إحياء عاشوراء استلهام لقيم التضحية وتجديد للارتباط بالإسلام المحمدي الأصيل
الثورة / خاص
حلّت على الأمة الإسلامية ذكرى عاشوراء، التي تمثل محطة تاريخية مفصلية في الوعي الإسلامي، وارتبطت بثورة الإمام الحسين بن علي -عليهما السلام- في مواجهة الحكم الأموي وما رافقه من انحرافات سياسية وفكرية وأخلاقية. وتحمل هذه الذكرى أبعادًا دينية وإنسانية وسياسية عميقة، إذ تجسد معاني الإصلاح والحق والثبات في مواجهة الظلم والطغيان.
وفي كل عام تستحضر الأمة الثورة الحسينية التي رفعت شعار «هيهات منا الذلة» في وجه الظلم والتحريف، لتبقى عاشوراء مشروع وعي متجددًا يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويستنهض قيم الحرية والكرامة والمسؤولية في مواجهة التحديات التي تعيشها الأمة.
وتقف الأجيال أمام هذه الذكرى لاستلهام الدروس والعبر من واحدة من أعظم المحطات التاريخية، التي تحولت إلى مأساة بفعل الخوف من السلطة الجائرة، وخذلان أولئك الذين وعدوا الإمام الحسين -عليه السلام- بالنصرة ثم تركوه وحيدًا في الميدان، إضافة إلى الدور الذي مارسته أدوات التضليل والترهيب في تشويه الحقائق وإبعاد الناس عن نصرة الحق.
وفي المقابل، شكّلت الثورة الحسينية منهجًا متكاملًا للمظلومين والأحرار في مختلف العصور، وأفشلت محاولات بني أمية طمس رسالة أهل البيت -عليهم السلام-، بفضل الدور العظيم الذي اضطلعت به السيدة زينب -عليها السلام- في حفظ القضية ونقل وقائعها للأمة، لتتحول عاشوراء إلى رمز عالمي للمقاومة والصمود، وتجسيد عملي لمقولة انتصار الدم على السيف.
وفي هذه المناسبة، أجرت الهيئة النسائية بأمانة العاصمة، عبر مركزها الإعلامي، استطلاعًا خاصًا لـ«الأسرة» مع عدد من الإعلاميات والكاتبات والناشطات الثقافيات، للوقوف على دلالات ثورة الإمام الحسين عليه السلام، ومدى ارتباط قيمها بواقع الأمة اليوم، وتأثيرها في تشكيل الوعي وتعزيز البصيرة لدى الأجيال:
البداية كانت مع الكاتبة دعاء أبو طالب: حيث بدأت حديثها متسائلة: لماذا خرج الإمام الحسين ثائرا؟ ثم أجابت: لم تكن واقعة كربلاء وليدة لحظتها، بل هي نتاج طبيعي لانحرافات تراكمية في مسيرة الأمة الإسلامية بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وأضافت أبو طالب: وقد ركز السيد عبدالملك -سلام الله عليه- على أن الانحراف بدأ بالتقاعس عن نهج النبي والإمام عليّ عليه السلام، وبلغ ذروته بتولي يزيد وبالتالي كان خروج الحسين -عليه السلام- معركة وجودية بين منطق الحق والباطل، حيث مثلت ثورته الصوت الوحيد الذي فضح وحشية الانحراف الذي أضل الأمة.
غياب الوعي
وتكمن المشكلة في تفريط الأمة وغياب الوعي، وليس في ضعف المبدأ، فالذين قاتلوا الإمام الحسين كانوا نتاجاً لإضلال طويل بدأ بتمكين معاوية وبالتالي فالوقوف وحيداً لم يكن هزيمة، بل كان إثباتاً لقوة الحق القائم بذاته رغم تخلي الأنصار، وكشفاً لخيانة من تخاذلوا وأصبحوا جنوداً للباطل.
وتابعت: أن الجبهة هنا ليست حدوداً، بل هي معيار للتمييز بين الحق والباطل في كل عصر والى أن القضية ليست عاطفية، بل تتطلب وعياً نابعاً من القرآن لمعرفة موقعك الحقيقي في صراع الحضارات اليوم.
