة الجديدة للهجوم الأمريكي السعودي، كما هو الحاصل في أوكرانيا، ودون ذلك فخيارات التقدم أو اقتطاع مزيد من الأرض يبدو مستبعدا في المناطق الجبلية خصوصا والمحصنة تحصينا شديدا موحدة القيادة على خلاف الوضع في 2015م و2016م حين تمكنت قوات التحالف السعودي الذي انفرط عقده لاحقا من اختراق مديرية نهم.
ومن الملامح في هذا التصعيد غياب مرحلي للإمارات ومرتزقتها الذين أضحوا بيد السعودية، وأين يمكن أن يتجلى هذا الدور الذي لن يكون إلا مخلخلا للصف السعودي، انطلاقا من ثقافة البدوي وعقدة النقص الخليجية، وتلك رؤية استشرافية لأبرز ملامح التصعيد.
وفي الضفة الأخرى ستكون أرامكو ومنشآتها في قلب الأهداف اليمنية داخل المملكة، ولذلك أهميته من الناحية الاقتصادية والعسكرية، وفي كلا الأمرين الجولة المقبلة لن تبقي حصانة للمعسكر الأمريكي ومصادر تمويله، كان المس بأرامكو يمثل مسا بالولايات المتحدة ولذا شاهدنا تجنبا لاستهدافها في كل الحروب، بدءا من حرب العراق 91م وحتى العام 2019م حين استهدفت مصفاتا بقيق وخريص للمرة الأولى، أرامكو ليست عصب الاقتصاد السعودي فقط، بل هي تمثل عصب الاقتصاد الأمريكي والممول الرئيسي لحروب أمريكا والصهيونية في العالم، هذه المنظومة لا تنفق ابدأ من جيبها، وبالتالي فصنعاء ومحور المقاومة سيدخلان الجولة المقبلة بهدف الحسم ونتائجها ستفضي إلى رسم مستقبل المنطقة أقله لسنوات بوجود أمريكي يضمحل ومشروع احتلال يترنح في فلسطين ودول على ضفة الخليج انتهت عمليا وتنتظر قرار الإزالة، ذلك إن لم يتم الحسم النهائي والشامل.
