الوهم الساقط.. كيف حولت الرياض الجنوب والشرق اليمني إلى معتقل للفوضى وسوق للنخاسة العسكرية العابرة للحدود؟

عدن في ظلام دامس وانهيار العملة وتفتيت النسيج الاجتماعي تحت وطأة الميليشيات المتناحرة 
محرقة الجبهات الداخلية.. استغلال الفقر المدقع لتحويل آلاف الشباب الجنوبي إلى وقود رخيص في حروب الرياض العبثية ضد صنعاء وأبناء وطنهم 
أخطر تقارير الارتزاق الإقليمي من “الحد الجنوبي” إلى “حدود العراق”.. الكشف عن مخططات سعودية لنقل مقاتلين جنوبيين لتأمين حدودها الشمالية تحسباً لأي صراعات إقليمية قادمة. 

الثورة / مصطفى المنتصر

لم يعد حديث “التحرير” و”إعادة الأمل” الذي تسوقه الآلة الإعلامية السعودية وأدواتها المحلية سوى نكتة سوداء يتداولها أبناء عدن والمحافظات الجنوبية والشرقية المحتلة في طوابير الخبز، أو تحت سياط الظلام الدامس الذي يلف مدنهم، فبعد سنوات طويلة من السيطرة العسكرية والسياسية والاقتصادية المباشرة للرياض ووكلائها، تتكشف اليوم الحقيقة العارية بلا رتوش.. لا إعمار، لا تنمية، ولا دولة؛ بل مشروع استعماري ممنهج يرتكز على صناعة الفوضى، وتجريف المؤسسات، وإدارة التجويع، وتحويل الإنسان اليمني في الجنوب والشرق إلى مجرد “سلعة عسكرية” تباع وتشترى في مزادات الحروب العابرة للحدود.
إن ما تشهده عدن، وحضرموت، وشبوة، والمهرة، وأبين، ولحج، والضالع اليوم، ليس فشلاً إدارياً عابراً أو عجزاً طارئاً من قبل “حكومة المرتزقة ” التابعة للرياض، بل هو هندسة متعمدة للانهيار تهدف إلى كسر إرادة أبناء اليمن في الشرق والجنوب المحتل وإيصاله إلى حالة من اليأس المغلف بالفقر المدقع، ليصبح خيار “الارتزاق” والانخراط في جبهات الموت السعودية هو سبيل البقاء الوحيد أمام آلاف الشباب.
عدن والمحافظات الشرقية.. هندسة التجويع وإدارة الفوضى
في عدن — المدينة التي كانت يوماً نافذة الجزيرة العربية على التنوير والازدهار — يحكم اليوم ثالوث الجوع، والظلام، والرعب الأمني. تتهاوى العملة المحلية إلى مستويات غير مسبوقة، متجاوزة حاجز الانهيار الشامل، في حين ترتفع أسعار السلع الأساسية والمحروقات إلى أرقام تعجز عنها الغالبية العظمى من المواطنين الذين صودرت رواتبهم وقطعت مصادر رزقهم.
ويرى مراقبون أن السعودية وأدواتها عمدت إلى تمزيق الخارطة الأمنية والعسكرية في المحافظات الجنوبية والشرقية إلى كانتونات وميليشيات متناحرة تتغذى على العصبية المناطقية والمكاسب النفعية. وهذا التفتيت الممنهج جعل من عدن مسرحاً للاغتيالات اليومية، والاعتقالات التعسفية، والاشتباكات المسلحة بين أجنحة المرتزقة المتصارعة على الجباية والنفوذ، في ظل غياب تام لأي سلطة قضائية أو مؤسسية.
وفي المفارقة الأكثر استفزازاً، تعيش المحافظات النفطية والغازية في الشرق اليمني (شبوة وحضرموت والمهرة) أزماتٍ خانقة في الوقود والكهرباء والخدمات الأساسية، بينما تضع القوات السعودية وشركاتها أيديها على المنافذ الاستراتيجية، والموانئ، وحقول النفط، والمطارات المدنية (كمطار الريان الغارق في العسكرة الذي وصلت إليه قبل يومين قوات أجنبية يعتقد أنها أمريكية وباكستانية، ومنافذ المهرة الحدودية)، مانعةً أي استفادة سيادية للشعب اليمني من ثرواته الوطنية.
محرقة الجبهات.. شباب الجنوب وقود لحرب الرياض العبثية ضد إخوانهم في الشمال
لم يكن إفقار المحافظات الجنوبية والشرقية سوى الخطوة الأولى في خطة التجنيد القسري الناعم، فبحصار الشباب اقتصادياً وإغلاق آفاق العمل الشريف أمامهم، فتحت لهم «سماسرة التجنيد» ومكاتب الجلب العسكري التابعة للرياض وأدواتها المحلية، في مشهد يجسد استنزاف السعودية الدم اليمني الجنوبي في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
