نقل الصلاحيات وعدم التعاون.. ذرائع لتقويض «أوسلو»:أي أهداف يخفيها الاحتلال الإسرائيلي بقراره الغاء «اتفاقية الخليل»؟

 

ذهاب حكومة اليمين المتطرف الإسرائيلية بمشروعها توسيع سرطان المستوطنات نحو مدينة الخليل كبرى مدن الضفة الغربية، قدم المزيد من الأدلة عن تورط سلطات الاحتلال بصورة مباشرة في مخطط تقويض الأسس التي يمكن أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية مستقبلا، وتجسدت مؤخرا بإعلان كبار مسؤوليها «الغاء «اتفاقية الخليل» بهدف فرض واقع استيطاني جديد في المدينة التي ظلت لعقود تحت الإدارة المدنية الفلسطينية.

تحليل / أبو بكر عبدالله

 

قرار حكومة الاحتلال الإسرائيلي تجريد بلدية مدينة الخليل في الضفة الغربية التابعة إداريا وقانونيا للسلطة الفلسطينية من صلاحيات الإدارة ومنح تراخيص البناء وشروعها بإجراءات لبناء 576 وحدة سكنية في المدينة أحدث زلزالا تجاوز الداخل الفلسطيني إلى الإسرائيلي، خصوصا وهو كشف النفوذ الواسع لليمين الإسرائيلي المتطرف ومساعيه الرامية إلى تقويض اتفاقيات «أوسلو» وفرض واقع على الأرض يمنع قيام الدولة الفلسطينية مستقبلا وفقا لمبدأ «حل الدولتين».

ومشروع اليمين المتطرف الذي امتد مؤخرا إلى مدينة الخليل كبرى مدن الضفة الغربية ذات الأغلبية السكانية الفلسطينية والتي تحتوي الحرم الابراهيمي، كشف عن استراتيجية إسرائيلية ابعد تجاه هذه المدينة التي ظلت لعقود خاضعة للإدارة الفلسطينية بموجب اتفاق تنفيذي خاص اُلحق في عام 1997م باتفاقيات «أوسلو» وعُرف تاريخيا بـ «اتفاق الخليل» بعد أن قسمها إلى منطقتين تخضعان للسيطرة الفلسطينية والإسرائيلية.

نذر هذا المشروع ظهرت في فبراير الماضي بعد طلب وزير المالية الإسرائيلي المتطرف سموتريتش من مجلس الوزراء السياسي والأمني الموافقة على مشروع لسحب صلاحيات التخطيط والبناء من السلطة الفلسطينية في المنطقة (H2) في إطار مشروعه المعلن لتعميق السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية والذي تكلل تاليا بإعلانه الغاء “اتفاقية الخليل” بالتزامن مع وضعه حجر الأساس لمستوطنة “دورون” في جبل الخليل فيما اعتبرته السلطة الفلسطينية تقويضا لمسار السلام واتفاقيات “أوسلو”.

ورغم محاولة حكومة الكيان التخفيف من التداعيات الدبلوماسية التي اثارتها هذه الخطوة بالقول إن القرار لم يُلغَ “اتفاقية الخليل” بشكل كامل إلا أن تصريحات رؤوس اليمين المتطرف كانت واضحة في مساعيها لنسف جوهر “اتفاق الخليل” وتوجيه ضربة قاضية لما تبقى من الاتفاقيات الانتقالية الموقعة برعاية دولية.

اتفاقية الخليل

وُقعت “اتفاقية الخليل” في 15 يناير 1997م بين منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات والحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو خلال ولايته الأولى، واعتبرت حينها اتفاقا تنفيذيا مكملا لاتفاقات “أوسلو” الثانية الموقعة عام 1995م.

حاولت الاتفاقية وضع حلول للوضع المعقد لمدينة الخليل التي تضم بؤراً استيطانية في قلبها، وقضت لذلك بتقسيم المدينة إلى منطقتين رئيسيتين الأولى منطقة (H1) وتشكل نحو 80% من مساحة المدينة بأغلبية سكانية فلسطينية ونُقلت الصلاحيات الأمنية والمدنية فيها بالكامل للسلطة الفلسطينية بما فيها التخطيط والبناء والتنظيم وإدارة المرافق المقدسة كالحرم الإبراهيمي وبعض المواقع التاريخية في المدينة.

