“الثورة نت ” ينشر نص المحاضرة الثالثة لقائد الثورة من دروس شهر ذي الحجة 1447هـ

الثورة نت/..

نص المحاضرة الثالثة لقائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي من دروس شهر ذي الحجة ضمن سلسلة “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم” .. الخميس الرابع من ذي الحجة 1447هـ/ الموافق 21 مايو 2026م.

 

أَعُـوْذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المُبِين، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ خَاتَمُ النَّبِيِّين.

 

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَارضَ اللَّهُمَّ بِرِضَاكَ عَنْ أَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ المُنتَجَبِين، وَعَنْ سَائِرِ عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ وَالمُجَاهِدِين.

 

الَّلهُمَّ اهْدِنَا، وَتَقَبَّل مِنَّا، إنَّكَ أنتَ السَّمِيعُ العَلِيم، وَتُبْ عَليَنَا، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمْ.

 

أَيُّهَـــــا الإِخْـــــــوَةُ وَالأَخَـــــــوَات:

 

السَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛

 

في بداية محاضرة الأمس تحدَّثنا عن أهميَّة الإصغاء، والتَّفهم، وتوطين النفس على الالتزام العملي في علاقتنا بهدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، حينما نسمع هدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وهذه مسألة- كما نبَّهنا بالأمس- في غاية الأهمية؛ لأن الإنسان مهما سَمِع من هدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، إذا لم يكن لديه تركيز، وإصغاء، وتفهُّم، وتوطينٌ للنفس على الالتزام العملي؛ يمكن أن يكون ما يستفيده شيئاً محدوداً جداً؛ بينما نحن في هذه المرحلة، في أمسِّ الحاجة إلى أن نكون على درجةٍ عاليةٍ جداً من الوعي والبصيرة، في مقابل حملات أعدائنا اليهود وأعوانهم، التي هي حملات رهيبة، من التضليل والخداع، ونحن في ذروة الصراع والمعركة بيننا وبينهم، ذروة المواجهة، التحديات تتطلَّب أن نكون على درجة عالية من الوعي في كلِّ المجالات؛ حتى لا يتمكَّن الأعداء أن يستغلوا الثغرات الكبيرة الناتجة عن نقصٍ في الوعي، أو حتى ضعفٍ فيما يتعلَّق بالشعور بالمسؤولية.

 

وتحدثنا عن نصٍ مهمٍ لشهيد القرآن “رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ”، عن أهمية مسألة الإصغاء والتَّفهم في مسألة الاهتداء بهدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، ونعيده لأهميته الكبيرة، قال “رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ”: ((عندما يكون الإنسان غير مهتم، ولو كان في عصرٍ مليءٍ بالأنبياء))، يعني: حتى لو كنت في زمن مليء بالأنبياء، وأنت تعيش بينهم وتسمعهم، ((ولو كانت آيات الله تتنزل))، يعني: بشكل طري، الوحي ينزل بالآيات، وأنت تسمعها مباشرةً بعد نزولها، ((ولو يشاهد عصا موسى تتحول إلى ثعبان، إذا لم تبنِ عليها قاعدةً أساسيةً عندك: التزاماً، وفهماً، ووعياً؛ فستكون عرضةً للتضليل))، يمكن للإنسان أن يتأثَّر بحملات التضليل، وهي حملات كبيرة، وهي في هذا العصر أكثر منها، وأشد تأثيراً، وتستند إلى الكثير من الوسائل، بأكثر من أيِّ عصرٍ مضى، فنحن أكثر ما نحتاج إليه في المقدِّمة هو الوعي.

 

الحديث في محاضرة الأمس على ضوء الآية القرآنية المباركة من (سورة البقرة): {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[البقرة:104]، وتحدَّثنا على ضوء ما ذكره شهيد القرآن، وقدَّمه في دروسه القيِّمة (دروس من هدي القرآن الكريم)، بدءاً بالدروس المستفادة من سياق الآية المباركة، في موقعها في (سورة البقرة)، وما قبلها من الآيات، التي قدَّمت عرضاً مهماً جداً، ومفيداً بشكل كبير عن بني إسرائيل، وكذلك من صيغة الآية، وفي مقدِّمة ما نستفيده منها- كما سمعنا وقرأنا بالأمس- هو الاهتمام، الاهتمام الكبير فيما يتعلَّق بالقضايا التي يقدِّمها لنا هدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وفي نفس الوقت إعطاء كل قضية أهميتها في الصراع مع أهل الكتاب، هذه التربية المهمة جداً التي نحتاج إليها؛ حتى لا نكون في حالة إهمال ولا مبالاة وغفلة؛ لأنها هي الحالة التي يستفيدون منها غاية الاستفادة، وهم يحرصون دائماً على أن تكون هذه الأمة في حالة تيه، وفي حالة غفلة، وانعدام للوعي، وانعدام للشعور بالمسؤولية، هذا ما يهيِّئ لهم أرضيةً خصبة لنجاح كل مؤامراتهم التي تستهدف هذه الأمة من الداخل.

 

كان من ضمن النصوص المهمة لشهيد القرآن “رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ”، في هذا الموضوع نفسه، قوله “رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ”: ((لأن هذا بداية توجيه إلهي تربوي للمسلمين، ليكونوا بمعزل عن روحية بني إسرائيل، روحية البقرة، نفسية البقرة: [ما هي؟ ما لونها؟ إنَّ البقرة تشابه علينا، الآن جئت بالحق، الآن]، لا، إنَّ الإسلام، إنَّ القرآن الكريم قام على أساس أن يقدِّم للمسلمين تربيةً على مستوى عالٍ جداً، يستبقون بها الأحداث، فلا يكونون عرضةً لأن يضربوا ضرباتٍ متكرِّرة حتى يصحو، ومتى ما صحا، وجد نفسه في وضعيةٍ لا يتمكَّن أن يعمل شيئاً))، وهذا النص أيضاً من المهم أن نستوعبه جيداً.

 

ثم من مسؤوليتنا نحن كمسيرةٍ قرآنية، وأمة تتحرك على أساس هدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، أن نقدِّم النموذج على مستوى هذا الوعي، على مستوى هذا الهدى، هذا النور العظيم في أدائنا العملي، في تحرُّكنا في مواجهة اليهود، أن نكون بهذا المستوى العظيم، بهذه التربية القرآنية، حينما نمتلك الوعي العالي، ثم نتحرَّك بشكلٍ عملي، ونسد الثغرات، ونتحرَّك في إطار المواقف الاستباقية، التي ينبغي أن نهتم بها؛ لأن الكثير من أبناء أمَّتنا أصبحت مسألة الانتظار، والتأخُّر، وإتاحة الفرصة للعدو ليصل إلى أسوأ ما يمكن أن يصل إليه في استهدافه لهذه الأمة، أصبحت رؤيةً بالنسبة لهم، وهي رؤية من حالة التيه والضلال، ليست لا على أساس التربية القرآنية، ولا على أساس هدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.

