وانتصرت إيران

محمد فاضل العزي

 

بين وعد الله وصخب المعركة

حين تضجُّ الأرض بأصوات المدافع، وترتفع أعمدة الدخان فوق خرائط المواجهة، يبقى المؤمنون يستحضرون الحقيقة الكبرى التي لا تتغير بتغير الأزمنة والميادين: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. فالنصر في المنظور القرآني، ليس نتاجَ قوةٍ مجردة، ولا ثمرةَ تفوقٍ ماديٍ فحسب، بل هو وعدٌ إلهي يرتبط بالإيمان والثبات والصبر والتوكل على الله.

وعندما تتكالب القوى، وتشتد المحن، ويظن الناس أن أبواب الفرج قد أُغلقت، يصدح القرآن بحقيقةٍ أخرى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. هناك تبدأ الحكاية، لا من عدد الجيوش، بل من مقدار اليقين، ولا من حجم التهديد، بل من حجم الثبات.

مقدمة.. يوم تبدّدت الأوهام وسقطت السهام

في زمنٍ اختلط فيه الضجيج بالحقيقة، وتزاحمت فيه المؤامرات على أبواب الجغرافيا والعقيدة، ظنّ كثيرون أن الحصار سيُسقط الإرادة، وأن كثرة الأعداء ستُطفئ جذوة الصمود. لكن الأيام جاءت بما لا تشتهيه غرف القرار، فإذا بالمحاصَر يثبت، وإذا بالمستهدَف يصمد، وإذا بالمشهد ينقلب من مشروع هزيمةٍ إلى مشهد مقاومة، ومن رهانٍ على السقوط إلى عنوانٍ للثبات والنهوض

لقد رسم قوى الشر أمريكا كيان الاحتلال الصهيوني أهداف لكنها فشلت في تحقيقها وتحقق لإيران أهداف في ظل المواجه فانتصرت في تحقيقها.

أولاً: حرب الحشود… حين اجتمع الخصوم وتفرّق الوهم

لم تكن مواجهةً عابرة، ولا معركةً محدودة العنوان. كانت حرباً تشابكت فيها المصالح، وتقاطعت فيها المشاريع، واجتمعت فيها قوى الضغط والإخضاع. حشودٌ سياسية، وعقوباتٌ اقتصادية، وحملاتٌ إعلامية، وتهديداتٌ عسكرية وفتاوى دينية؛ لكنها جميعاً اصطدمت بإرادةٍ رفضت الانكسار، وعقيدةٍ لم تعرف الفرار.

وفي خضم هذا المشهد تتجلى سنةٌ قرآنية خالدة: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾؛ فليست الغلبة دائماً للأكثر عدداً، بل للأكثر ثباتاً وصبراً وإرادة.

ثانياً: من ساحات النار إلى ميادين القرار

في قلب الدخان كانت تُصنع المعادلات، وفي عمق المواجهة كانت تتغيّر الحسابات. فكل ضربةٍ كانت تُولد معها معادلة، وكل تهديدٍ كان يفتح باباً للتحدي، حتى تحوّل الميدان من ساحة استنزافٍ مرسومة إلى ساحة اشتباكٍ أعادت رسم المرسوم، وبدّلت كثيراً من المفاهيم والرسوم.

ثالثاً: وحدة الساحات… إذا نادى الميدان لبّى الإخوان

لم تعد الجبهات جزرًا معزولة، ولا الساحات ميادين منفصلة. بل أصبحت قضيةً واحدة، وصوتاً واحداً، ومصيراً واحداً. فإذا ارتفع النداء في فلسطين، تجاوبت معه الساحات إيران واليمن وحزب الله والحشد الشعبي، وإذا اشتعلت جبهةٌ في لبنان تحركت معها جبهات جمهورية إيران الإسلامية واليمن، في صورةٍ جسدت تلاحم القضية والفكرة قبل تلاحم البندقية، ووحدة الهدف قبل وحدة الطريق.

رابعاً: معركة الوعي… حين انكشفت الوجوه وسقطت الأقنعة

أخطر ما في الحروب أنها لا تستهدف الأرض وحدها، بل تستهدف العقول قبل الحدود. غير أن سنوات الصراع مع قوى الاستكبار وعلى رأسها أمريكا كيان الاحتلال الصهيوني الطويلة كشفت كثيراً من الحقائق، وأسقطت كثيراً من الأقنعة، وأعادت ترتيب الأسئلة الكبرى في وجدان الشعوب الغربية والإسلامية وأحرار العالم. فمن هو العدو؟ ومن هو الحليف؟ ومن يقف مع قضايا الأمة، ومن يتاجر بآلامها؟ أسئلةٌ فرضها واقع الصراع والمواجه، وأجابت عنها وقائع الحروب العسكرية المباشرة .

خامساً: من الصمود إلى الصعود… حين تحوّل التحدي إلى فرصة

ظنّ خصوم إيران أن الضغوط ستقودها إلى التراجع، فإذا بالتحديات تتحول إلى فرص، وإذا بالحصار يتحول إلى دافع، وإذا بالمواجهة تنتج واقعاً جديداً أكثر تعقيداً وتأثيراً. وهكذا خرجت إيران، في نظر مؤيديها، محافظةً على مكانتها، ومتمسكةً بخياراتها، وقادرةً على مواصلة دورها في معادلات المنطقة بل فرضة شروطها وأخضعت خصومها وتوحد شعبها.

سادساً: الولاية والغلبة… بين الإيمان والميدان

وفي الوعي الإيماني الذي يستند إليه محور الجهاد والمقاومة، فإن الغلبة ليست مجرد تفوقٍ مادي، بل ثمرة ارتباطٍ بالله وتمسكٍ بمنهجه رسمها الله مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾.

ومن هنا يُنظر إلى الصمود والثبات بوصفهما تجسيداً لمعنى الولاية والاعتصام بالله، لا مجرد موقفٍ سياسي أو عسكري عابر.

الخاتمة: يوم يفرح المؤمنون بنصر الله

هكذا تُكتب صفحات التاريخ الكبرى؛ لا بالحسابات الباردة وحدها، بل بالإرادات الصلبة والعقائد الراسخة. وهكذا تتشكل التحولات العظيمة؛ حين يلتقي الإيمان بالصبر، والثبات بالفعل، والتضحية بالهدف.

وبين ضجيج المعارك وصمت الشهداء، وبين رهانات السقوط ومشاهد الصمود، يستحضر المؤمنون قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ﴾. فالنصر منحةٌ من الله، والصبر طريقه، والثبات مفتاحه، والتوكل زاده، وما بين الوعد الإلهي وصنع الرجال تُولد التحولات الكبرى، وتُكتب الملاحم التي تبقى شاهدةً في ذاكرة الأمم والأجيال.

وانتصرت إيران… وما النصر إلا من عند الله.

 

 

 

قد يعجبك ايضا