منذ أن وطأت أقدام الاستكبار العالمي تراب هذه الأمة، وهي تظن أن المال والبارجات والطائرات كفيلة بصناعة الخضوع، وأن لغة القوة هي اللغة الوحيدة التي تفهمها الشعوب.
فإذا بجنوب لبنان يخرج لها بدرس جديد، وإذا بجمهورية إيران الإسلامية تقف لها بالمرصاد، فتتحطم على صخرة الإيمان كل حسابات البنتاغون، وتتبخر أوهام الكيان المؤقت.
ففي جنوب لبنان يسطر أبطال المقاومة الإسلامية (حزب الله) ملحمة لا تكتبها الأقلام بل صمود الأخيار ودماء الأطهار.
في جنوب لبنان، حيث الأرض ضيقة والسماء مشحونة بصواريخ، يصنع حزب الله معادلة جديدة اسمها «الصمود الأسطوري» الذي لا يقاس بعدد الشهداء ولا بحجم الدمار، بل بمقدار الثبات حين يتراجع الجميع ويتوارى الأنذال.
وبينما راهنت قوى الاستكبار على الزمن، فإذا بالزمن يراهن على المقاومين الشجعان وحماة الديار.
وكلما ازداد الحصار، وارتفعت وتيرة الغطرسة الصهيونية، ازداد التمسك بالحق وارتفع معه سقف الرد الذي لا يعرف لغة الاستسلام.
ولم يكن هذا الصمود عسكرياً فحسب، بل هو صمود حضاري وصمود إنسان اختار أن يبقى في قريته تحت القصف، لأن البقاء كرامة والرحيل هزيمة. فصارت كل شجرة زيتون هناك شاهدة، وكل حجر في بنت جبيل رواية، وكل أم ثكلى قصيدة لا تموت.
وفي إيران الثورة والإسلام جمهورية الصبر الاستراتيجي والرد الحاسم يعاد رسم المشهد وفرض المعادلات.
على الضفة الأخرى من الخليج، وقفت الجمهورية الإسلامية في إيران كالجبل الذي لا ينحني أمام العواصف ولا ترعبه القواصف.
فقد واجهت عقوبات خانقة، وحصاراً اقتصادياً، وحروباً بالوكالة، واغتيالات، وحروباً نفسية لا تهدأ. فقاومت وظلت عصية على الانكسار وحولت كل محاولة خنق إلى فرصة لصناعة الانتصار، وكل تهديد إلى دافع اكتفاء ذاتي وازدهار.
وأمام كل عجز أمريكي لإركاع إيران تتحول من طاغية جبار إلى ثعلب مكار. وتعود حاملة ملف المفاوضات ظناً منها أنها ستحقق بالحبر ما عجزت عنه بالنار.
لكنها نسيت أن من صمد أمام أعتى الحصارات وأعنف الغارات، لا يفاوض تحت سيف التهديدات.
بيد أن إيران تفاوض وهي تقف بثبات وحزم وعزم واقتدار، لا تعرف الخضوع فهي شامخة شموخ الجبال وتتكلم من موقع القوة التي فرضها حكمة قيادتها الربانية وبأس حرسها الثوري وجيشها وصمود شعبها، لا من موقع الضعيف العاجز المنهار الباحث عن نجاة عاقبته الفشل والزوال.
لعل أبرز ملامح هذه المرحلة أن واشنطن حين تفشل في فرض إرادتها بالقوة، تلجأ إلى لغة التهديد والوعيد. وترامب بطبعه الصاخب يرفع سقف التصريحات كلما ضاقت عليه الحلول.
لكن الواقع السياسي والعسكري يقول كلمة الفصل: عندما يلجأ ترامب إلى لغة التهديد والوعيد فذلك دليل على أنه في قمة ضعفه وعجزه.
ولا شك أن من يمتلك القوة لا يحتاج إلى الصراخ، والواثق لا يلوح بالعصا كل لحظة. أما من يهدد كل يوم، فهو في الحقيقة واهم كذاب يعلن إفلاس أدواته. فالتهديد ليس موقف قوة، بل هو قناع يخفي ارتباكاً وانسداد أفق. ومن اعتاد أن يُهزم بالميدان، سيعود ليُهزم على طاولة الكلام.
وحينما تلجأ قوى الاستكبار إلى طاولة المفاوضات بعد فشل كل أدواتها، فاعلم أنها وصلت إلى لحظة الاعتراف الضمني بالعجز.
واشنطن اليوم تحاول أن تستعيد بهيبة الدبلوماسية ما فقدته بهيبة السلاح. وهيهات لها أن تحصل على تنازلات استراتيجية بعد أن فشلت في انتزاعها بالقوة.
وفي الوقت الذي يسعى الأمريكي والصهيوني للتصعيد يؤكد محور الجهاد والقدس والمقاومة في الساحات والميادين من طهران إلى صنعاء ومن بغداد إلى غزة وبيروت في لبنان وحدة الصف والموقف وتلاحم الجبهات.
فلقد أضحى المحور يدرك جيداً أن من لا يهاب الموت لا يخافه على طاولة المفاوضات ومن يملك صواريخه وخبرته وإرادته، يملك قراره وهو من يملك الخيارات ويصنع المعادلات. فلا اتفاق يُفرض، ولا شروط تُملَى، إلا بما يليق بدماء الشهداء وصبر الصامدين، مالم فالميدان كفيل بصناعة المتغيرات بإشعال الجبهات وخنق الأعداء بإغلاق المضائق والممرات.
في سجل هذا الصراع، سيكتب التاريخ أن محور الجهاد والقدس والمقاومة يمتلك كل أسباب النصر وأهمها غباء الأعداء.
فنتنياهو بعنجهيته ودمويته، وجرائمه اليومية في غزة والضفة، وبتعطشه للدم، كشف الوجه الحقيقي للكيان أمام العالم كله. أسقط ورقة التوت عن «الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط»، وحوّل قضية فلسطين من قضية سياسية إلى قضية إنسانية وضمير عالمي.
وترامب بمعتوهية قراراته وغروره، وصلفه وانسحابه من الاتفاقات وتعنته، علّم الجميع درساً لا يُنسى: أن أمريكا لا عهد لها ولا ميثاق.
فقد قدما بغبائهما للمحور خدمة مجانية لا تقدر بثمن فضلاً عن أنهما وحّدا المشتتين، وأيقظا النائمين، وزرعا في قلب كل طفل عربي صورة العدو كما هي بلا تجميل. إن ما يجري اليوم ليس مجرد جولة صراع، بل هو لحظة تاريخية فارقة ولحظة تثبت فيها الشعوب أن الإرادة أقوى من الترسانة، وأن العقيدة أرسخ من الدولار، وأن الدم حين يسكب على تراب الوطن يتحول إلى سور منيع.
فجنوب لبنان يقاوم، وإيران تغير المعادلات واليمن وبغداد يساندان بكل عزم وثبات، والقدس وغزة يترجمان معنى الصبر العملي وأمريكا والكيان يتخبطان في مستنقع الفشل والخسران المبين.
إنها سنة إلهية ماضية: «ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين» وكلما اشتدت الغطرسة، اقترب الأفول ولاح في أفق النصر الفتح الموعود والفرج.
والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
والحمد لله رب العالمين.
Next Post
