الثورة نت/
على شاطئ البحر في مدينة الزوايدة وسط قطاع غزة، لم تكن أم عبدو الحاج تتوقع أن تتحول ساعات قضتها مع أطفالها هربًا من حرارة الصيف إلى بداية معاناة صحية جديدة.
فبعد السباحة، عاد ابنها مصابًا بنزلة معوية حادة إثر ابتلاعه مياه البحر، بينما ظهرت على قدم ابنتها الصغيرة حبوب وانتفاخات تحولت لاحقًا إلى جروح مؤلمة بسبب الحكة. عندها أدركت أن البحر، الذي كان يومًا متنفسًا لأهالي غزة، لم يعد يحمل لهم سوى الخطر.
هذه الحكاية ليست استثناءً، بل تعكس واقعًا يعيشه مئات آلاف السكان في قطاع غزة، حيث تتفاقم كارثة بيئية وصحية على امتداد الشريط الساحلي، نتيجة تدمير العدو الإسرائيلي لشبكات الصرف الصحي والبنية التحتية، واستمرار تدفق المياه العادمة إلى البحر، في وقت تعجز فيه البلديات عن احتواء الأزمة بسبب نقص الإمكانات والمعدات.
وفي مدينة خانيونس جنوب القطاع، تؤكد بلدية المدينة أن تلوث مياه البحر يعود إلى خروج معظم مرافق الصرف الصحي عن الخدمة بعد تدمير محطات الضخ والمعالجة وخطوط النقل الرئيسية، ما أدى إلى تصريف عشرات آلاف الأمتار المكعبة من المياه العادمة الخام إلى البحر يوميًا.
ويقول المتحدث باسم بلدية خانيونس، صائب لقان لـ وكالة (سند للأنباء) الفلسطينية، إن نحو 85% من مرافق الصرف الصحي خرجت عن الخدمة، الأمر الذي تسبب في ضخ ما يقارب 60 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي يوميًا إلى البحر، إضافة إلى تسرب كميات كبيرة من المياه العادمة إلى باطن الأرض، خاصة في منطقة المواصي التي تؤوي مئات آلاف النازحين.
ويضيف أن الشريط الساحلي يشهد تلوثًا واسعًا نتيجة توقف محطات المعالجة، بينما فقدت البلدية قدرتها على إصلاح الأضرار أو تشغيل المرافق بسبب استمرار القيود ونقص المعدات والمواد اللازمة، محذرًا من أن استمرار هذا الواقع ينذر بكارثة بيئية وصحية متفاقمة.
ورغم إدراك السكان للمخاطر، فإن كثيرًا من العائلات لا تجد بديلًا عن البحر، سواء للتخفيف من حرارة الصيف أو لغسل الملابس، في ظل انعدام الخدمات الأساسية وضيق أماكن النزوح.
وتقول أم عبدو الحاج إن أطفالها لم يكونوا الضحايا الوحيدين، مؤكدة أن حالات الإصابة بالأمراض الجلدية والمعوية باتت تتكرر بين الأطفال بعد السباحة، في وقت يشاهد فيه المواطنون تدفق مياه الصرف الصحي إلى البحر وانتشار النفايات على طول الشاطئ.
وتضيف بحسرة: “البحر كان متنفس أولادنا الوحيد.. اليوم أصبح مصدرًا للمرض”، مشيرة إلى أن أبناءها لم يعودوا قادرين على السباحة كما في السابق.
ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند التلوث، إذ تواجه الجهات المحلية صعوبات متزايدة في التعامل مع الحوادث البحرية، في ظل النقص الحاد في معدات الإنقاذ والأدوات الفنية، ما يزيد من حجم المخاطر التي تهدد مرتادي الشواطئ، خاصة الأطفال.
وهكذا، لم يعد بحر غزة يروي حكايات الصيادين أو يحمل فرحة الأطفال كما كان في السابق، بل بات شاهدًا على أزمة بيئية وإنسانية تتعمق مع كل يوم.
وبين مياهٍ ملوثة، وإمكاناتٍ منهارة، وأطفالٍ يبحثون عن لحظة فرح، يتحول المتنفس الأخير لسكان القطاع إلى خطرٍ يهدد حياتهم، في مشهد يجسد حجم المأساة التي يعيشها الفلسطينيون في غزة.