وبحسب مصادر وتقارير حقوقية وإعلامية، جرى ويجري الزج بعشرات الآلاف من أبناء الجنوب والشرق في محارق الجبهات الداخلية للقتال ضد إخوانهم في صنعاء والمحافظات اليمنية الصامدة. هناك، يستخدم الشاب الجنوبي كـدرع بشري» ورأس حربة في معارك استنزافية عبثية تخدم أجندة الهيمنة السعودية التي تسعى إلى خدمة المشروع الأمريكي الصهيوني، فيما يظل ضباط الرياض في غرف العمليات المكيفة يراقبون المشهد عن بعد.
التنكر لحقوق الضحايا
تكشف الشواهد اليومية أن من يسقط من هؤلاء الشباب في الجبهات ينسى فوراً؛ فلا رعاية لأسر القتلى، ولا علاج للجرحى الذين يتركون لمصيرهم المؤلم في مستشفيات تفتقر لأبسط المستلزمات الطبية، بينما يتنعم قيادات المرتزقة وسماسرة الحرب بعقارات الرياض والقاهرة وإسطنبول وأرصدة البنوك الخارجية.
أخطر الفصول.. من »الحد الجنوبي« إلى حدود العراق
ولأن العقلية الاستعمارية لا ترى في المقاتل المرتزق سوى «أداة إيجار»، فإن نزيف الدم الجنوبي لم يعد مقتصراً على الداخل اليمني أو حتى على حماية حدود السعودية الجنوبية مع اليمن؛ بل كشفت تقارير صحفية واستخباراتية مؤخراً عن تحولاتٍ خطيرة في عقيدة الاستغلال السعودي للمرتزقة اليمنيين.
التجنيد العابر للحدود (المرتزقة الإقليميون)
تشير معطيات وتقارير متطابقة إلى بدء عمليات تجنيد ونقل دفوعاتٍ من المقاتلين الجنوبيين وأبناء المحافظات الشرقية نحو الحدود الشمالية للمملكة مع العراق، ضمن خطط استباقية وتشكيلاتٍ عسكرية تهدف الرياض من خلالها إلى بناء «أحزمة أمنية بالوكالة»، تحسباً لأي تداعيات أو صراعات إقليمية واسعة في المنطقة.
رخص الفاتورة البشرية اليمنية لدى الرياض
ويكشف مراقبون أن نقل شباب يمنيين من لحج وأبين والضالع وحضرموت لحماية حدود دولة أخرى مع العراق، يكشف الحضيض الأخلاقي والوطني الذي انحدر إليه وكلاء الاحتلال؛ إذ يتم تسويق المقاتل اليمني باعتباره الجندي الأرخص تكلفة، والأقل تبعية حقوقية وقانونية في حال مقتله أو أسره، مقارنة بالجنود السعوديين أو التعاقدات العسكرية الغربية.
ويفسر محللون عسكريون ذلك بأن المخابرات السعودية تستغل الظروف المعيشية المأساوية التي صنعتها بيديها في عدن والمكلا وعتق ولحج لتقديم إغراءات مالية بالريال السعودي أو الدولار، مستهدفة الشباب صغار السن، لنقلهم عبر رحلات جوية وبرية سرية إلى معسكرات تدريب في عمق المملكة، ومن ثم توزيعهم على نقاط تماس إقليمية لا علاقة لليمن ولا للجنوب بقضاياها من قريب أو بعيد.
صحوة الوعي الوطني وسقوط وهم »الحليف«
إن ما يجري في الجنوب والشرق اليمني المحتل اليوم، ليس مجرد أزمة سياسية أو تعثرٍ اقتصادي، بل هو جريمة استنزافٍ شاملة للهوية والأرض والإنسان. لقد أثبتت السنوات العجاف أن السعودية لا تريد في اليمن جنوباً مستقراً ولا شمالاً قوياً، بل تسعى لتكريس يمن ممزق، ضعيف، ومتقاتل، يتحول فيه أبناؤه إلى حرس حدود لمشاريعها التوسعية، وتتحول فيه عدن وحضرموت والمهرة إلى حدائق خلفية لنفوذها العسكري ومطامعها الاقتصادية.
إن اللحظة الراهنة تفرض على الأحرار في المحافظات الجنوبية والشرقية—من نخب سياسية وإعلامية، وقبائل وشباب، كسر حاجز الصمت، وإسقاط شرعية الارتزاق، وإدراك أن العدو الذي يصنع الجوع والظلام في عدن هو ذاته الذي يسرق النفط في شبوة وحضرموت، وهو ذاته الذي يتاجر بدماء الشباب على حدود اليمن والعراق ، فالكرامة لا تستورد من عواصم الاحتلال، والسيادة لا تبنى ببنادق المرتزقة؛ بل بوحدة الموقف اليمني الرافض للوصاية، والمصمم على استعادة الأرض والقرار.

قد يعجبك ايضا