 

كما تحدثنا بإسهاب عن ذلك في محاضرة الأمس، أنَّ البعض منهم يريدون الانتظار حتى يتمكَّن اليهود من تنفيذ كل مؤامراتهم، يعني: حينما تقول: [هم يخطِّطون للسيطرة على مكَّة والمدينة]، فالمسألة عندهم، عند الكثير من أبناء هذه الأمة، لا توجب التحرُّك المسبق بالحيلولة دون ذلك؛ بل في تصورهم أنَّه ينبغي الانتظار حتى يحدث ذلك، وحتى يحدث بقية المخطَّط الذي يخطَّط له اليهود، من سيطرة مستحكمة على كل هذه الأمة، في كلِّ قطرٍ وبقعة من هذه الأمة، وحتى يصلوا في احتلالهم إلى كلِّ مسجد، وإلى كل منزل، وحينها يمكن أن يكون التحرك قد آن أوانه للتصدِّي لمؤامراتهم، لكنها هي الحالة التي يقول عنها شهيد القرآن: ((ومتى ما صحا، وجد نفسه في وضعيةٍ لا يتمكَّن أن يعمل شيئاً)).

 

نحن نرى- مثلاً- عواقب التفريط في ما يتعلَّق بموقف الأمة من الاحتلال اليهودي الصهيوني لفلسطين، لو أنَّ المسلمين بادروا منذ البداية إلى دعم الشعب الفلسطيني، الدعم الكافي، إلى تسليحه، إلى تدريبه، إلى توعيته، إلى بنائه بناءً قوياً، وقدَّموا له الدعم السياسي، والدعم الاقتصادي… وكل أشكال الدعم؛ لكان الوضع مختلفاً عما هو عليه، لكنهم منذ البداية لم يتوجَّهوا هذا التوجُّه أصلاً أصلاً، يعني: تركوا الشعب الفلسطيني ليبقى في وضعية الاستضعاف، والاضطهاد، والقهر، وحتى في المراحل التي تدخَّل العرب فيها عسكرياً، لم يكن تدخلهم بهذا الشكل، يعني: بالشكل الذي يبني الشعب الفلسطيني ليكون قوياً.

 

كانت هذه الرؤية هي التي ستفيد، تفيد العرب، وتفيد الشعب الفلسطيني، وهي الرؤية التي عمل بها أعداء الإسلام في الغرب الكافر، من اليهود والنصارى، في طريقة دعمهم للعدو الإسرائيلي، اتَّجهوا إلى دعمه، إلى بنائه، إلى تقوية اليهود، إلى التدريب، إلى التأهيل، إلى الاحتضان، أتى البريطاني لاحتلال فلسطين، وبلاد الشام، معظم بلاد الشام يعني، وأجزاء منها، وفي إطار ذلك، يعمل على تمكين اليهود، وتدريبهم، وبنائهم عسكرياً، وتمكينهم اقتصادياً، وتقديم أشكال الدعم لهم: الدعم السياسي… وغير ذلك، واتَّجهت كذلك الصهيونية، الحركة الصهيونية في نفوذها في أوروبا، وفي أمريكا، اتَّجهت على هذا الأساس: أن توفِّر كل أشكال الدعم لليهود، وأن تعمل على بنائهم، تقويتهم، تمكينهم من الاحتلال لفلسطين، وبشكل متدرِّج، حتى وصل الحال إلى ما وصل إليه في هذه المرحلة، وأصبحت الفكرة السائدة لدى الأمريكيين، ولدى الحركة الصهيونية في الغرب، هي العمل على أن يكون اليهود الصهاينة الذين يحتلون فلسطين، وأجزاء من البلاد العربية، أن يكونوا هم الأكثر تفوقاً عسكرياً في المنطقة بشكلٍ عام، والأقوى، وأن يتم إضعاف كل هذه البلدان العربية والإسلامية المحيطة بفلسطين بشكلٍ عام؛ من أجل التمكين للعدو الإسرائيلي من إكمال سيطرته على الرقعة الجغرافية الواسعة، وفق الخريطة التي رسموها لإقامة [إسرائيل الكبرى]، ثم التعزيز لنفوذه وسيطرته على هذه المنطقة بكلها، تحت عنوان: [الشرق الأوسط، التغيير للشرق الأوسط، السيطرة على الشرق الأوسط].

 

فالتفريط الذي بدأ منذ البداية، أوصل الشعب الفلسطيني إلى مراحل صعبة، وحوَّل واقع المواجهة في الداخل الفلسطيني، إلى عملية معقَّدة، تشوبها الكثير من التعقيدات والصعوبات، وتعاظمت بذلك معاناة الشعب الفلسطيني، حينما يتحرَّك في ظروف صعبة للغاية، وحتى عندما أتى التحرُّك الفعَّال القوي جداً للشعب الفلسطيني، مقارنةً بالإمكانات المحدودة للغاية التي بحوزته في قطاع غزَّة، لم يهتم العرب، ولم يتحرَّك المسلمون بشكلٍ عام بالقدر الكافي لتقديم الدعم اللازم، واحتضان هذا التحرُّك الفلسطيني، هذا القيام، هذا الثبات، هذا الجهاد، وتخاذلوا إلى حدٍ كبير، تركوا المجال للعدو الصهيوني، بالمبادرة الغربية، والشراكة الأمريكية، التي اتَّجهت إلى التصرُّف بشكلٍ عدوانيٍ رهيبٍ جداً، في مقابل القيام والحركة الجهادية في قطاع غزَّة، والعملية البطولية العظيمة في طوفان الأقصى، هذه هي الإشكالية.

 

الإشكالية في واقع العرب والمسلمين: غياب هذه التربية القرآنية المهمة جداً، التي هي من المتطلبات الضرورية جداً في الصراع مع اليهود، في المواجهة لخطر اليهود، هذا جزءٌ أساسيٌّ مما نحتاج إليه في المواجهة معهم، وبيننا وبينهم.

 

((عندما يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا}[البقرة:104]، لماذا لم يأتِ الخطاب لليهود؟ [يا أيها اليهود اسكتوا أو اتركوا استخدام هذه الكلمة]؛ لأن مفتاح أن يضرَّك العدو، أن يهزمك العدو، أن يهينك العدو، هو من عندك أنت))، يعني: العدو يعتمد بشكلٍ أساسيٍ على استغلال الوضعية التي تعيشها الأمة.

 

ولهذا عمل الأعداء، ويعملون باستمرار، على أن تكون وضعية الأمة وضعية ضعيفة، وضعية مهزوزة، وضعية مأزومة، وضعية مخلولة بالخلل الرهيب جداً؛ حتى تكون بالشكل الذي يسهل عليهم الاستغلال لها بكل أشكال الاستغلال، والاختراق الكبير لها؛ وبالتالي تكون هذه الأمة قابلة للهزيمة، قابلة للانهيار، قابلة للضعف والضعف.

