من جيل إلى جيل.. نساء اليمن يغزلن الماضي لحماية الحاضر

 

الأسرة /خاص
في زمن تتسارع فيه مظاهر الحداثة وتتغير فيه أنماط الحياة بفعل التكنولوجيا والانفتاح الثقافي لا تزال المرأة اليمنية تؤدي دورًا محوريا في الحفاظ على الموروث الشعبي، باعتباره جزءا من الهوية الوطنية والذاكرة الجماعية، فمن داخل المنازل وفي المناسبات الاجتماعية وورش الحرف اليدوية، ما زالت النساء يحملن مسؤولية نقل العادات والتقاليد وصون الأزياء التراثية وإحياء الفنون الشعبية وتعليم المهارات التي توارثتها الأجيال لتبقى حاضرة رغم ما يواجهها من تحديات.
ولا يقتصر مفهوم الموروث الشعبي على المقتنيات القديمة أو المظاهر الاحتفالية، بل يشمل منظومة واسعة من القيم والعادات والأزياء والحرف والفنون الشفهية التي تعبر عن تاريخ المجتمع وتنوعه الثقافي، وكانت المرأة عبر عقود طويلة الراوية الأولى لهذا التراث،
والوسيط الذي ينقله من جيل إلى آخر سواء من خلال التربية اليومية أو المشاركة في المناسبات الاجتماعية أو ممارسة الحرف التقليدية داخل المنزل.
دور الأمهات
وتتجلى هذه المسؤولية في حرص كثير من الأمهات والجدات على تعريف الفتيات بملامح الأزياء التقليدية التي تتميز بها كل منطقة يمنية، فلكل محافظة طابعها الخاص في الأقمشة والألوان والزخارف والتطريز وهو ما يعكس التنوع الثقافي الذي يميز اليمن، وتحرص كثير من الأسر على ارتداء هذه الأزياء في الأعياد والأعراس والمناسبات الوطنية باعتبارها رمزا للهوية والانتماء، وليس مجرد لبس يرتبط بالماضي.
دلالات اجتماعية
ويرى باحثون في التراث أن الأزياء الشعبية تحمل في تفاصيلها دلالات اجتماعية وثقافية، إذ تعكس البيئة المحلية والموارد المتاحة والمهارات التي اشتهرت بها كل منطقة وهو ما يجعل الحفاظ عليها جزءا من الحفاظ على التاريخ الاجتماعي للمجتمع اليمني.
ولا يقل دور المرأة أهمية في حماية الحرف التقليدية التي ارتبطت بحياة اليمنيين منذ مئات السنين، فما زالت نساء كثيرات يمارسن التطريز اليدوي والخياطة التقليدية وصناعة السلال والخوصيات والمشغولات اليدوية وغيرها من الحرف التي تعتمد على المهارة والصبر والدقة وما تزال تمثل مصدر فخر للكثير من الحرفيات اللواتي يواصلن ممارستها ويحرصن على تعليمها لبناتهن.
حفظ التراث
وتقول الحرفية أم فاطمة إن والدتها علمتها التطريز منذ طفولتها وكانت تعتبر هذه المهارة جزءا من تربية الفتاة.
مضيفة أنها تحاول اليوم تعليم حفيداتها صناعة الكوافي التقليدية حتى لا تضيع مع مرور الزمن خاصة في ظل تراجع اهتمام بعض الفتيات بالأعمال اليدوية واتجاههن نحو المنتجات الجاهزة.
حضور المرأة
ولا يقتصر حضور المرأة في حفظ التراث على الجوانب المادية، بل يمتد إلى الموروث الشفهي الذي يشكل جزءا مهما من الثقافة اليمنية، فالجدات ما زلن يروين الحكايات الشعبية للأطفال ويحفظن الأمثال المتداولة والأهازيج والأغاني المرتبطة بالمناسبات الاجتماعية وهي عناصر ساهمت عبر الزمن في ترسيخ القيم والعادات وتعزيز الروابط بين أفراد المجتمع.
وتؤكد الباحثة الاجتماعية أسمهان العريقي أن المرأة كانت على الدوام الذاكرة الحية للمجتمع فهي التي تحفظ تفاصيل الحياة اليومية وتنقلها للأجيال الجديدة بصورة عفوية مشيرة إلى أن كثيرا من الموروثات الشفهية كان يمكن أن تختفي لولا استمرار النساء في تداولها داخل الأسرة.
مظاهر التراث
ومع التحولات التي يشهدها المجتمع، بدأت بعض مظاهر التراث تتراجع، سواء بسبب تغير أنماط المعيشة أو الهجرة أو النزوح أو تأثير وسائل التواصل الاجتماعي التي قدمت نماذج ثقافية جديدة دفعت بعض الشباب إلى الابتعاد عن المظاهر التقليدية والنظر إليها على أنها لا تواكب العصر.
ويرى مختصون في الشأن الثقافي أن هذه التغيرات تجعل مسؤولية الحفاظ على التراث أكثر أهمية من أي وقت مضى، مؤكدين أن حماية الموروث لا تعني رفض التطور وإنما تعني المحافظة على العناصر التي تعبر عن هوية المجتمع مع تقديمها بصورة عصرية تضمن استمرارها.
الحرف التقليدية
وفي السنوات الأخيرة برزت مبادرات تقودها نساء لإحياء الحرف التقليدية من خلال إقامة معارض وتنظيم دورات تدريبية للفتيات،
والترويج للمنتجات التراثية عبر المنصات الرقمية في محاولة لربط التراث بفرص العمل وتحويله إلى مصدر دخل يحافظ على استمراريته ويشجع الأجيال الجديدة على تعلمه.
ويشير مهتمون بالتراث إلى أن المدارس ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية، مطالبة بتعزيز حضور التراث في البرامج التعليمية والأنشطة المجتمعية وإبراز النماذج النسائية التي نجحت في الحفاظ على الحرف والأزياء التقليدية، لما لذلك من دور في تعزيز الانتماء الوطني وصون الهوية الثقافية.
ورغم التحديات التي فرضتها المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، لا تزال المرأة اليمنية تؤدي دورا يتجاوز مسؤولياتها الأسرية، لتصبح حارسة للذاكرة الثقافية وصاحبة رسالة في نقل التراث إلى الأجيال المقبلة، فكل ثوب مطرز وكل حرفة يدوية وكل حكاية ترويها جدة لأحفادها، يمثل جزءا من تاريخ اليمن ويؤكد أن الحفاظ على الموروث الشعبي يبدأ من الأسرة وتبقى المرأة ركيزته الأولى وصانعة الجسر الذي يصل الماضي بالحاضر ويحفظ الهوية للأجيال القادمة.

قد يعجبك ايضا