أما المنطقة الثانية فكانت منطقة (H2) التي تشكل نحو 20% من المدينة، وبقت بموجب “اتفاقية الخليل” تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية كونها تضم بعض المستوطنات اليهودية، في حين ظلت بعض أجزائها خاضعة لإدارة السلطة الفلسطينية.

وبموجب الاتفاقية سحب الاحتلال قواته من المنطقة المصنفة H1) ) وتولت السلطة الفلسطينية مسؤولية الإدارة المدنية والأمنية في مقابل احتفاظ حكومة الكيان بالسيطرة الأمنية على أجزاء كبيرة من المنطقة المصنفة (H2).

الأهداف والحسابات

الوزير اليميني المتطرف سموتريتش الذي يتقلد أيضا منصب الوزير المسؤول عن الاستيطان في وزارة الدفاع الإسرائيلية أقدم على انتهاك الاتفاقية قبل أيام بإعلانه قرار حكومة الكيان تجريد بلدية الخليل التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية من صلاحيات التخطيط والبناء في منطقة (H2) بما في ذلك المواقع الدينية والأثرية، معلنا “الغاء اتفاقية الخليل” التي وصفها بأنها “من أكثر بنود أوسلو عبثية “.

القرار الذي نقل الصلاحيات بالكامل إلى الإدارة المدنية وهيئات التخطيط الإسرائيلية استند على ذرائع “عدم التعاون” و”التعديل الضروري” لكنه استهدف تسهيل التوسع الاستيطاني في المدينة، ومنح الضوء الأخضر لبناء وحدات استيطانية جديدة بعد أن أزال العقبات القانونية التي كانت تحول دون القيام بذلك في ظل الإدارة الفلسطينية للمنطقة.

هذه الخطوة لم تكن جديدة على سموتريتش الذي ينتمي إلى التيار الديني المتطرف المعارض لاتفاقيات “أوسلو” والذي طالما تبنى توجهات تعتبر الضفة الغربية جزءاً من “أرض إسرائيل” وتبنى مؤخرا فكرة أن نقل صلاحيات السلطة الفلسطينية هو الطريقة الملائمة لتعزيز السيطرة الإسرائيلية على مدينة الخليل وتفكيك ما تبقى من ترتيبات “أوسلو”.

طالما سعى سموتريتش إلى السيطرة الكاملة على الحرم الإبراهيمي والمواقع التاريخية، وقد نقل سابقا صلاحيات الإشراف الهندسي والتخطيطي على الحرم الإبراهيمي ومحيطه ومواقع تاريخية أخرى إلى الجانب الإسرائيلي لتقليص المساحة الفلسطينية في المدينة وفرض واقع جديد يقلل من المساحة الجغرافية اللازمة لقيام دولة فلسطينية وفق مبدأ “حل الدولتين” وبالمقابل استمرار الزحف لبسط السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية.

ومنذ 7 أكتوبر 2023 أنشأت إدارة سموتريتش ما لا يقل عن 43 بؤرة استيطانية جديدة في الضفة الغربية معظمها بؤر استيطانية زراعية، تركز على الاستيلاء على الأراضي والطرد المنهجي للفلسطينيين.

لكن خطوته الأخيرة في الخليل اثارت ردود فعل غاضبة ليس فقط على مستوى الداخل الفلسطيني بل وعلى مستوى الداخل الإسرائيلي، حيث حذرت الرئاسة الفلسطينية من خطورة هذا الإجراء ووصفته بأنه “مساس خطير بالوضع السياسي والقانوني للمدينة وتعدٍّ صارخ على القانون الدولي”، في حين اعتبرتها أوساط إسرائيلية معارضة “خطوة غير مسؤولة ومدفوعة بحسابات سياسية داخلية ستؤدي حتماً إلى تصعيد التوتر وتفجير الأوضاع الأمنية في الضفة الغربية” بالنظر إلى الحساسية الدينية والتاريخية لمدينة الخليل والحرم الإبراهيمي.