 

الحالة التي يبنينا عليها هدى الله، هي حالة عظيمة وراقية، لنكون أمةً قويةً، عزيزةً، منيعةً، محصَّنةً من كل أشكال الاختراق، تتحرَّك في مواجهة التحديات والأخطار من واقع القوَّة، والله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” زوَّد أمَّتنا الإسلامية بكل عناصر القوَّة التي تحتاج إليها:

– على المستوى المعنوي.

– على مستوى الرؤية الهادية.

– وعلى مستوى الإمكانات المادية.

– وعلى مستوى الرقعة الجغرافية.

كلها تمثِّل عناصر قوَّة ضخمة جداً، يمكن أن تكون بها هذه الأمة أمة عظيمة، وقوية للغاية، ولكن الأمة لم تستفد من كل ذلك؛ لأنها منذ البداية أعرضت عن الهدى، عن هدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، وحينما فقدت الرؤية الصحيحة؛ لم تستفد من بقية الأمور، لم تستفد من بقية عناصر القوَّة، واتَّجهت الاتِّجاهات الخاطئة، التي يستغلها أعداؤها، ويسهل عليهم من خلالها اختراقها، والتأثير عليها؛ فسيطروا على قرارها السياسي، واخترقوها سياسياً إلى أسوأ مستوى، واخترقوها على المستوى الاقتصادي، وتحكَّموا بالسياسات الاقتصادية، حتى أصبحت هذه الأمة، بالرغم من كلِّ مقدراتها، وإمكاناتها الهائلة، إلى أمة مستهلكة دون إنتاج، دون أن تكون أمة منتجة، ولا مكتفية ذاتياً، ولا ذات اقتصاد قائم على أسس صحيحة، واخترقوها على المستوى الثقافي، على المستوى الفكري؛ حتى تحكَّموا بالمسار التعليمي للأمة، وأوصلوه إلى مستوى لا جدوى له، ولا أثر له في واقع الأمة… وهكذا على المستوى الإعلامي، على المستوى الاجتماعي، وضعية مخترقة في كل المجالات، وهذا شيء مؤسف جداً، أوصل الأمة إلى ما وصلت إليه، وأتاح الفرصة للأعداء، ليتمكنوا تحقيق الكثير من مؤامراتهم ومخطَّطاتهم الخطيرة على هذه الأمة.

 

فالمشكلة الكبيرة لهذه الأمة، هي: انصرافها عن القرآن الكريم، وإعراضها عن هدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، أوصلتها إلى ما وصلت إليه، بدلاً من أن تكون في وضعية كالبنيان المرصوص، تحوَّل واقع الأمة- وللأسف الشديد- إلى أن تكون كالعهن المنفوش، في وضعية ضعف كبير جداً، كالصوف المتناثر، المخلخل، الذي ليس منسوجاً بنسيج متماسك، وهذه حالة مؤسفة للغاية، استفاد منها الأعداء، وهم يعملون عليها باستمرار، يعني: لا يكفيهم ما قد وصلت إليه الأمة:

 

– حربهم الناعمة، الشيطانية، المضلة، المفسدة، مستمرة بشكلٍ مكثَّف جداً؛ للوصول بهذه الأمة إلى أسوأ مما هي عليه بكثير.

 

– عملهم في الاختراق لهذه الأمة من الداخل في كل المجالات، وفي المقدِّمة فيما يتعلَّق بوضعها السياسي، وقرارها السياسي، كذلك عمل مكثَّف جداً ومستمر.

 

والبيئة مهيَّأة، طالما ليس هناك رؤية صحيحة لمعظم الشعوب، لمعظم الحكومات والأنظمة، وهي تعتمد أساساً على رؤى تأتيها من جهة العدو، وهي رؤى تخدم العدو، تفيدهم، تهيئ الظروف له ليصل إلى ما يريد الوصول إليه من سيطرة تامة على هذه الأمة، رؤى تدجينية، تدجِّن هذه الشعوب أكثر وأكثر للأعداء، وتبعدها عن الاتِّجاهات الصحيحة، والخيارات الحكيمة، التي هدى الله إليها في القرآن الكريم؛ لتجعلها في وضعية يسهل على الأعداء إنجاز مراحل من المخطَّط الصهيوني خطيرة للغاية، وأصبح يتحدَّث عنها بكل وضوح، وفي العلن، بالرغم من أنَّها خطيرة للغاية، ويفترض بها أن تستفزّ المسلمين إلى مستوى كبير.

 

فهدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” هو بالشكل الذي يبني الأمة، هو بنَّاء؛ لأنه يبني الأمة- مثلاً- على الاعتصام بحبل الله جميعاً، على وحدة الصف، وحدة الكلمة؛ بينما الاتِّجاه الآخر، الذي اخترق الأعداء به هذه الأمة، يعمِّق حالة الفرقة والشتات بين أبناء الأمة تحت كل العناوين، بعثرة مستمرة للأمة، تفكيك لنسيجها الاجتماعي، استهداف لها في مسألة بعثرتها، والتفرقة بين أبنائها تحت العناوين المذهبية، تحت العناوين السياسية… تحت كل العناوين، وصولاً إلى ما تعمل عليه المنظَّمات، التي هي من أذرع الغرب الكافر في الاستهداف لهذه الأمة في نسيجها الاجتماعي، حتى في داخل الأسرة الواحدة، تفريق ما بين الرجل، والمرأة، والطفل، ومحاولة تفكيك النسيج الاجتماعي لهذه الأمة إلى أسوأ مستوى.

 

فالأعداء هم يعملون في اتِّجاه يضعف الأمة، يزيدها ضعفاً، وهذا من ضمن ما يزيدها ضعفاً: حالة البعثرة، التفرقة، الزيادة في حالة التباينات على كلِّ المستويات، التباينات، الاختلافات في الرؤى، في المواقف، الشتات الرهيب جداً، التتويه: على مستوى الرؤية، على مستوى الأفكار، على مستوى المواقف، على مستوى التوجُّهات العملية، يبعثرونها إلى أنهى حد، ويقدِّمون ذلك أنَّه هو الحُرِّيَّة، وأنَّه هو الذي سيفيد هذه الأمة لتكون أمة حضارية، وأنَّه هو الديمقراطية، هو… تحت كل العناوين التي يقدِّمونها لهذه الأمة، وتلقى آذاناً صاغية، وقلوباً فارغة، تتقبَّل من أعدائها ما يزيدها ذلةً، وهواناً، وخسراناً، ويمكِّن أعداؤها منها بشكلٍ كبير، وهكذا يعمل الأعداء على الإفساد والتمييع لأبناء هذه الأمة، الاختراق بكل أشكاله.

 

بينما هدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” يحصِّن مجتمعنا الإسلامي، ليكون مجتمعاً زاكياً، نظيفاً، ويتَّجه به في البناء على أساس مكارم الأخلاق، والقيم العظيمة، التي تجعلهم منه مجتمعاً قائماً على أساس الأخلاق، الأخلاق الكريمة: على العفة، والطهارة، والصلاح… وهكذا على مستوى الوعي، وهكذا في كل المجالات، الأعداء هم يعملون باتِّجاه مباين لهدى الله؛ لإضعاف الأمة، لأن تكون أمة ضعيفة على كلِّ المستويات، وإفقادها كل عناصر القوَّة، وهذا هو الشيء المؤسف!

