” انبِعَـاث حلِيـف القُـرْآن فِي مِيادِيـنَ اليمـن الثَـائـر”

أ/ لقمـان عبدالغنـي الأحمـدي

عقـود متطاولةٌ تقاطعت فيها سنيّ العمـر فوق محابر الصحافة وأروقة الفكـر والرصـد والتربيـة، رأيتُ خلالها عروشـاً تتهاوىٰ، وإمبـراطورياتٍ تسقـط في غيابات النسيـان، وعاينتُ بأمّ عيني شعوباً تُسـاق إلى حتفها وحتف كرآمتهـا مُستسلمـةً بصمـت الخانعيـن؛
لكني، وأنا أتأمل صيرورة التاريـخ وحركة المجتمعـات، لم أجد كاليمـن وطناً استثنائيـاً يتقـن قراءة السِّيَـر وتحقيب التاريخ بمـداد دمائه الزكية، ويجيـد صياغة أوجاعـه وجراحاته العميقـة لتغدو جسوراً نورانيـةً يعبر فوقها نحو ذُرى العِـزة والحـرية والكـرآمة. إن هذا المشهد الاستثنائي المهيب والمستمـر الذي يتجلى في خروج أبنـاء اليمـن الأحـرار إلى المياديـن والساحات وإحيائهـم ذكرى استشهاد الإمام زيد عليه السلام، يتجاوز في عمقـه التربوي وأبعاده الفكرية والسياسيـة مجرد طقسٍ عاطفي عابر أو بكائيـةٍ مريرة على أطلال فاجعة أليمـة غائرة في صدر الزمـن؛ بل هو، في حقيقتـه الفلسفيـة، إعلانٌ كوني ناطق بملء الفـم عن اتصالٍ عضويّ وثيق بيـن حاضرهم المقاوم الصامـد وماضيهـم الرسالي الثائـر، وتأكيـد على أنهـم جعلوا من مدرسـة هذا الإمام العظيـم وعمق ثورته وقوداً متجدداً لا ينطفئ لمعركتهم المصيرية المقدسـة ضد قوى الاستكبار العالمي وبغاة الطغيان المعاصر.
إن هذا التدفق البشري الحاشد الذي يغصّ بالوعي قبل الأجساد يمثل تجسيـداً حياً وبنيـة فكرية متماسكة لروح الكرامـة والحرية التي خطّ معالمها الإمام زيد بن علي عليه السلام بدمه القاني على ثرى التاريخ، حين أطلق صرخته المدوية التي ما انفك صدى الكفاح الإنساني يتردد بها ليزلزل عروش المستكبرين عبر القرون والأجيال، مؤكداً أن «من أحب الحياة عاش ذليلاً»؛ وهي ذاتها القاعدة الوجودية الصارمة والتربوية العميقة التي فكك أبناء اليمن الأحرار شفرتها النفسية والواقعية اليوم، إذ أدركوا، بفضل وعيهم العقائدي المتقد، أن «الحياة» إذا ما عُزلت عن قيم السيادة والحرية والعزة لا تعدو كونها موتاً معجلاً وعبوديةً مقنعة، وأن الخوف من التضحية وبذل الأرواح هو القيد غير المرئي الذي يكبّل به الطغاة إرادة الشعوب ويسوقونهم به نحو قهر الاستعباد، ومن هنا تهافت اليمانيون الكرماء إلى ساحات الوعي والشرف، مدفوعين بروحٍ أنوف تأبى الضيم والمهادنة، مستعذبين في سبيل إحقاق الحق وصون الكرامة كل وعثاء وكلفة، ليعيشوا أحراراً تحت ظلال السيادة والشموخ.