انتهاك المعاهدات والقوانين

من الناحية القانونية يمكن القول إن خطوة سلطات الكيان تجاه “اتفاقية الخليل” مثلت انتهاكا صارخاً ومباشراً للاتفاقيات الثنائية الموقعة، كما مثلت انتهاكا لأحكام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة التي ترى في خطوة سموتريتش جزءاً من سياسة “الضم الزاحف للضفة الغربية” المحظورة بموجب ميثاق الأمم المتحدة الذي يمنع الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة.

ومن جانب آخر، فقد مثل القرار الإسرائيلي تقويضا لاتفاقيات “أوسلو” التي نصت على امتناع الطرفين عن اتخاذ أي خطوات أحادية الجانب من شأنها تغيير الوضع القانوني أو الميداني للأراضي الفلسطينية قبل مفاوضات الوضع النهائي.

ومن زاوية القانون الدولي الإنساني، فإن الضفة الغربية بما فيها مدينة الخليل تخضع لأحكام القانون الدولي الإنساني بصفتها “أراضٍ محتلة”، وتحديداً اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 وأنظمة لاهاي لعام 1907.

والمادة 49 من الاتفاقية تحظر على القوة المحتلة نقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها، وهي تماما ما أفضت اليه خطوة سموتريتش التي استهدفت بشكل مباشرة توسيع سرطان المستوطنات في مدينة الخليل.

يحظر القانون الدولي على قوة الاحتلال إجراء تغييرات دائمة أو جوهرية في المنظومة القانونية والإدارية للبلد المحتل، إلا إذا كان ذلك لضرورة عسكرية قاهرة أو لمصلحة السكان الواقعين تحت الاحتلال، في حين أن الخطوة الإسرائيلية بسحب الصلاحيات من السلطة الفلسطينية لصالح المستوطنين ينتهك هذا المبدأ بشكل مباشر.

والأغلبية الساحقة من المنظمات الدولية وفي المقدمة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومحكمة العدل الدولية، تعتبر الضفة الغربية بما فيها مدينة الخليل، أرضاً محتلة، كما ترى أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية غير شرعية، وأي إجراءات تهدف إلى تغيير الوضع القانوني أو الديموغرافي للأراضي المحتلة بصورة أحادية تتعارض مع القانون الدولي.

وهذا ليس كل شيء، فهناك ملف من القرارات الأممية الصادرة عن مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة التي تدين وتُبطل مثل هذه الإجراءات، ومنها على سبيل المثال قرار مجلس الأمن رقم 2334 (2016) الذي أكد بوضوح أن الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، “ليس له أي شرعية قانونية ويشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي” ناهيك عن مطالبته إسرائيل بوقف فوري لكافة الأنشطة الاستيطانية.

يضاف اليها القرارات السابقة (338 .446 . 242 . 452 . 465) التي أكد فيها مجلس الأمن فيها عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة واعتبار سائر التدابير التي تتخذها إسرائيل لتغيير الطابع المادي أو التكوين الديموغرافي أو الهيكل الإداري في الأراضي المحتلة “باطلة وغير قانونية”.

ماذا بعد؟

في الحسابات الفلسطينية والإسرائيلية لا ينظر لمدينة الخليل بكونها مدينة عادية، فهي واقعا أكبر مدينة فلسطينية في الضفة الغربية تقريبا، وتضم الحرم الإبراهيمي، كما تحوي بؤرا استيطانية داخل النسيج العمراني الفلسطيني واي تغيير في وضعها القانوني يُنظر إليه كرسالة سياسية لتغيير وضعها القانوني بالكامل.

وخطورة القرار الإسرائيلي الأخيرة لا تكمن في مقدار المساحة الجغرافية التي يحاول التهامها سياسيا وقانونيا بل تكمن في كونه اختباراً لمدى جدية الحكومات الإسرائيلية على الوفاء بالتزاماتها ومدى تورطها في تعديل أو تجاوز الاتفاقات السابقة دون مواجهة ضغوط داخلية أو دولية تجبرها على التراجع.