 

يقول أيضاً: ((إقفال المجالات التي فيها ثغراتٌ للأعداء، تأتي من عند المؤمنين))، وهذا- كما تحدَّثنا في محاضرة الأمس- من الأسس المهمة جداً في مجال الصراع مع الأعداء، يعني: جوانب كثيرة جداً تأتي بشكل اهتمامات في وضعنا الداخلي لتحصينه؛ لأن الأعداء اليهود يعتمدون بشكلٍ أساسيٍ في عدائهم لهذه الأمة، واستهدافهم لهذه الأمة، على الاختراق لها من الداخل، هذا شيء أساسي عندهم هم، في أسلوب المواجهة، وأسلوب الصراع، وطريقة الاستهداف لهذه الأمة، يعملون على الاختراق لها في كلِّ المجالات.

 

فبما أنَّ الاختراق لهذه الأمة هو استراتيجية أساسية للأعداء في استهدافهم لها؛ فعلينا أن نكون واعين، وأن ندرك أنَّ جزءاً كبيراً من أعمالنا المهمة، واهتماماتنا الأساسية في المواجهة لهم، يبدأ بتحصين وضعنا الداخلي، ويتَّجه إلى تحصين وضعنا الداخلي من كلِّ الثغرات التي يستغلونها.

 

ونستطيع أن نشخِّص الثغرات، وأن نحدِّد الثغرات في كلِّ المجالات، عندما يصبح هذا توجُّهاً قائماً في واقعنا في كل المجالات، عند كل الجهات المعنية، أن نشخِّص الثغرات التي يستغلها الأعداء، ونعمل على إقفال المجالات فيها؛ حتى لا ينجح الأعداء في اختراقهم لهذه الأمة.

 

((ولهذا حاولنا أن نقدِّم هذه الآية فيما يتعلَّق بالجانب الأمني، الجانب الأمني عندما نقول: [نفتشك]، أنت الأخ الصديق، الموثوق به بنسبة 100%، نفتشك، أو نقول: تكون متيقظاً، تكون منتبهاً لكل الإجراءات التي تمثل إقفال مجال، يجب أن تكون أنت أول من يعملها، المسألة هي إقفال مجالات إقفال منافذ)).

 

وهذه من أهم الأمور، مثلاً: على المستوى الأمني، هذا مجال من المجالات الكبيرة والأساسية، ذات الأهمية الكبيرة في المواجهة مع اليهود؛ لأنهم يركِّزون على الاختراق الأمني، وهو يمكِّنهم من الفاعلية الكبيرة جداً في الاستهداف لهذه الأمة، وإلحاق الضرر الكبير بها، عن طريق الاختراق من المجال الأمني، يركِّزون على الاختراق المعلوماتي؛ للحصول على معلومات دقيقة، تمكِّنهم من إلحاق الضرر بهذه الأمة، وعلى الاختراق بالتالي على المستوى العملياتي، هذا يفيدهم في عدوانهم، في جرائمهم في الاستهداف لهذه الأمة، سواءً الاستهداف بشكل أمني، يعني: عمليات اغتيالات، تفجيرات… أو غير ذلك يعني مما يعتمدون عليه في أساليبهم العدوانية لاستهداف هذه الأمة، مختلف الوسائل التي بأيديهم، مما هي وسائل للاستهداف لهذه الأمة؛ لأنهم يحاولون أن يلحقوا الضرر بهذه الأمة في كل المجالات، حتى عبر المجال الصحي، عبر كل المجالات والأساليب.

 

ولكن المسألة المهمة هي: حالة اليقظة والوعي، الوعي بالعدو، الوعي بأساليبه، الوعي بالطرق التي يعتمد عليها، واتِّخاذ إجراءات مقابل ذلك؛ ولهذا نجد في المجال الأمني الأهمية القصوى للوعي الأمني، وما يفيد فيه، مثلاً:

 

– الإرشاد الأمني، وهو مما ينبغي أن يكون من الأنشطة الرئيسية، الإرشاد الأمني، أن يدخل ضمن البرامج الإعلامية، البرامج التوعوية، المقررات التعليمية، المقررات في الدورات والورشات… وغيرها، هذا في غاية الأهمية.

 

– الاستفادة القصوى من الاعترافات التي قدَّمتها، أو المعلومات التي وردت في الاعترافات للخلايا، خلايا التجسُّس، والخلايا التخريبية، التي اعتمد عليها الأعداء؛ لأنها كذلك تكشف الكثير من أساليب عمل الأعداء، ومن الثغرات التي يستغلونها، كيف تمكَّنوا- مثلاً- من الوصول إلى معلومات معينة؛ وبالتالي استفادوا منها في ارتكاب جرائم معينة، واستهداف لهذه الأمة.

 

هذه مسألة مهمة جداً: الوعي الأمني، وهذا يستحق الاهتمام الكبير، على المستوى التوعوي، على مستوى الإرشادات، وكذلك على مستوى الإجراءات، وجزءٌ من الإجراءات تعود إلى الناس أنفسهم؛ لأنهم حينما لا يكونون على مستوى عالٍ من الوعي، قد يتذمَّرون من بعض الإجراءات، ويتصوَّرونها قيوداً ليس لها ضرورة في واقعهم؛ وإنما هي إجراءات تزيد من حالة التضييق، أو تخرجهم عن الوضع العادي الذي اعتادوه، في أن يكونوا مستهترين بكل شيء، ومتهاونين تجاه كل شيء.

 

وكما قلنا بالأمس:

 

– على المستوى العام: العدو هو يستهدف الشعوب، يستهدف هذه الأمة بشكلٍ عام.

 

– وعلى مستوى مجالات العمل: يستهدف كل مجال عمل.

 

وداخل مجالات العمل هناك أيضاً مجالات عمل ذات حساسية أكثر من غيرها، ودورها- مثلاً- في المواجهة مع العدو، دور كبير، ومهم، ومتقدِّم؛ فالعدو يركِّز على اختراقها، والاختراق بمختلف الأشكال: الاختراق المعلوماتي:

 

– الاختراق بهدف التخريب الإجرامي العدواني؛ للقتل، للتدمير.

 

– الاختراق من أجل التتويه، من أجل الإعاقة، الاختراق عن طريق الإضلال، الإضلال لا يأتي فقط على المستوى العقائدي، الإضلال يأتي في التضييع والتتويه حتى في المجال العملي.

 

ولهذا حينما نتَّجه- مثلاً- على المستوى المعلوماتي، على مستوى خطط العمل، برامج العمل، يجب أن يكون لدينا وعي بأساليب العدو التي تستهدف حتى هذا الجانب، حتى هذا المجال.

