ثقافة الغدير.. عندما يكون الولاء للمنهج براءةً من الطغيان

شاهر أحمد عمير

 

لم تكن السيرة النبوية المطهرة يوماً مجرد سردٍ لتاريخ مضى، بل هي منظومة متكاملة من المنعطفات الاستراتيجية والمواقف الفكرية والعقائدية التي أسست لحصانة الأمة ورسمت لها معالم طريقها الاستقلالي. وفي ظل الأخطار الحقيقية والمنهجية التي تتربص بالأمة الإسلامية وتستهدف هويتها، برزت أحداث السيرة كأدلة قاطعة لا تقبل التأويل لإنقاذ الأمة من التيه؛ ومن أهم تلك المحطات الفاصلة ما شهده المسلمون في العام التاسع للهجرة، إبّان خروج الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إلى “غزوة تبوك”.

​في ذلك الموقف المشهود، وفي خطوة استراتيجية بالغة الدلالة، استخلف رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله، وصيّه وقائد جنده الإمام علي بن أبي طالب -عليه السلام- على المدينة المنورة؛ ليكون حامياً لثغورها، وراعياً للمستضعفين فيها، ووليَ عهدٍ لرسول الله وثقته في الأمة. وحينما أرجف المنافقون وأصحاب القلوب الضعيفة وشاعوا في المدينة مضللين بأن رسول الله إنما خلّفه استثقالاً له وتخفيفاً منه، خرج الإمام علي -عليه السلام- ممتشقاً سيفه ولحق بالنبي الأكرم مسارعاً رغبةً منه في الجهاد ومصاحبة الرسول في الميادين، فتساءل -عليه السلام- متأثراً: «أتخلفني في النساء والصبيان؟»، فجاءه الرد النبوي الحكيم الذي دحض زيف المنافقين، وتجاوز حدود اللحظة الزمنية ليصبح وثيقة تاريخية خالدة: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟ إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي».

​إن هذا الحدث المتواتر، الذي عُرف في أدبيات وكتب الأمة بـ “حديث المنزلة”، يضعنا أمام مقاربة قرآنية ونبوية واضحة؛ فنبي الله موسى -عليه السلام- حينما ذهب لميقات ربه، لم يترك قومه سدى، بل استخلف أخاه هارون ليكون وزيراً له وعضداً في حمل أعباء الرسالة. وبالمثل، أراد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم أن يبيّن للأمة أن علياً -عليه السلام- هو السند والامتداد الفكري والجهادي والقيادي للرسالة من بعده.

​ولم يكن حديث المنزلة إلا تمهيداً للبلاغ الأكبر والبيان الأتم الذي نحتفل بنوره اليوم؛ ففي الثامن عشر من ذي الحجة، في يوم “عيد الغدير الأغر”، توّج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك المسار الرسالي بإعلان الولاية الرسمية والعلنية للإمام علي -عليه السلام- أمام آلاف المسلمين في غدير خم، رافعاً بيده الطاهرة يد الوصي ليقول كلمته المدججة بالحق واليقين: «مَن كُنتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ».

​إن هذا الإعلان الإلهي لم يكن مجرد تزكية عاطفية، بل كان إرساءً لمنظومة القيادة الحكيمة، وتأميناً لمستقبل الأمة وحمايتها من التيه والانحراف. ومن هذا المنطلق، فإن الولاء للإمام -علي عليه السلام- هو تمسك بالنهج المستوي، واقتداء بالنموذج الأسمى في التضحية، والفداء، والشجاعة، وإعلاء كلمة الحق. إن مدرسة علي -عليه السلام- هي مدرسة “القرآن الناطق” التي تُعلّم الأحرار كيف يقفون في وجه الظلم، وكيف يرفضون الخنوع لقوى الاستكبار العالمي.

​وفي واقعنا المعاصر، يتجلى هذا الولاء في أبهى صوره من خلال اتخاذ المواقف المبدئية الصارمة ضد الطغيان والغطرسة الدولية المتمثلة في السياسات الأمريكية والصهيونية التي تعيث في الأرض فساداً وتستهدف مقدرات الأمة ومقدساتها. إن إعلان البراءة من أعداء الأمة، ولعن بني إسرائيل الغاصبين، ورفض التبعية للهيمنة الخارجية، هو الترجمة العملية الحقيقية لثقافة “لبَّيك يا علي”؛ لأن علياً لم يكن يوماً مهادناً لباطل، أو مساوماً على حق.

​إن العودة إلى ينابيع الغدير الصافية، والتمسك بمقام الولاية والرموز الحقيقيين للأمة، وتولي أعلام الهدى والتقى من آل البيت -عليهم السلام-، والسير اليوم تحت لواء وعلم عصرنا ومرشد مسيرتنا قائد الثورة السيد عبدالملك بن بدر الدين الحوثي -حفظه الله-، هما السبيل الوحيد والضمانة الإيمانية لخروج الأمة من حالة الضعف، والوصول بها إلى بر الأمان والحرية والعزة والسيادة الاستقلالية الكاملة، متباركين بهذا اليوم العظيم، وثبتنا الله وإياكم على ولاية أمير المؤمنين

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا