الثورة /وكالات
ستُؤدي العمليات البرية المتواصلة لجيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوبي لبنان حتماً، إلى واقع أكثر تعقيدًا وتكلفةً مما يبدو في بداية أي حملة عسكرية. فالتاريخ العسكري مليء بالأحداث التي تبيّن أن احتلال أراضي دولة ما عادةً ما يكون المرحلة الأسهل نسبيًا، بينما يبدأ التحدي الحقيقي عندما يُطلب من القوة المهاجمة البقاء في المنطقة، والسيطرة عليها، ومواجهة المقاومة المستمرة، وتحمّل التكاليف المتراكمة لحرب استنزاف، مثلما ما حصل مع نابليون بونابرت في روسيا (عام 1812م)، وما حصل مع النازيين في روسيا خلال الحرب العالمية الثانية (عام 1941م) ومع الأمريكيين في حرب فيتنام (من العام 1955م حتى العام 1975م).
وفي هذا السياق، فإن توسيع وتعميق العمليات البرية ضد المقاومة الإسلامية في لبنان – حزب الله سيُغرق الجيش الإسرائيلي في مستنقع من الخسائر البشرية والمادية، والتي ستتفاقم مع استمرار القتال. فحزب الله انطلاقاً من تجاربه وخبراته العسكرية التي اكتسبها منذ ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، مرورًا بحرب يوليو عام 2006م، وصولًا إلى جولات القتال الأخيرة خلال معركة أولي البأس عام 2024م، والمعركة الحالية “العصف المأكول”، كل هذا يؤكّد أن التوغل الإسرائيلي البري العميق والمطول في لبنان سيتحول إلى “مستنقع”، خاصةً مع غياب هدف استراتيجي واضح للكيان المؤقت من هذه التوغلات.
ويُعدّ الفخ الجغرافي والطبوغرافي لجنوبي لبنان، هو العامل الأول الذي يحوّل أي عملية برية مطولة في لبنان إلى تهديد مستمر بالتآكل واستنزاف القدرات العسكرية الإسرائيلية. فالجنوب يتميز بتضاريس جبلية معقدة، وأودية عميقة، وغطاء نباتي كثيف، ومحميات طبيعية، وصخور كثيرة. وتُوفر هذه التضاريس ميزة واضحة ومتأصلة للمقاومين، وتُحيّد جزءًا كبيرًا من المزايا التكنولوجية للجيش الإسرائيلي الحديث، وخاصةً سلاح الجو. وفي مثل هذه التضاريس، تقتصر قدرة الجيش الإسرائيلي على تحريك قوات مدرعة (دبابات وناقلات جند مدرعة) على طرق ضيقة، سرعان ما أثبتت الأيام الأخيرة أنها تحوّلت إلى كمائن نارية عبر سلاح الحلّقات الإنقضاضية. أما إذا تجرأ الاحتلال بسلوك المسارات الواسعة، فسيجعل آلياته عرضةً لكمائن العبوات الناسفة والصواريخ المضادة للدروع الموجّهة. وعليه، فإن التضاريس نفسها تعدّ سلاحاً فعالاً في يد حزب الله، والنتيجة المباشرة هي زيادة حتمية في عدد الإصابات بين عناصر الجيش الإسرائيلي يوميًا في الميدان.
أمّا العنصر المكمّل للجغرافيا، فهو تكتيكات حزب الله اللا تماثلية والهجينة. فالحزب لا يعمل كجيش تقليدي يُحافظ على خطوط دفاعية صارمة؛ بل يعتمد على الدفاع المرن، بحيث يتم تجنب المواجهة المباشرة – مع أن هناك الكثير من الحالات التي تميّزت بحالات الدفاع والهجوم الاستشهادية للمقاومين -، واللجوء بدلاً من ذلك إلى حرب استنزاف يومية. ويستخدم المقاومون على نطاق واسع صواريخ متطورة مضادة للدبابات (مثل كورنيت والطرازات الأحدث) ذات مدى بعيد ودقة عالية. إضافةً إلى ذلك، تنتشر في المنطقة عبوات ناسفة قوية مزروعة على الطرق، ويتزايد استخدام المحلّقات الانقضاضية المسيّرة والطائرات المسيّرة التكتيكية التي تهاجم نقاط تجمع ومواقع الجيش الإسرائيلي، وتُعدّ عمليات المحلقات الانقضاضية على القوات المتمركزة أو ناقلات الجنود المدرعة من بين الأسباب الرئيسية للخسائر الإسرائيلية الحالية في لبنان. ومع استمرار القتال البري، تتحول القوات من “صيادة” إلى “مُطارَدة”.