وليس هذا الزخم الجماهيري والوعي المتجذر نتاج انفعالٍ حماسي مؤقت، بل هو ثمرة استجابة واعية ومسؤولة للمحرك العقائدي والرسالي الأكبر الذي يضبط حركة هذا الشعب العظيم ويوجه بوصلته الأخلاقية، متمثلاً في نداء التكليف الإلهي الذي عبّر عنه الإمام زيد في عبارته الخالدة التي خطّت مسار الثورة «والله ما يدعني كتاب الله أن أسكت»؛ فالقرآن الكريم في الوجدان اليماني المعاصر ليس مجرد آيات للتبرك أو نصوص تُرتل في الصوامع والمحاريب، بل هو منهج حركة حية، ودستور مواجهة شاملة، وبوصلة فكرية هادية لا تحيد عن الحق؛ وهو ما جعل من الصمت أو الانكفاء أمام طغيان قوى الاستكبار والاستعمار جريمة أخلاقية وإيمانية كبرى لا يمكن لشعب الأحرار أن يقترفها، وغدا التحرك في وجه الباطل واجباً مقدساً ومسؤولية تربوية وأخلاقية لا تقبل المساومة ولا تحتمل المهادنة.
ولأن الحرية الحقيقية شجرة لا تُسقى إلا بدم الأحرار، ولا يمكن أن تُمنح هبةً على أعتاب المحافل الدولية أو تُستجدى من موائد المستكبرين وأرباب النفوذ, فقد استوعب اليمانيون الأوفياء الدرس التاريخي والاستراتيجي الأهم الذي رسخه ثائر آل محمد حين قال محذراً ومتوعداً «والله ما كره قوم قط حر السيوف إلا ذلوا»، فاختار اليمن العزيز الشامخ كلفة الحرية الحمراء ووهج المواجهة في ميادين الشرف على رغد العيش الذليل المستدام بالتبعية والمهانة، وصنعوا من خلال هذا الخيار الاستراتيجي، وبفضل صمودهم الأسطوري وحصارهم الطويل، معادلة ردع معاصرة واستثنائية تخرّ لها الجباه هيبةً في البر والبحر، مسطرين بدمائهم الزكية في سفر الخلود حقيقةً تربويةً واجتماعية ثابتة مفادها أن الشعوب التي تبخل بضريبة الحرية والتضحية، ستدفع أضعافها حتماً من كرامتها ومستقبل أجيالها ثمناً للذل والاستعباد.
وتكتمل فصول هذه الملحمة الإيمانية الفذة بالشرط البنيوي والمعرفي الصارم الذي وضعه الإمام الثائر لضمان سلامة المسار ونجاح حركة التصحيح والنهوض، حين نادى في أصحابه وأمته صيحته الشهيرة «البصيرة البصيرة ثم الجهاد»، مقدماً بعبقريته التربوية والفكرية «الوعي» على «القوة»، و»البصيرة» على «الحركة»، إدراكاً منه بأن الجهاد والحركة إذا عُدما البصيرة النافذة والوعي الحقيقي قد يتحولان إلى أدوات عمياء تُوظف في خدمة مشاريع الأعداء وتمرير أجنداتهم الخبيثة؛ وهذه البصيرة العالية هي السلاح الأمضى والدروع الحصينة التي يتسلح بها أبناء اليمن الأحرار اليوم في مواجهتهم الكبرى، إذ باتوا يعرفون عدوهم بدقة متناهية، ويفقهون الخلفيات الجيوسياسية والأبعاد الخفية للمؤامرات التي تحاك ضد أمتهم، ممتلكين وعياً فكرياً صلباً يتكسر عليه كل زيف وتضليل إعلامي. ليقف هذا الخروج اليماني المهيب شاهداً حياً أمام العالم بأسره على أن مدرسة الإمام زيد بن علي لم تُطو صفحاتها في ركام التاريخ، بل بُعثت حيةً نابضة بقمم الشجاعة والعزة في وعي وثقافة وممارسة شعب بأكمله، شعبٌ يتدبر كتاب الله بيقين ثابت، ولا يرهب حَرّ السيوف، ويسير بنور البصيرة والوعي التربوي الرشيد نحو فجر نصر محتوم وعزة أبدية لا تطالها يد الانكسار.

قد يعجبك ايضا