النظام العالمي الجديد وأزمة المخاض

د. عبدو اللقيس

 

بعد مؤتمر يالطا الذي عُقد في فبراير من العام ١٩٤٥م، انبثق عنه ما عُرف بتقاسم النفوذ وتأسيس المنظمات الدولية التي من المفترض أن ترعى السلام العالمي. لكن الصراع انتقل من مرحلة الصدام العسكري المباشر إلى أشكال أخرى من الاحتراب، وقد اتخذت أشكالاً كثيرة ومتعددة كادت أن تصل في بعض مراحلها إلى الصدام المباشر بين القطبين كما حدث أثناء الأزمة الكوبية.

وكانت الأوضاع مستقرة في العالم بنسبة كبيرة لصالح الحركة الصهيونية والماسونية العالمية، والتي هي بدورها وقعت في صدامات داخلية أسفرت عن فوز الجهة التي كانت تؤيد إقامة البنوك الدولية، وأقصد عائلة روتشيلد، والتي حسب بعض التقارير كان لها يد في القضاء على الطرف الآخر المنافس لها عبر صناعة أكذوبة اصطدام التيتانيك بجبل جليدي وغرق أكثر من كان على متنها من كبار رجال الأعمال المناوئين لفكرة البنك الدولي الذي تأسس بعد تلك الحادثة.

ومن أهم أهدافه هو السطو بكافة الوسائل المتاحة على ثروات العالم عبر أساليب لا حصر لها، والتي تؤدي إلى إفقار الدول والشعوب لإيقاعها في فخ الاستدانة من البنك الدولي، وهنا تقع الكارثة الكبرى التي لا تنتهي أبداً، وذلك عبر وضع قوانين وأساليب مختلفة وفرض رسوم وضرائب لا حصر لها بحجة ضمان تسديد الدين العام، مما يؤدي إلى وضع البلد برمته تحت وصاية البنك الدولي، ومن ثم بدء رحلة الموت البطيء لمستقبل الدولة والشعب.

إلى أن جاء العام ١٩٧٩م حيث خرج ذلك المارد من قمقمه، أي الإمام الخميني قدس سره، وأخرج معه قوة جبارة هزت أركان النظام العالمي القائم وجعلته يبدأ رحلة فقدان التوازن والسيطرة على العالم، حيث وجه ضربة وصدمة كبرى لكل المشاريع التي بُنيت في أعقاب مؤتمر كامبل بنرمان، والذي بدأت إرهاصاته والتحضيرات له في عام ١٩٠٥م، وتُوجت بالعام ١٩٠٧م، وقد تلاها الحرب. الأولى ثم وعد بلفور ١٩١٧م وما أعقبه من إنهاء للدولة العثمانية التي كانت آخر حلقة تربط الأمة بتاريخها بغض النظر عن ما اقترفته من أخطاء أو مساوئ لكن المهم هنا هو أن حركة الإمام الخميني جاءت لتضرب كل تلك المشاريع التي هدمت بنيان الأمة والمنطقة لذلك شنت عليه اشنع الحروب بكل أساليبها القذرة من قتل واغتيال وإرهاب لرموز وقيادات الثورة إلى الحرب المفروضة إلى الحصار الاقتصادي العسكري ومحاولات الغزو الثقافي وهو الأخطر حسب رؤية الإمام الخميني الذي قال اننا لا نخشى الغزو العسكري بل نخشى الغزو الثقافي.

من ثم توالت المؤامرات على الثورة التي رفعت شعارات “لو ثنيت له الوسادة لكان قد نسف ذلك النظام العالمي الوحشي بالضربة القاضية”. لكن كثرة المؤامرات التي أحاطت بالإمام وبثورته، أخرت الأمر ولم تستطع إلغاءه أو تعطيله. لكن بعد كل كبوة، واجهت الثورة تعود لتنطلق من جديد وبقوة أكبر، خاصة بعد تجسيد الشعارات المركزية للثورة، مثل اليوم إيران وغدا أسبوع الوحدة الإسلامية… يوم القدس العالمي. لا شرقية ولا غربية.. ونصره المستضعفين. وأيضا الاقتصاد المقاوم وغيرها الكثير من القواعد التي عمل على تثبيتها القائد الرباني الفريد والذي ليس له نظير، وأعني به الشهيد الخامنئي، حيث وصفه الإمام الخميني في توجيه منه لبعض النخب الثورية إذ قال إنكم لو بحثتم في كل أرجاء العالم بين الرؤساء والملوك والنخب، لن تجدوا شخصا مثلا له بهذا الالتزام والإخلاص.

هذا القائد الرباني الذي قضى عمره الشريف في تثبيت كافة الأسس والأفكار الثورية للإمام الخميني، استطاع أن يؤدي الأمانة بأفضل وجوهها، حيث جعل من إيران قطباً جديداً في عالم العلاقات الدولية وإحدى أهم ركائز النظام العالمي الجديد تطبيقا لشعار الإمام الخميني “لا شرقية ولا غربية” بمعناها الدقيق، أي لن تكون تابعة لأي محور كان، بل ستكون هي قائدة محور الخير في مواجهة محور الشر الابستيني ولذلك تم اغتياله على أقذر يد أكلة للحوم البشر، بدءا من الأجنة، إلى باقي أعضاء الإنسان وبأقذر ما يمكن للعقل الشيطاني أن يبتكره من أساليب بشعة.

لكن هذا الاغتيال، لم يقتل الثورة الفكرة، بل نهضت من جديد، حاملة معها ارثها وغضبها لتنتقم لتلك الدماء الحسينية التي لم يتمكن العدو سفكها أو أن يميت الثورة، لأن هذه الدماء حينما خرجت من الجسد الواحد لرباني هذه الأمة، دخلت مباشرة في شرايين الأمة كلها، صغيرها وكبيرها تقيها وشقيها. كلهم أصبحوا جسداً واحداً صامداً مواجها لمؤامرات الأعداء والذي صعق مما حدث، حيث قال القاتل ترامب لو كنت أعلم أن خليفة الخامنئي سيكون المجتبى لكنت قد منحته بوليصة تأمين مدى الحياة.

وهذا ما يؤكد عقم تفكيرهم القاصر عن فهم عقيدة كربلاء التي تفني من يعاديها وترفع من يحييها، لذلك نرى اليوم هذا التخبط لجماعة ابستين في مختلف الساحات، حيت لا يمكنهم أن يهتدوا لأي مخرج مشرف لهم للخروج من هذا المستنقع الذي دخلوه عبر العدوان على إيران ومحور فضيلتها…

وليس أمامهم من سبيل سوى الركون والتسليم لأمرٍ واحدٍ وهو الإقرار بمشروعية وحقيقة أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية أصبحت أحد أهم أعمدة النظام العالمي الجديد، ولم يعد بالإمكان تجاوزها أو القفز فوق مصالحها، وكل يوم جديد يؤكد هذا الأمر. ومهما طال أو قصر الوقت، لا مفر من إقرار الأعداء بهذه الحقيقة المرة، وعليهم تجرع هذا الكأس أولاً ثم الاعتياد على مثله تباعاً، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

* كاتب ومحلل سياسي لبناني

 

 

قد يعجبك ايضا