وبالنظر من زاوية أعمق للقرار الإسرائيلي الأخير يكشف عن مخاطر استراتيجية كبيرة لا تكمن فقط في مساعي الكيان لقضم أراضي الضفة تدريجيا وتقليص المساحة الفلسطينية، بل في كونه قد يشكل سابقة قانونية وإدارية قد تفتح الباب امام الحكومة الإسرائيلية مستقبلاً لنقل مزيد من الصلاحيات في مناطق أخرى إلى جهات إسرائيلية بما يمكن اعتباره إجراءات متعمدة لتفكيك منظومة “أوسلو” التي حكمت العلاقة الفلسطينية – الإسرائيلية لأكثر من ثلاثة عقود.

والمؤكد أن ما حدث لمدينة الخليل مؤخرا، لم يكن حالة استثنائية معزولة، إذ أن تصريحات رؤوس اليمين المتطرف الإسرائيلي تثبت كل يوم أنه جزء من مسار متراكم للضم التدريجي للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وتوسيع الاستيطان وإضعاف السلطة الفلسطينية مالياً وسياسياً.

الدليل على ذلك أن الخطوة الإسرائيلية الأخيرة استهدفت بشكل مباشر تقويض اتفاقية تُعد من أبرز الاتفاقات التنفيذية المنبثقة عن “أوسلو” من أجل دعم توجهات الحكومات اليمينية المتطرفة التي ترفض فكرة قيام الدولة الفلسطينية وفق مبدأ حل الدولتين.

وتصريحات سموتريتش ومواقفه المعلنة خلال السنوات الماضية، تكشف بوضوح هدفين استراتيجيين لليمين المتطرف الأول: تقليص صلاحيات السلطة الفلسطينية تدريجياً بعد أن شكلت عائقا أمام المشاريع الاستيطانية في الضفة الغربية لعقود، والثاني: توسيع الإدارة الإسرائيلية المباشرة على مساحات جديدة من الضفة الغربية، بما يساعد على خلق واقع جديد يجعل العودة إلى حل الدولتين أمرا مستحيلا.

ويصعب النظر إلى خطوة سموتريتش الأخيرة بأنها قضية إدارية تتعلق بالبناء والتخطيط في الخليل، فهي واقعا تحمل رسالة بأن جزءاً مهماً من اليمين الإسرائيلي لم يعد يتعامل مع اتفاقات “أوسلو” باعتبارها إطاراً دائماً يجب الحفاظ عليه، بل باعتبارها ترتيبات مؤقتة يمكن تعديلها أو تجاوزها عندما تتعارض مع مشاريعه السياسية.

وهنا ينبغي الإشارة إلى أن الاستمرار في سياسة اليمين المتطرف بنقل الصلاحيات وتوسيع المستوطنات وتقليص دور السلطة الوطنية الفلسطينية قد يؤدي إلى أحد 3 سيناريوهات.

الأول: بقاء السلطة الفلسطينية قائمة مع فقدانها المزيد من النفوذ والصلاحيات، والثاني: فرض ترتيبات جديدة تجعل السلطة أقرب إلى إدارة محلية محدودة الصلاحيات والثالث: وهو الأكثر خطورة إحداث انهيار في المنظومة الحالية بما يقود إلى فراغ أمني وسياسي واسع في الضفة الغربية يسهل من عملية ابتلاعها.

وكل المسارات المرجحة تمثل بلا شك تهديدا لخيار الدولتين، اتفاقات “أوسلو” الموقعة في تسعينات القرن الماضي وضعت تصورا أساسيا وهو إنشاء سلطة فلسطينية انتقالية، ونقل صلاحيات متزايدة للفلسطينيين والمضي بمفاوضات الوضع النهائي بما يقود في النهاية إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة، وهو الأمر الذي تعارضه سياسات اليمين المتطرف التي تعمل على التقليص التدريجي للصلاحيات الفلسطينية وتوسيع الاستيطان وفرض واقع جديد يجعل إقامة دولة فلسطينية مستقلة في المدى المنظور أمرا مستحيلا.

قد يعجبك ايضا