 

وهكذا يعمل العدو- مثلاً- على خلخلة الوضع الداخلي، على الاستثمار في كلِّ المشاكل، في كلِّ الأزمات، وعلى صناعة المزيد منها، ويستفيد، يتلمَّس أي جوانب خلل، أي إشكالات قائمة، ثم يستثمر فيها، ويعمل عليها، حتى على مستوى الحساسيات، على مستوى العقد، يبحث عنها، ويعمل على الاستثمار فيها، والاستغلال لها؛ لخلخلة الوضع الداخلي؛ لأن هذا من أساسيات ما يستهدف به الأمة؛ لأثره الكبير في إضعاف أي أمة، وليس على مستوى العالم الإسلامي بكله؛ بل حتى على مستوى التحرك الجهادي في أوساط هذه الأمة، في إطار جبهة هنا أو جبهة هناك، تواجه هذا العدو، وتتحرَّك لاستنهاض الأمة في مواجهته.

 

فالعدو يتلمَّس الإشكالات، الثغرات، مواطن الخلل، كالجراثيم تماماً، التي تبحث عن أي جرح أو علة في أيِّ جسد لتنفذ من خلالها، ويعمل على الاستثمار لذلك، ويحاول كذلك أن يصنع المزيد والمزيد، من حساسيات، من عقد، من إشكالات، من حالات خلل؛ ليستفيد منها، وليستغلها إلى أسوأ مستوى.

 

فمجال الاختراق مجال واسع، يستهدف هذه الأمة بكل أشكال الاستهداف:

 

– الاستهداف بالقتل.

 

– الاستهداف بالتدمير.

 

– الاستهداف بخلخلة الوضع الداخلي.

 

– الاستهداف للأعمال؛ لإعاقتها، أو لتضييع برامج العمل وتتويهها.

 

– والاستهداف أيضاً على مستوى الرأي العام، المحاولة الدائمة لصرف اهتمام الناس عن القضايا المهمة، وإغراقهم كلياً في قضايا: إما هامشية، أو قضايا تافهة، أو قضايا لا تستحق ذلك الاهتمام، على حساب القضايا الرئيسية، ومن الممكن أن يكون الاهتمام بها بشكلٍ صحيح، في إطار القضايا المهمة والرئيسية، بما يخدمها، ويفيدها، وليس على حسابها، وليس بديلاً عنها، وليس لصرف الناس كلياً عن القضايا الرئيسية والمهمة.

 

ولهذا نجد فعلاً البعض- مثلاً- يحاولون صرف الناس عن كل القضايا الكبرى، والمخاطر الكبرى، التي هي ذات تأثير كبير على واقع الناس بكله، يعني: التهديد فيها تهديد شامل كامل لهذه الأمة، لهذه الشعوب، لكلِّ شعبٍ منها، لوضعنا نحن- مثلاً- كشعب يمني، ولغيرنا من الشعوب، تهديد شامل: يهددنا في حُرِّيَّتنا، في كرامتنا، في استقلالنا، في ديننا، في دنيانا… في كل شيء.

 

فنتيجةً للخلل القائم لدى البعض- مثلاً- في نقص وعيهم، أو في حالتهم النفسية المريضة، غير الصِّحِّيَّة، غير الواعية، غير الزاكية، يتَّجهون- مثلاً- لإثارة قضايا جزئية، أو إشكالات جزئية، لتكون هي القضايا الرئيسية، على حساب الصدّ عن القضايا والاهتمامات الكبرى، ولتكون بديلاً عن ذلك، فيحاولون أن يجعلوا كل الاهتمام نحوها، وأن يكون العمل فيها بالشكل الذي يبعد الناس عن الاهتمام بالقضايا الرئيسية، والقضايا الكبرى، والقضايا المهمة جداً.

إذاً ينبغي أن يكون لدينا وعي راسخ، بأنَّ واحدةً من الاستراتيجيات الأساسية التي يعتمد عليها العدو اليهودي في استهدافه لنا، هي: الاختراق، وأنَّه في هذا الاختراق يسعى لتحقيق أشياء متنوِّعة ومتعدِّدة، ليس الاختراق فقط للقتل، هذا جزء من اهتمامه: القتل، التدمير، النشر للأوبئة، الاستهداف بكل أشكال الاستهداف الإجرامي العدواني، وأيضاً الاستهداف لمجالات العمل، الاستهداف لوحدة الصف، لتماسك الجبهة الداخلية، الاستهداف للناس على مستوى التوجُّه العملي، على مستوى النجاح في الأعمال… جوانب كثيرة يشتغل عليها العدو.

 

والبصيرة والوعي كفيلة بإفشال مساعي العدو، والإجراءات حينما يكون هناك وعي عن أساليب الأعداء، وطرقهم في الاختراق، الإجراءات كفيلة بأن تفشل مساعي العدو؛ لأنها حينئذٍ تكون محل تقبُّل عند المعنيين أنفسهم، وعي عام، وإجراءات عامة، إجراءات أيضاً داخل مجالات العمل، إجراءات وقائية، تحصِّن كل مجال عملي من حالة الاختراق التي يسعى العدو إلى تنفيذها.

 

نجد- مثلاً- كيف يحرص العدو في هذا العصر، بل في هذه المرحلة أكثر من أيِّ وقت مضى، على الاختراق في المجال الأمني والمعلوماتي، بما يمكِّنه من توجيه ضربات واسعة، يعني: البعض من الضربات التي قد تتحقق للعدو، تجاه أيِّ شعب من الشعوب، أو أيِّ جبهة من جبهات المواجهة له، الناتجة عن اختراق أمني، قد تكون بشكل كبير، وفعَّال، ومؤثِّر، قد لا يتمكَّن من فعل ذلك في حروب عسكرية متعددة، لو لم يحصل له ذلك الاختراق، لو لم يتمكَّن من تحقيق ذلك الاختراق الأمني.

 

ولهذا من أهم الأمور- وسيأتي الحديث عن ذلك- هو العناية بكشف وتشخيص كل الثغرات التي يَنْفُذ العدو من خلالها، مع ترسيخ الوعي بأنَّ العدو يعتمد على الاختراق للوضع الداخلي، والاستغلال لذلك، للاستهداف لهذه الأمة، والاستهداف لكل جبهة، لكل مجال عمل؛ فلذلك هذا الوعي يساعد على تقبُّل الإجراءات؛ لأن الإجراءات الوقائية ضرورية للغاية، وأن تكون مبنية على وعي يساعد على الالتزام بها، وعلى تقبُّلها، وعلى إدراك أهميتها، هذه المسألة مهمة.

 

مثلاً: أتى الحديث هنا عن التفتيش، بعده أتى الحديث عن نمط المصافحة في الأسلوب اليمني، ولاسيَّما في المناسبات العامة، وما فيه من ثغرات، هذه كنماذج، نماذج، ومع الوعي هناك أشياء كثيرة، من المتطلبات التي تدخل في سياق الإجراءات، أو في سياق الوعي؛ لأن الوعي بنفسه يساعد على التحفُّظ، على الانتباه، على اليقظة؛ ولهذا قال هنا: ((أو نقول: تكون متيقظاً، تكون منتبهاً، كل الإجراءات)) الإجراءات؛ لأن الوعي بأسلوب العدو في الاختراق يساعد على تقبُّل الإجراءات؛ لأن المطلوب أن يكون هناك إجراءات، إجراءات عملية، إجراءات وقائية، تسد الثغرات، التزامات عملية، محاذير معينة يحذر الانسان منها.