وفي جانب متّصل، فإن للجانب المادي للعملية البرية أهمية كبيرة. فالحرب البرية المطولة تستهلك كميات هائلة من الذخيرة والوقود وقطع الغيار والمعدات الهندسية. وتتضرر المركبات المدرعة، وتتآكل الأنظمة، وترتفع تكاليف الصيانة بشكل كبير. وحتى لو بدا الضرر الذي يلحق بكل نظام على حدة محدوداً، فإن التكلفة الاقتصادية التراكمية هائلة. وعندما تستمر الحملة لأسابيع أو شهور، تصبح التكلفة الاقتصادية عاملاً بالغ الأهمية بحد ذاتها.
ومن جهة أخرى، فإن حالة الاستنزاف مع مرور الوقت، ستُسفر عن تدفق مستمر من القتلى والجرحى في صفوف جيش الاحتلال. وبعكس العمليات العسكري القصيرة، التي يكون فيها المجتمع الاستيطاني مستعدًا لتحمل الخسائر من أجل تحقيق هدف فوري، فإن القتال المطول دون خط نهاية واضح، والصور اليومية للجنازات والمستشفيات المكتظة بالجرحى سيُخلف أثرًا نفسيًا بالغًا. ولن يتوقف التآكل المعنوي عند الجبهة الداخلية الإسرائيلية، بل سيتغلغل أيضًا في قوات الاحتياط، التي تتولى الجهود الأكبر في الميدان، لكنها تشكّل العنصر الأساسي في عجلة الاقتصاد للكيان. وعندها كلما طال أمد القتال، ستزيد من التساؤل لدى الرأي العام في كيان الاحتلال الإسرائيلي عن أهداف العملية، والثمن الباهظ الذي تدفعه، والمدة الزمنية اللازمة لتحقيق النتائج المرجوة.
حزب الله أعدّ المستنقع لإسرائيل
أمّا من جانب حزب الله، فيمكن القول إنه كان يستعد لهذا السيناريو تحديدًا – وربما للأسوأ منه – منذ سنوات. فقد استثمر في بناء قدرات تهدف إلى إبطاء تقدم القوات، وزيادة الخسائر البشرية والمادية، وإطالة أمد القتال. فكل يوم إضافي من الصراع سيُسهم في إضعاف الخصم. ولذلك، حتى لو حقق الجيش الإسرائيلي بعض الإنجازات التكتيكية على الأرض، فهذا لا يعني تحقيق نتائج استراتيجية، بل تعميق مستنقع الخسائر. وفي مثل هذه الحالة، لا يتشكل هذا “المستنقع” في يوم واحد، بل يتطور تدريجياً – خطوة بخطوة، ومعركة تلو الأخرى – حتى يصبح التحدي الرئيسي للعملية البرية بأكملها.
وستُؤدي العمليات البرية المتواصلة لجيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوبي لبنان حتماً، إلى واقع أكثر تعقيدًا وتكلفةً مما يبدو في بداية أي حملة عسكرية. فالتاريخ العسكري مليء بالأحداث التي تبيّن أن احتلال أراضي دولة ما عادةً ما يكون المرحلة الأسهل نسبيًا، بينما يبدأ التحدي الحقيقي عندما يُطلب من القوة المهاجمة البقاء في المنطقة، والسيطرة عليها، ومواجهة المقاومة المستمرة، وتحمّل التكاليف المتراكمة لحرب استنزاف، مثلما ما حصل مع نابليون بونابرت في روسيا (عام 1812م)، وما حصل مع النازيين في روسيا خلال الحرب العالمية الثانية (عام 1941م) ومع الأمريكيين في حرب فيتنام (من العام 1955 حتى العام 1975م).
