في فضاءٍ يشهد فيه ميدانُ الصراع حالةً من الصمت المشحون بالتوتر بين إيران وبعض أطراف جبهة المقاومة من جهة، وأمريكا بوصفها دولةً معادية من جهة أُخرى، يواجه الاقتصاد العالمي حالةً من حبس الأنفاس.
صمتٌ ألقى بظلاله على العلاقات الدولية وتكتلات الدول المستقبلية، ودفع المشهد العالمي إلى حالة من عدم اليقين.
وفي مثل هذه الظروف، تبدو حركةُ الاقتصاد لدى العديد من الدول أشبهَ بحركة بهلوانٍ يسيرُ على حَبْلٍ مشدود.
وقد أَدَّى عدمُ الاستقرار الناتج عن التوترات الجيوسياسية إلى جعل الترابُطِ بين الدول هَشًّا للغاية.
فأيَّةُ زلّة أَو قدر من عدم اليقين في هذا التوازن الدقيق قد يؤدِّي إلى انهيارٍ مفاجئٍ وعواقبَ وخيمةٍ على الاقتصاد العالمي.
وقد وضعت هذه الحالة الدول في موقعٍ بالغ الخطورة، حَيثُ أصبح بقاؤها وتقدمها أكثر من أي وقت مضى مرهوناً بإدارة دقيقة للمخاطر، واستشراف التحولات المستقبلية، والتحَرّك نحو إصلاح وتعزيز علاقاتها مع إيران بوصفها القوة الأولى في غرب آسيا.
يُعدّ مضيق هرمز -بوصفه ممرّ عبور جزء كبير من النفط والغاز العالمي- شريانًا حيويًّا لطاقة العالم.
ومع سعي إيران إلى تعزيز وترسيخ إدارتها لهذا المضيق الاستراتيجي، فإنها تتموضع عمليًّا في موقعٍ يتيحُ لها التأثيرَ في تدفق الطاقة وتوازن الأسواق العالمية.
وهذه الخاصيةُ تجعلُ من هرمز قوةً اقتصاديةً وسياسية، تعزز القدرة التفاوضية والنفوذ الإقليمي، وترفع الوزن الاستراتيجي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في المعادلات الدولية.
وفي الجهة الأُخرى، يُعدّ مضيق باب المندب حلقةَ وصل استراتيجية بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وُصُـولًا إلى قناة السويس والبحر الأبيض المتوسط، وهو ممرّ تمر عبره سلعٌ بمليارات الدولارات.
إن السيطرة على هذا المضيق تمنحُ الحكومةُ اليمنيةُ الثوريةُ القدرةَ على لعب دور محوري في حركة التجارة بين شرق آسيا وإفريقيا وأُورُوبا، وهو دورٌ جرى اختباره خلال مرحلة دعم الشعب في غزة وأُدير بصورة جيدة.
كما أن أمن هذا الممر يؤثّر بشكل مباشر على استقرار النقل البحري العالمي، ويمنح صنعاء نفوذًا مستدامًا في القرارات الاقتصادية والبحرية الدولية.
وفي كلتا الحالتين تتحول الجغرافيا إلى مصدر قوة.
فالسيطرة على هذين الممرين تمنح إيران واليمن قدرة على التفكير بما يتجاوز حدودَهما الجغرافية، وصياغة سياسات اقتصادية أكثر فاعلية، وأداء دور أكبر في تشكيل ممرات الطاقة والترانزيت العالمي.
وهذه القوة هي ثمرة المقاومة والإصرار على المواقف والقدرة على إدارة الجغرافيا الاستراتيجية.
وفي الواقع، فإن التشابُهَ الجوهريَّ بين مضيق هرمز وباب المندب، يتمثل في كونهما ـ رَغم البُعد الجغرافي ـ يشكِّلان جناحَينِ متكاملَينِ يمنحان وزنًا أكبر في السياسة والاقتصاد الإقليمي.
فإيران واليمن عبر موقعهما على هذه الممرات يتحولان إلى فاعلين مؤثرين في إعادة رسم توازن القوى في الممرات المائية الدولية.
ومع تطور هذا المسار، يصبح التحكم فيهما بمثابة امتلاك مفتاح تدفق السلع والطاقة عالميًّا، وهو مفتاح تتجاوز قيمته الموارد الطبيعية ليكمن في جوهر القوة الجغرافية نفسها.
وفي هذا السياق، ومع ما يُفترض من تثبيت إيران لسيطرتها على مضيق هرمز ضمن إطار القانون الدولي البحري ومبادئ السيادة، يتعزّز تدريجيًّا الاعتراف بدورها في إدارة هذا الممر الحيوي.
ومن دون شك، تنتظر اليمن ـ انطلاقا من صبرٍ استراتيجي ـ تثبيت موقع إيران في هرمز واجتياز مرحلة “لا حرب ولا سلم”، لكي تبدأ، بدعمٍ من إيران، تفعيل نموذج مشابه في باب المندب.
ومن شأن هذا التنسيق أن يسهم في بناء نموذج أكثر استقرارًا في مسارات العبور، ورفع القدرات السياسية والاقتصادية، وتعزيز خطاب محور المقاومة في المنطقة، بما ينعكسُ على مكانة إيران واليمن الجيوسياسية وقدرتهما التفاوضية في الساحة الدولية.
ويُظهر هذا المسار أن قوة الدول لا تستند فقط إلى الموارد الطبيعية أَو الاقتصادية أَو العسكرية، بل أَيْـضًا إلى قدرتها على إدارة الممرات البحرية الاستراتيجية.
ولذلك، تتحوَّلُ مثل هذه المضائق إلى نماذج تعكس الدور المتنامي لإيران واليمن في إعادة تشكيل نظام النقل البحري في المنطقة.
وعندما تتمكّن إيران واليمن من بناء نموذج من التنسيق المشترك قائم على مسار المقاومة والعزة، فإنهما يكونان بصدد إعادة رسم خريطة القوة في الإقليم.
تمكينٌ يفتحُ المجالَ أمام إعادة توازُنِ القوى الإقليمية وإضعاف موقع أمريكا وحلفائها، وتعزيز النمو الاقتصادي.
وهكذا تصبح الممراتُ الاستراتيجية مراكز تحدِّدُ مستقبلَ القوى التقليدية وصعود القوى الجديدة.
ومن المؤكّـد أن إيران وأنصار الله سيواصلان تعزيزَ تعاونهما والاستفادة من هذه الموارد الجغرافية الحيوية، ليشكّلا معًا فاعلَين رئيسيين في مشهد الجغرافيا السياسية المستقبلية.
إن مضيقَ باب المندب، الذي عُرف تاريخيًّا باسم “باب الدموع” لصعوبته، قد يتحول ـ وفق هذا التصور ـ إلى “باب الفتح” مع تزايد دور اليمن الحر والعزيز، بما قد ينعكس على حركة الاقتصاد العالمي.
* خبير في الشؤون السياسية، صحفي وناشط إعلامي