 

الأعداء استفادوا- بحسب اعتراف الخلايا التجسُّسية- استفادوا حتى من مقايل القات، واللقاءات العادية مع الناس، لماذا؟ لأن الكثير من الناس ليس عنده تحفُّظ، وانتباه، وانضباط، والتزام، ووعي تجاه ما يقول، ومع جلسات القات، وفي مقايل القات، البعض من الناس هو بطبيعته ثرثار: كثير الكلام، ويعجبه أن يقدِّم نفسه على أنَّه يعرف الكثير من التفاصيل، والكثير من الأمور، والذين يعملون في التجسس، عادةً يعرف البعض منهم كيف هو أسلوب الاستدراج في الكلام؛ من أجل الوصول إلى معلومات معيَّنة، فالبعض من الناس كان يقدِّم معلومات ذات أهمية كبيرة جداً، من خلال الاستدراج له في الكلام في مقايل القات، أو في لقاءات عابرة أو عادية؛ لأنه يثرثر دون وعي بما هو الذي قد يخدم الأعداء، وليس هناك أي ضرورة للحديث عنه، ليس هناك ضرورة عملية.

 

حينما يكون هناك لدى الناس وعي، أنَّ الأمور التي لا داعي للحديث عنها لاعتبارات عملية، يعني: من تتحدَّث معه عنها ليس معنياً بالموضوع أصلاً، ليس له علاقة عملية بذلك الموضوع أصلاً، فلا حاجة للحديث عن ذلك أصلاً معه، الانضباط والوعي فيما نقول وما لا نقول، وإدراك أنَّ بعض الأمور ليس هناك ضرورة أبداً للحديث عنها في مقايل القات، مع الناس، في مواقع التواصل الاجتماعي، أن بعض الأمور قد تمثِّل خدمة حقيقية للعدو.

 

يعني: تصوَّر أنَّ البعض من الناس- مثلاً- في إطار تلك الثرثرة في مقايل القات، أو مواقع التواصل الاجتماعي، يساعد اليهود على ارتكاب جرائم قتل، قتل، قدَّم لهم معلومة عن موقع معين، عن عمل مهم، عن شخصية- مثلاً- يسعى الأعداء لاستهدافها، قدَّم لهم ما يخدمهم ويساعدهم على تحقيق ذلك؛ فيكون مشاركاً لهم في جريمتهم تلك، التي أفادهم هو بما يساعدهم عليها.

 

البعض الناس- كذلك- يساعد الأعداء في الاختراق على المستوى التقني، بأسلوبه الخاطئ، يعني: يمكِّنهم- مثلاً- من خلال وسيلة تقنية معيَّنة، يعطيهم أرقام تلفونات، أو يعطيهم ما شابه، أشياء معيَّنة تساعدهم على تحقيق اختراق معيَّن.

 

لذلك حالة الوعي، اليقظة، الاهتمام بالإجراءات التي تمثِّل إقفال مجال، والحرص على أن يكون الإنسان هو واعياً، وألَّا يكون بالشكل الذي يخدم الأعداء، يكون لديه حرص ألَّا يخدم اليهود بأيِّ خدمة؛ لأنها خدمة تمثِّل ضرراً بأمته، وتعطي دعماً للعدو.

 

الخدمة لليهود الصهاينة بكل أشكالها:

 

– خدمة معلوماتية.

 

– خدمة للاختراق.

 

– خدمة تساعدهم على تحقيق جرائمهم في الاستهداف لهذه الأمة.

 

هي دعم لليهود، هي تعاون معهم، هي إسهام معهم في تحقيق أهدافهم الشيطانية، الإجرامية، هي مشاركةٌ لهم في الجرم؛ لذلك ينبغي أن يكون لدى الإنسان وعي، حرص على الإجراءات، وعي عن أساليب الأعداء.

 

الجهات الأمنية معنيةٌ بشكلٍ كبير بالإرشاد في المجال الأمني، بتقديم ما يفيد الناس في المجال الأمني، بنشر الوعي في المجال الأمني، والتفاعل من الجهات الإعلامية معها في ذلك مهمٌ جداً جداً، ثم في مجالات العمل المختلفة، وعلى المستوى العام يكون هناك تفاعل مع الإجراءات التي تساعد الناس في مواجهة هذه الثغرات التي يستغلها الأعداء.

 

((كل الإجراءات التي تمثِّل إقفال مجال، يجب أن تكون أنت أول من يعملها، المسألة هي إقفال مجالات، إقفال منافذ))، وهذا شيء مهم؛ لأن البعض من الناس لنقص وعيهم، قد يتحسس حتى من التركيز على هذا الموضوع، حتى في نطاق عمله، يعني: عمل حساس، يركِّز عليه الأعداء كل التركيز، وله أهمية كبيرة في المواجهة مع الأعداء، فالبعض- مثلاً- حينما يكون هناك نصح له، وتركيز على إعانته في تحصين مجال عمله، قد يكون لديه تحسس من المسألة، ولا يستوعب أهميتها، يجب أن يكون هناك وعي أمني عالٍ جداً.

 

الوعي الأمني- بنفسه- له أهمية في تقبُّل الإجراءات، إذا كان الإنسان صفر في الوعي الأمني، فهو لا يتقبَّل ولا يستوعب أهمية الكثير من الإجراءات، الكثير من الأنشطة، الكثير من الاهتمامات، الوعي بالثغرات التي يستغلها الأعداء، وهم يوظِّفون كل شيء في سبيل الاختراق، يعملون بكل الوسائل في سبيل الاختراق: وسائل تقنية، وسائل بشرية، يعملون حتى من ضمن أهدافهم لنشر الفساد اللاأخلاقي، مع الإفساد للمجتمع، الإفساد للناس، وهو بحد ذاته هدف لهم، أن يفسدوا الناس، أن يضربوا نفسياتهم، أن يميِّعوهم، أن يبعدوهم عن الصلة الإيمانية بالله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، ولكن أيضاً في الاستغلال لهم، في التوظيف لهم، من خلال الإفساد لهم.

