من غدير الولاية إلى معركة التحرير..وحدة الأُمَّــة في مواجهة المشروع الصهيوني
القاضي حسين محمد المهدي
{قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُـلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}،…، {لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أولياء مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّـهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإلى اللَّـهِ الْمَصِيرُ}.
لقد اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يكون القرآن ضياءً وشفاءً لأرواح المؤمنين وعواطفهم، وأن يمتلكَ نفوسَهم وقلوبَهم، فتنقاد إليه أفئدة الذين يؤمنون به، وجوارحهم تتوق إلى العمل به، فقد امتنَّ الرحمن عليهم بنعمٍ عظيمة وخيراتٍ عميمة، وأخبرهم أنه سبحانه وتعالى مالك الملك ومعطيه؛ كي لا يطغى الإنسان في سلطانه، ويظلم الناس بقهره وعنفوانه، فإن الذي أعطاه قادرٌ على أن يسلبه، فما أعطى اللهُ الإنسانَ من نعمةٍ إلا ليشكُرَها، وما أغدق عليه من ملكٍ إلا ليبتليه: {تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُـلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}.
فإذا طغى الإنسان في دولته ومملكته وأقامها على البغي والعدوان؛ فإنه يكون في طريقه إلى الهلاك والخسران.
وهذه الصهيونية اليهودية حينما ظهر سلطانها في أمريكا والغرب استعلت على الخلق، فقتلت الأبرياء في فلسطين فأذاقتهم سوءَ العذاب، وحاصرت لبنانَ وتعدت على العراق وإيران، وحاصرت يمن الإيمان والحكمة على مرأى ومسمع من الساسة العرب والمسلمين، فما يقع في غزة يندى له الجبين:
ألا أيها العرب استفيقوا فغزة تستغيثُ بكم دواما
فصهيون تحلِّق في سماها بطيران ويمطرهم غماما
وغزة يصرخ الأطفال فيها بدور أصبحت فيها ركاما
على أشلائهم نبتت أمانٍ يصيغ من الدم القاني وساما
ترى الطفل الرضيع بلا مهادٍ يلقّن في أساه وكالفطاما
وأم غادرت دنيا بنيها كما يمضي الحمام إذَا استضاما
وقادة العرب باؤوا بصمت إذَا نادى الصريخ نأوا نياما
أرادوا الحفظ للكرسي ذخراً فساموا مجد أمتّنا انهزاما
إذا صاح العدوّ به أطاعوا وخروا عند سطوته نعاما
ترى فأين عزة الإسلام؟ وأين الملوك والأمراء والرؤساء وولاة الأمر مما يجري في غزةَ ولبنان والعراق وإيران ويمن الإيمان والحكمة؟
لماذا تركوا واجب الحفاظ على بيضة الإسلام، وأصبحوا متفرقين مختلفين فيما بينهم، وكأن الأحقاد تأكلهم، والعداوات والإحن تنهشهم؟ يتزلفون لأعداء أمتهم، وقد أراد الله أن يكون المؤمنون أعزةً في أنفسهم، أذلةً على إخوتهم، فلم يكن ذلهم قبل إخوتهم المؤمنين ضعفًا وإنما كان تواضعًا لله، فهم أعزةٌ على الكافرين.
فمن علامات توفيق ولاة الأمر حُبُّهم لإخوانهم، وغَيرتُهم على دينهم، يتسربلون بالعزة والكبرياء حيال الكافرين والمنافقين: {ذلِكَ فَضْلُ اللَّـهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ}.
إن ضعفَ الإيمان سببٌ رئيسٌ في عدم التحلِّي بالأمانة والغيرة على إخوانهم المؤمنين.
ولهذا كان نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم، حينما بعثه الله، أمينًا على قومه، أمينًا في أداء رسالة ربه، قويًّا في قول كلمة الحق، محذرًا للأُمَّـة إعطاء الملك وولاية الأمر واستعمال الرجال إلا في أهل الكفاءة والأمانة.
وجاء في الحديث: “من استعملْ رجلًا في عِصابة وفي تلك العصابة مَن هو أرضى لله منه فقد خان اللهَ وخان رسولَه وخان المسلمين”.
وجاء في حديث آخر: “من ولي من أمر المسلمين شيئًا فأمر عليهم أحدًا محاباةً فعليه لعنة الله”.
وجاء في الذكر الحكيم: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}.
وحينما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم البيانَ لمن تتوافر فيه القوةُ والأمانةُ والعزة على الكافرين بعد أن أمره اللهُ ببلاغ وبيان ذلك في قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}؛ فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جمع الناس في غدير خم وأخذ بيد الإمام علي عليه السلام في يوم ١٨ من ذي الحجّـة فقال: “من كنتُ وليُّه فهذا وليُّه”، وفي لفظ: “من كنت مولاه فعليٌّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه”، فهو القوي الأمين.
والولاية في المفهوم الإسلامي هي منهجٌ ربانيٌّ في اختيار القيادة المؤمنة الشجاعة القادرة على حماية الأُمَّــة والدفاع عن المستضعفين وصيانة عزتها واستقلالها.