وأكدت ابو طالب على أن أثر الحسين ليس مجرد حزن، بل ضمير تاريخي يقظ ينبّهنا ويحرّكنا وانه وكما قال السيد -سلام الله عليه-: عاشوراء درس في القيادة والثبات للشعوب المظلومة، وتمثل نموذجاً عملياً لمواجهة الاستكبار، لأنها تمنح القوة المعنوية للوقوف في وجه أعتى الطغاة مهما بلغت التحديات.
وحول أهمية إحياء عاشوراء، تقول أبو طالب: إحياء عاشوراء واجب لتجنب تكرار المأساة، وليس لمجرد البكاء ومن يلومون الإحياء هم من يريدون تجميد القضية ومنع استلهام العبر. لكن الخطر الأكبر يكمن في التفريط واللا مبالاة، فهذا ما هيأ الساحة ليزيد أولاً، وهو ما يهيئها اليوم لأمريكا وإسرائيل. فمن يقرّ الباطل صامتاً يكون أشدّ جرماً ممن قاتل الحسين جهلاً.
مأساة وثورة
بدورها الكاتبة أمل راجح تقول: تحل علينا ذكرى عاشوراء. ذكرى المأساة والثورة التي أشعلها الإمام الحسين -عليه السلام- تحت شعار “هيهات منا الذلة”، فكانت كربلاء مدرسةً للأحرار، ومنارةً تهدي الشعوب إلى طريق العزة والكرامة والحرية.
وأوضحت راجح أن الإمام الحسين -عليه السلام- خرج في ثورته لأن الأمة الإسلامية كانت تمر بمرحلة خطيرة من الانحراف، حيث تحولت الخلافة إلى ملكٍ وسلطةٍ ظالمة، وأصبح الفساد والظلم والتضليل يهدد دين الله وقيم الإسلام، وأن الإمام قد أوضح سبب خروجه بقوله: “إني لم أخرج أشِراً ولا بطِراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله.”
وأشارت راحج في سياق حديثها إلى أن الإمام الحسين لم يكن وحيداً بسبب قلة الحق، وإنما بسبب تخاذل الناس وخوفهم من بطش السلطة الأموية، حيث اشترى الطغاة الذمم ونشروا الترهيب والتضليل.
وتضيف: أن الإمام الحسين قد ترك أثراً خالداً لا يزال حياً في وجدان الأمة حتى اليوم.
مدرسة إيمانية
ولخصت راجح أهمية إحياء ذكرى عاشوراء بقولها: نحيي عاشوراء لأنها ليست مجرد حادثة تاريخية، بل مدرسة إيمانية وتربوية وأخلاقية عظيمة، نحيي عاشوراء وفاءً للإمام الحسين وأهل بيته -عليهم السلام-. ولاستلهام الدروس والعبر من ثورته، ولتعزيز الوعي والبصيرة في مواجهة الباطل، ولتربية الأجيال على العزة والكرامة، وتجديد الارتباط بقيم الإسلام المحمدي الأصيل.
مؤكدة على أن الرد على من ينتقد إحياء عاشوراء هو أن الأمم كلها تحيي ذكريات عظمائها وأحداثها التاريخية، فكيف لا نحيي ذكرى سبط رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي ضحى بنفسه وأهل بيته من أجل بقاء الإسلام؟
وعي وبصيرة
وأوضحت راجح أن عاشوراء ليست مناسبة للحزن فقط، بل مناسبة للوعي والبصيرة والثبات على الحق واننا في عاشوراء نقف بخشوعٍ وألمٍ أمام تلك الفاجعة العظيمة، ونستذكر الحسين وهو وحيدٌ في أرض كربلاء ينادي: “ألا من ناصرٍ ينصرنا؟”، لقد استشهد الحسين، لكن صوته بقي حياً في ضمير الأمة، يوقظ الأحرار جيلاً بعد جيل، ويرفع راية العزة في وجه المستكبرين.
السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين.