 

هذه وسيلة معروفة عالمياً أنَّها مما يعتمده الأمريكي، ويعتمده اليهود الصهاينة بشكلٍ عام في كل العالم، يعني: عندما نلاحظ- مثلاً- في قصة وثائق (جيفري إبستين)، حاول أن يعمل على إيقاع حتى زعماء، وقادة سياسيين، ورجال مال وأعمال، وشخصيات استخباراتية، شخصيات عسكرية… من كل فئات المجتمع، أن يوقعهم في الفساد، في الجرائم اللاأخلاقية، جرائم الاغتصاب، جرائم الفجور والدعارة، وأن يوثِّق جرائمهم تلك بالفيديو، وبالصور؛ حتى تكون وسيلة ضغط وابتزاز، ومعروف أنهم يستخدمون ذلك في كل العالم، وفي كل مجتمع، يحاولون الإيقاع بالبعض في شباك الدعارة، والفساد اللاأخلاقي، والجرائم (جرائم الفاحشة بأشكالها)، ويعملون ما بعد ذلك لاستغلالهم في الاختراق المعلوماتي، والاختراق الأمني، حتى في مجالات عمل مهمة.

 

وهذا من أكثر ما يركِّزون عليه، يعني: جانبٌ أساسيٌ من الجوانب الرئيسية التي يستخدمونها؛ لأن العنصر الذي أوقعوا به في الفساد، قد أصبح مهيأً ومتقبِّلاً للإقدام على جرائم خطيرة جداً، يعني: معلومات حساسة، للقتل لرفاقه في مجال عمل معيَّن، ولو حتى لأقاربه، ولو حتى لأعزِّ أصدقائه وأعزِّ رفاقه، لن يبالي بذلك، أصبح بالإيقاع به في الفساد، الفساد الدنيء، الفواحش، الجرائم البشعة، الفظيعة؛ لأن الفاحشة هي من أبشع وأفظع الجرائم التي تضرب الكرامة الإنسانية، العزَّة الإيمانية، وتحوِّل الإنسان إلى إنسان دنيء، متقبِّل للمهام السيئة للغاية، الدنيئة جداً، التي يتنكَّر فيها لكلِّ القيم، لكلِّ الأخلاق، ومع ذلك أيضاً الضغط، يعني: يستخدمون وسيلة الضغط للتشهير به، لنشر ما بحوزتهم من وثائق وثَّقوا بها فضائحه، هذا الجانب أيضاً جانب يستغلونه، ويعملونه، وعملوه في كلِّ المجتمعات، في كلِّ البلدان، في إطار استهدافهم لهذه الدول، لهذه الكيانات، لهذه المجتمعات، لهذه الجبهات، ويجب أن يكون هناك وعي عالٍ تجاه هذه المسألة، تجاه هذه المسألة؛ لأنها مسألة خطيرة، وهم يعملون عليها بشكل كبير جداً.

 

في مجال الاختراق الأمني، وظَّفوا حتى العنوان الإنساني، والمنظَّمات الإنسانية، مثلما حدث عندنا في اليمن، وحدث في بلدان كثيرة، وهذه مسألة معروفة عالمياً، أنهم يوظِّفون العنوان الإنساني، ويعملون من خلال المنظَّمات الإنسانية لاختراقها، وتفعيل دورها في الجانب المعلوماتي، إلى درجة العمل المكثَّف، يعني: ليس فقط جمع معلومات عامة وتفصيلية، بل نشاط يتَّصل بالعمليات الإجرامية.

 

مثلما حدث عندنا في اليمن: خلايا تابعة للمنظَّمات، عملت بشكلٍ مباشر في جريمة العدو الإسرائيلي اليهودي الصهيوني، لاستهداف حكومة التغيير والبناء، عملوا بشكلٍ مباشر، خلية مكوَّنة من العاملين في المنظَّمات، وكانت الإدارة للمهمة إدارة أجنبية، يعني: عنصر أجنبي أدار مجموعة عناصر من هذا البلد، لتقوم بعملية الرصد على مدى أيام بشكلٍ مباشر، حتى للاجتماع، وحتى تم الاجتماع؛ وبالتالي الاستفادة من إمكانات تقنية، واتصالات للتعامل المباشر مع العدو الإسرائيلي الصهيوني، في تنفيذ عملية الاستهداف، وليس فقط في إطار جمع المعلومات العامة، بل مباشرة، يعني: لمهام عدوانية، لتنفيذ عملية قصف هنا، أو قصف هناك، مجموعات أو أنشطة واسعة لجمع معلومات عن مخازن سلاح، عن مجالات العمل الحساسة والمهمة، مثل: التصنيع العسكري، والصاروخية، البحرية، الدفاع الجوي… كل مجالات العمل المهمة، الشخصيات القيادية… وغير ذلك، وحتى في واقع المجتمع، أهداف في واقع المجتمع، يجمعون معلومات عنها، من أجل الاستهداف لها، وهذه حقائق موثَّقة، ثابتة بالأدلة الدامغة، وبالاعترافات التفصيلية الدقيقة، المتطابقة تماماً مع ما حدث، ليست المسألة كما يتصوَّره البعض من المغفلين، والسُّذَّج، مجرَّد دعايات، أو كلام فاضي، هذه المسألة مهمة جداً، يجب أن يكون لدينا وعي كبير عنها.

 

يقول أيضاً: ((هذه الآية))، الآية المباركة: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا}[البقرة:104]، ((تعتبر شهادةً فيما يتعلَّق بالمقاطعة الاقتصادية، ألم يحصل هنا مقاطعة لكلمة؟ قاطع المسلمون كلمةً في أيام رسول الله “صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم”؛ لأن استخدامها يمثل ماذا؟ دعماً لليهود، إذاً فقاطع بضائعهم؛ لأن بضائعهم تشكِّل دعماً مادياً كبيراً لهم، وتفتح عليك مجالاً لأن تتقبَّل كل ما يريدونه، كل ما يريدون أن يوصلوه إلى بدنك، إلى جسمك من سموم، أو من أشياء لتعقيمك حتى لا تنجب، أو تورِّث عندك أمراضاً مستعصيةً… أشياء كثيرة جداً، مع تقدمهم العلمي يعتبرون خطيرين جداً، سيطرتهم على الشركات التي تعتبر متطوِّرة في صناعات أشياء كثيرة من المواد السَّامة، عناصر كثيرة تستخدم، قد أصبحوا يستخدمون عناصر تؤثِّر نفسياً)).

 

وهذا كلام مركَّز وملخَّص قدَّمه شهيد القرآن “رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ”، فيما يتعلَّق بأهمية المقاطعة الاقتصادية، في مقدَّمته: أنَّ الأعداء يستفيدون بشكلٍ كبير في المجال الاقتصادي من أسواق هذه المجتمعات، مجتمعاتنا الإسلامية في البلدان العربية وغيرها، هي بلدان ومجتمعات مستهلكة، وغير منتجة، والذي أوصلها إلى ذلك هو الأعداء، أن تكون مجتمعات مستهلكة؛ وبالتالي هي أسواق ضخمة، يستفيد منها الأعداء أموالاً هائلة جداً.

 

والمجال الاقتصادي مجال أساسي، مجال أساسي حتى في قوَّة الأعداء، حتى في تمكُّنهم من الحصول على إمكانات ضخمة، وقدرات كبيرة، هم يستفيدون فوائد كبيرة جداً من بلداننا ومجتمعاتنا غير المنتجة، غير المكتفية ذاتياً، غير الناهضة اقتصادياً بشكل صحيح، وبنَّاء، ومنتج، هم يستفيدون أولاً: المواد الخام، المواد الخام يأخذونها من بلداننا بشكل كبير، وبأرخص الأثمان، ثم يقومون هم بإعادة إنتاجها وتسويقها إلى بلداننا بأغلى الأثمان، ويحصلون على أموال هائلة جداً.