فالقيادة التي أرادها الله ورسوله هي القيادة التي تجمع بين الإيمان والأمانة والقوة والبصيرة، وتحمل هَـمَّ الأُمَّــة، وتقف في وجه الظالمين والمستكبرين، وتسعى إلى إقامة العدل ونصرة المظلومين.
والمسلمون اليوم أحوج ما يكونون إلى المحبةِ والتآخي وإظهار حُبِّ الله ورسوله، وامتثال ما أمر به في حسن اختيار ولي الأمر، والعمل على إنقاذ شعب فلسطين الذي يشاهد العالم ما يمارسه كيانُ الاحتلال الغاصب فيه.
وندعو العالم الإسلامي إلى الجِد والاجتهاد وإعلان الجهاد؛ مِن أجلِ رفع الظلم عن المستضعفين في هذا الشعب الأبي المسلم، فلعل توحد المسلمين في يوم الغدير، في يوم الولاية، ينجلي به شيءٌ من الظلم:
ألا يا ليلُ كم تمضي طويلاً سيعقب دجنك الفجرُ ابتساما
ويأتي نصرنا الموعود يومًا نعود به إلى العليا كراما
نطهّر أرضنا من كُـلّ رجسٍ ونجلو عن أراضينا الظلاما
فقم يا نسل هامات المعالي وقُدَّ للحق جحفلنا الكراما
لقد عُرف الإمام علي عليه السلام بتقواه، وقوته، وحزمه، وحلمه، ودقيق فهمه؛ ولهذا كان له من الولاية نصيب.
وما أحوجَ الأُمَّــة اليوم، التي أراد لها الله ورسوله أن تكون أُمَّـة عظيمة، أن تجعل الإمام علي عليه السلام -الذي تتوافر فيه الصفات الحميدة، وتتمثل فيه تلك الأخلاق النبيلة- قُدوة، فاختيار النبي له يكون للأُمَّـة أسوة:
هاتِ يا فكرُ من بحورِكَ دُرًّا * صُغْ مديحًا يَلُوحُ في الأفقِ حيَّا
باسمِ نَفْسِ الرسولِ صِنْوِ المعالي * مَنْ تَقَدَّى هُدَى النبيِّ الزكيَّا
صاحبِ الحوضِ واللِّوا يومَ حَشْرٍ * مَنْ سَقَى الجيشَ في الفَلاةِ رَويَّا
أَسَدُ اللهِ في الكريهةِ مِقْدامٌ * إنْ دَعَاهُ النِّزالُ شَعَّ سَنِيَّا
حَطَّمَ الشِّرْكَ بالفقارِ ونَادَى: * لا فَتَى في الوَرَى يُقاسُ عَلِيَّا
يا حُروفَ البَيانِ طِيري ثَناءً * وانثُري المِسْكَ في البَرِيَّةِ رَيَّا
إنَّني قَدْ شَدَوْتُ بِاسْمِ إِمامٍ * طابَ ذِكْرًا، وعاشَ حُرًّا أبيا
أنتَ أَلْهَمْتَنِي المَدِيحَ فَعَفْوًا * إنْ قَصُرْتُ، وكانَ لَفْظِي حَفِيَّا
فاجْعَلِ الحَقَّ في لِساني نُورًا * وقِنِي المَوْتَ يَا إِلَهِيَ شَقِيَّا
فاجعلِ اللهمَّ حبَّ عليٍّ في فؤادي ما عشتُ حبًّا قويّا
لقد حان الوقت لتوحيد المسلمين وحسن اختيار ولاة الأمر؛ مِن أجلِ تحرير فلسطين بقيادة قائد المسيرة القرآنية وزعماء محور المقاومة الذين يبذلون الغالي والرخيص؛ مِن أجلِ إعلاء كلمة الله وتحرير فلسطين، تأسيًا برسول الله وبالإمام علي الذي رفع راية الإسلام عاليةً خفاقةً بعد رسول الله، وجاهد في الله حتى أتاه اليقين.
إنَّ استنهاض الأُمَّــة لا يتوقف عند حدود التنظير والبيان، وإنما يتطلب اليوم الانتقال الفوري إلى مربع الفعل الميداني والسياسي؛ وذلك عبر توحيد الجهود، وتنسيق المواقف، وتفعيل مقاطعة قوى الاستكبار، ودعم قوى المقاومة بكل الوسائل المتاحة.
إنَّ تضحيات شعبنا في فلسطين ولبنان واليمن وإيران هي نداءٌ لكل حرٍّ وشريفٍ في هذه الأُمَّــة ليتحمل مسؤوليته التاريخية في إسقاط مشاريع الهيمنة.
فالتاريخ لا يكتبه المنتظِرون، وإنما تصنعه إرادَة الأحرار الذين يقرنون القول بالعمل، ويستلهمون من مدرسة عليٍّ (عليه السلام) ثقافة الثبات وعزة الموقف، حتى يُرفَع الظلم وتتحرّر الأرض، وتستعيدَ الأُمَّــةُ مكانتَها الرائدة بين الأمم: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.
* عضو رابطة علماء اليمن