جراح مفتوحة
على ذات السياق تحدثت الكاتبة عفاف فيصل صالح قائلة: إنه في ذكرى عاشوراء تتجدد الأسئلة، وتتفتح في وجدان الأمة جراحٌ قديمة لا يطويها الزمن، بل يزيدها حضورًا وعمقًا، لأنها ليست حادثة تاريخية عابرة، بل مشروع وعيٍ ونهضةٍ وموقفٍ إلهيٍّ خالد.
وأوضحت صالح أن ثورة الإمام الحسين عليه السلام لم تكن اندفاعًا عاطفيًا ولا قرارًا ظرفيًا، بل كانت امتدادًا واعيًا لمسار قرآني في مواجهة الانحراف، ورفض الذل، وإحياء قيم الدين في مواجهة طغيان السلطة المنحرفة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، وقال سبحانه: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾
مشيرة إلى أن هذه الآيات تشكل الأساس القرآني لموقف الحسين -عليه السلام-؛ في رفض الركون، ورفض التبعية، والاعتماد المطلق على الله في مواجهة الطغيان.
دواعي الخروج
وتواصل صالح : خرج الإمام الحسين -عليه السلام- لأن الأمة كانت تعيش حالة انحراف خطير؛ حيث تحولت السلطة إلى ملك عضوض، وفُرغ الدين من مضمونه، وأصبح يُستخدم لتبرير الظلم بدلا من أن يكون معيارًا للعدل، وبالتالي فخروج الحسين كان امتثالًا لمبدأ قرآني واضح: ﴿أُرِيدُ أَنْ أُصْلِحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾، فكانت ثورته مشروع إصلاح شامل، يهدف إعادة الأمة إلى موقعها الطبيعي في مواجهة الانحراف الأموي الذي أراد تحويل الإسلام إلى غطاء للسلطة لا منهجًا للهداية.
وأكدت صالح أن الإمام الحسين -عليه السلام- لم يكن يبحث عن نصر عددي، بل عن موقفٍ يفضح به زيف الأمة حين تتخلى عن قيمها.
وانه وقف وحيدًا، لأن معيار الحق لم يكن في كثرة السيوف، بل في وضوح البصيرة، وانه هنا تتجلى سنة قرآنية عظيمة: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
ومضت تقول: أن وحدة الحسين لم تكن هزيمة، بل كانت قمّة الانتصار القيمي؛ لأن الموقف حين يكون لله، لا يُقاس بالعدد، بل بصدق الانتماء للحق.
وحدة الصف
ونوهت صالح بأن ثورة الإمام الحسين -عليه السلام- كشفت أن الأمة حين تتفرق، يسهل اختراقها وإخضاعها، وان الانقسام الداخلي هو الذي أتاح للطغيان أن يفرض سطوته وانه من هنا يركز الخطاب القرآني على وحدة الصف: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، وترى عفاف صالح أن كربلاء لم تكن مجرد معركة، بل كانت نتيجة تخلّي الأمة عن جبهتها الداخلية، وانقسامها بين متفرج ومتخاذل ومتواطئ، حتى تُرك الحق وحيدًا في الميدان.
وعن الأثر الذي تركه الإمام الحسين -عليه السلام- على الأمة وواقعها تؤكد قائلة: ترك الحسين -عليه السلام- أثرًا لا يُمحى؛ فقد تحولت كربلاء إلى مدرسة للحرية والوعي ورفض الظلم عبر التاريخ، فكل حركة مقاومة للظلم في الأمة تستمد جذوتها من عاشوراء، لأن الإمام الحسين لم يمت، بل تحوّل إلى رمزٍ يُعيد تشكيل الوعي الإنساني في كل زمان ودم الإمام الحسين -عليه السلام- لم يكن نهاية، بل بداية مشروع مستمر في صناعة الإنسان الحر الذي لا يقبل الذل، ولا يخضع للطغيان.
*مشروع وعي وهوية
وأردفت صالح بالقول: إننا نحيي عاشوراء، لأنها ليست ذكرى بكاء فقط، بل مشروع وعي وبناء هوية، وأنها تذكّر الأمة بمعيار الحق والباطل.
