في كل عام -حين يحل علينا يوم الغدير- أجدني لا أتعامل معه كذكرى عابرة تطوى بصفحة التقويم، أشعر وكأن ثمة شيئاً في أعماقي يستيقظ، كجذوة خامدة يهب عليها النسيم فتلتهب من جديد.
إنها لحظة لا تشبه لحظات التاريخ الأخرى تمتد من واقعة حدثت ولم تنته بذرة زُرعت في ضمير الزمن، وما زالت أغصانها تمتد حتى يومنا هذا تطال تفاصيل حياتنا التي نظنها بعيدة عنها.
حين أقف عند ذلك المشهد المهيب، مشهد حجة الوداع وتلك الصحراء الممتدة تحت شمس لافحة، وقد جمع النبي تلك الجموع، لا أراه خطاباً عابراً ولا إعلاناً عادياً، أراه تتويجاً لمسيرة بأكملها، وإعلاناً أن الرسالة لا تكتمل إلا بامتدادها، وأن الأمانة لا تُسلّم إلا لأمين.
وأنا أتأمل هذا المشهد أيقنت أن القضية ليست قضية شخص إنما منهاج قائم بدأ من “من كنت مولاه فهذا علي مولاه”… فتجاوز الزمان والمكان، واختزل صراع الحق والباطل في جملة واحدة، ووضع أمام كل إنسان السؤال الأبدي: أين تقف؟ ومن تتولى؟
في عمق الوعي الذي يتكرس وينضج، لم تكن الولاية مجرد انتماء عاطفي أو موروث ثقافي بل كانت أشبه ببوصلة داخلية توجه خطواتي كلما تشعبت بي السبل، فقد تعلمت أن الولاية موقف يُتخذ، وعزم حاضر، لا قصة تروى ولا دموع تذرف، وما يدهشني حقاً- وأنا أراقب ما حولي كيف تحولت هذه الفكرة من كلمات تُتلى في المحاريب- إلى معادلة سياسية وعسكرية واجتماعية مذهلة، كيف تحولت من مفهوم في كتب العقائد، إلى سيادة تُبنى على الأرض؟!!.
أن يكون لك في الحاضر موقف ونهج وسلوك من لون موقف ونهج وسلوك “علي”، أن تواجه الظلم، أن تقول كلمة الحق، أن تقف في الصف الصحيح حتى لو وقف الناس كلهم في الصف الآخر، رأيت بأم عيني كيف ينهض أناس آمنوا بهذه الفكرة، لا ليحكموا، بل ليتحملوا مسؤولية، كيف تحول الشعار إلى طائرة تحلق في سماء معادية، وكيف صار المبدأ مصنعاً، والموقف ردعاً، والانتماء قوة لا تهتز أمام أعتى عواصف العالم، كيف تحوّل هذا الولاء إلى أثر؟ كيف يصبح الامتداد العملي لذلك النهج العلوي في العدل والشجاعة والحزم مفتاحا من مفاتيح النصر.
أدركت أن الولاء الحقيقي لا ينام على وسادة الذكريات، بل يخرج إلى الشارع، إلى الميدان، إلى اتخاذ القرار الصعب في اللحظة الفارقة، أن تكون جاهزا لتقديم أثمن التضحيات في مضمار القضية والمنهج.
ولعل أبلغ تجليات هذه الفكرة، أنها تجعلك ترى الأحداث بخريطة مختلفة تماماً، حين تنظر إلى العالم، فلا ترى إلا معسكرين: معسكر الكرامة ومعسكر الهوان، لم تعد القضايا مبعثرة، بل صارت متصلة.
فلسطين ليست قضية بعيدة، بل هي امتداد للتفريط بوصية الغدير نفسها، والهيمنة الأمريكية ليست مجرد سياسة طارئة، بل هي الوجه المعاصر لذلك الرفض القديم لمنطق السيادة والاستقلال، وحين تستوعب هذا، تعرف فوراً أين تقف من كل ما يجري، وتتحرر من بلبلة المواقف التي يعيشها من لا بوصلة لهم.
كل عام -في مثل هذا اليوم- أعود إلى نفسي فأجدد العهد من موقع المواطن البسيط جدا الذي انا عليه، بلا نزوات المصلحة ورغبات المنفعة، ولستُ أجدد البيعة في طقوسٍ جوفاء، بل في إطار مراجعة وجودية شاملة، أسأل نفسي: هل ما زلتُ على ذلك العهد؟ هل لا يزال عليٌ هو المعيار الذي أزن به الأشياء؟ وهل ما زالت بوصلة الغدير تشير إلى الاتجاه الصحيح في حياتي؟!.
أشعر أن الولاية نعمة لا تُقدّر بثمن، لأنها تمنحك إطاراً واضحاً للوجود، وهدفاً أسمى لا تأكله السنون، وتمنحك أملاً قد يكون غريباً لدى الكثير لكنه عميق التأثير في اعماق النفس، بأن الغد، رغم كل هذا الخراب، سيكون بأذن الله وبحكمة ومفاعيل هذا النهج … أجمل.