مؤكدة أننا بأحيائها تُحيي روح المقاومة في وجه الظلم ونربط الحاضر بجذور القيم القرآنية ونكشف زيف الطغيان مهما تغيّرت أشكاله.
وإزاء من ينتقد إحياء عاشوراء تقول عفاف: أما من ينتقد إحياءها، فهو في الغالب لا يدرك أنها ليست مجرد طقس، بل إعادة إحياء لضمير الأمة، واستحضار لثورة صنعت الفرق بين الإسلام الحقيقي والإسلام المزوّر فالحسين -عليه السلام- أراد أن يقول للعالم كله: “هيهات منا الذلة” كلمة لم تكن شعارًا عابرًا، بل دستور حياة للأحرار في كل زمان ومكان ولذلك فعاشوراء ليست حدثًا مضى، بل موقفًا مستمرًا، ومعركة وعيٍ لا تنتهي، وكلما تعمّقنا في فهمها كما يقدمه الخطاب القرآني لأدركنا أن الحسين -عليه السلام- لم يُهزم، بل انتصر انتصارًا أبديًا صنع للأمة معيارها بين الحق والباطل.
واختتمت حديثها بالقول: ويبقى السؤال مفتوحًا أمام كل جيل: في أي موقع سنقف؟ هل في خندق الحسين… أم في ضباب المتفرجين؟
نموذج جهادي
فيما استهلت الكاتبة زينب أحمد المهدي حديثها بالقول: تحلّ علينا ذكرى عاشوراء التي تحمل المأساة والثورة التي أشعلها الإمام الحسين -عليه السلام- تحت شعار: “هيهات منا الذلة”، فأصبحت كربلاء نموذجًا للجهاد، وطريقًا للحق، ورفضًا للخنوع والذل، والعيش بكرامة وعزة.
وتابعت المهدي كان خروج الإمام الحسين -عليه السلام- رفضًا لبيعة يزيد بن معاوية، ولإنقاذ الأمة من الانحراف والظلم. وقد لخص أهدافه بقوله: إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر.”
وأوضحت المهدي: أن الأسباب التي جعلت الإمام الحسين -عليه السلام- يقف وحيدًا أمام جيش بأكمله هي تخلي أهل الكوفة عن نصرته بسبب التهديد العسكري والسياسي من بني أمية، وعدم الالتزام بالمبدأ والرسالة والخوف والاستسلام العام لدى البعض مقابل ثبات الفئة القليلة المؤمنة التي بقيت معه.
وأشارت المهدي إلى أن ثورة الإمام الحسين تتجلى في تأسيس جبهة الحق والمبدأ في مواجهة جبهة الباطل والظلم، وانها قد برز ذلك من خلال: خلق وعي جمعي يرفض الخنوع والذل وبناء استراتيجية واضحة للمواجهة وتجسيد قيم الإصلاح والتغيير.
وأكدت المهدي: أن الإمام الحسين بن علي -عليهما السلام- ترك أثرًا عميقًا وممتدًا في تاريخ الأمة الإسلامية، حيث أصبحت ثورته في واقعة الطف بكربلاء عام 61هـ (680م) رمزًا عالميًا للحرية والكرامة والوقوف في وجه الظلم.
لهذا نحيي عاشوراء
فيما أشارت المهدي إلى أهمية إحياء ذكرى عاشوراء أضافت قائلة: إن إحياء ذكرى عاشوراء هو استذكار لمأساة استشهاد الإمام الحسين -عليه السلام- وأهل بيته، وهي مناسبة لاستلهام قيم التضحية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورفض الظلم والخنوع لأعداء الله ورسوله والإسلام والمسلمين
واختتمت المهدي بالقول: وبالتالي فإن من ينتقد أو يلوم إحياء هذه الذكرى، فإن ذلك غالبًا نابع من ضعف الوعي والبصيرة، والبعد عن فهم قيم كربلاء، ويعكس في كثير من الأحيان موقفًا غير منصف تجاه آل البيت- عليهم السلام.