 

وهذا مما هناك مسؤولية كبيرة على وسائل الإعلام، وعلى مراكز البحث والدراسات، وعلى الجهات الاقتصادية، أن تقدِّم حقائق تفصيلية عنه لمجتمعاتنا؛ لأن هذه من أهم الأمور، لا يستوعب الكثير من الناس مدى الاستغلال الكبير من جهة الأعداء في هذا المجال، وما يحصلون عليه من دعم كبير جداً، من أموال هائلة جداً، يعني: بعض الإحصائيات مثلاً: قدَّمت أنَّ الأعداء يحصلون على مليارات، مثلاً: من الدخان وحده، المليارات من الدولارات يحصلون عليها من بلداننا العربية! أمَّا بقية المنتجات كذلك يعني، هذا مجال التدخين، وما ينتجونه للتدخين، يحصلون فيه على المليارات، بقية المواد كذلك، يعني: هناك إحصاءات تقدِّم أرقاماً هائلةً جداً فيما يحصل عليه الأعداء، وشركاتهم من أموال هائلة جداً جداً، يستطيعون من خلالها أن يموِّلوا حروبهم، برامجهم العدائية ضد هذه الأمة بمختلف أنواعها وأشكالها، أن يستفيدوا هم في واقعهم لبناء واقعهم، ليكونوا أكثر قوَّة، وأكثر تمكُّناً.

 

ونحن نذكر- مثلاً- في مراحل معينة ما قبل سنوات، مثلاً: في عام 2004، 2003، 2002، حركة المقاطعة وصل الحال ببعض الدول الأوروبية والأمريكيين أن يهدِّدوا الدول العربية، لكي لا تقاطع بعض منتجاتهم؛ [لأن هذا] يقولون هم [سيسبِّب إلى إقفال وإغلاق شركات من شركاتهم، ستفلس]؛ لأنها تعتمد أساساً على هذا السوق: سوق العالم الإسلامي، سوق ملياري مسلم، هم الأقل إنتاجاً في هذه الدنيا، والأكثر بطالةً، والمعتمدين بشكلٍ رئيسيٍ على الاستهلاك لبضائع الآخرين، فالدعم المالي هائل جداً، ومسألة أن تكون هذه الأمة مساهمة مع أعدائها، هذه كارثة، هذه طامة، هذا أمر مؤسف!

 

يعني: تصوَّروا فيما اطَّلعنا عليه من معلومات، أنَّ الجيش الأمريكي أثناء احتلاله للعراق، بعد عملية احتلاله بشكل مباشر للعراق، كان يعتمد في توفير احتياجاته ومتطلباته على شركات أمريكية، تأتي له ببعض المنتجات، وشركات إسرائيلية، إلى درجة أنَّه اعتمد حتى في المتطلبات اليومية، مثلاً: خضراوات، حتى الفجَّل، حتى بعض الخضروات العادية، طماطم… غير ذلك، اعتمد فيها على شركات إسرائيلية، تورِّدها له عبر الأردن؛ لكي لا يشتري تلك المتطلبات من العراقيين، من الشعب العراقي، فيستفيد الشعب العراقي من الأموال التي يقدِّمها الأمريكي؛ لأنهم يريدون أن يستفيدوا هم، دون أن يفيدوا هذه الشعوب، دون أن تستفيد، وحسبوا كم سيكون الاستهلاك للمواد الغذائية في مختلف الاحتياجات، ثم اعتبروه يعني مبالغ كبيرة ستذهب إلى جيوب العراقيين، قرروا ألَّا تذهب إلى جيوب العراقيين، بل أن تذهب إلى جيوب شركات أمريكية، للأمريكيين، وإلى جيوب الإسرائيليين، حتى على مستوى الخضراوات أن تأتي بها شركات إسرائيلية عبر الأردن، فهم- لاحظ حتى على هذا المستوى من الاهتمام- يهتمون إلى هذه الدرجة.

 

وفعلاً استفادوا هم، نهبوا نفط العراق، الآن النفط العراقي تنهبه الشركات الأمريكية، المستفيد الأول منه أمريكا قبل الشعب العراقي:

 

– على مستوى العمل في المنشآت النفطية، تعمل بالدرجة الأولى شركات أمريكية، تنهب النفط العراقي.

 

– على مستوى الإيرادات المالية للنفط العراقي، تذهب الأموال إلى البنك الأمريكي، إلى الاحتياطي الأمريكي، ولا يصرف إلَّا البعض منه حيث تريد أمريكا، حيث توافق أمريكا على ما يصرف، ويأخذ الأمريكيون ثلاثة أرباع الإيرادات المالية للنفط العراقي لهم، والربع المتبقي الذي يصرفونه للعراق، لا يصرفونه إلَّا وفق ما يوافقون على صرفه فيه، يتحكَّمون فيه، فتجد كيف أنهم ينهبون هذه المجتمعات، هم مصاصون للدماء، نهَّابون للثروات، وفي نفس الوقت يستغلون حتى الحالة الاستهلاكية لهذه الشعوب، لتكون لمصلحتهم.

 

الدعم المالي لهم جريمة كبيرة جداً، يعني: إذا كان المسلمون قاطعوا كلمة، والأعداء يستفيدون منها، اليهود في عصر رسول الله “صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ”، يستفيدون منها معنى مسيء في أنفسهم؛ أمَّا الاستفادة الاقتصادية والمالية فهي هائلة جداً، استفادة لقدرة مادية تفيد الأعداء بشكل عام، تزيدهم قوَّة، وتفيدهم في الاستهداف لهذه الأمة، وإلَّا فمعلوم قطعاً أنَّ هذا سيؤثِّر عليهم: مسألة المقاطعة الاقتصادية، ستؤثِّر على الكثير من شركاتهم.

 

لهذا من المهم في هذا المسار أن يكون هناك توعية مستمرة، وتقديم تفاصيل، التفاصيل هامة؛ حتى يستوعب الناس، ويعرفوا كم يحصل العدو عليه من أموال كبيرة جداً من مجتمعاتنا، ومن بلداننا ودولنا، هذا الجانب.

 

الجانب الآخر يتعلق بالجانب الصحي، سواءً في المواد الغذائية، أو المواد الطبية، أو الملابس… أو مختلف الأغراض التي تستخدم، ويمكن أن ينفذوا من خلالها في الاستهداف الصحي، والاستهداف الصحي واحدٌ من أهم ما يركِّز عليه الأعداء بشكل كبير جداً، واستخدموه من زمان مبكِّر، يعني: كان من الوسائل الرئيسية التي استخدمها الأوروبيون، حينما سيطروا على أمريكا في الاستهداف للسكان الأصليين (الهنود الحمر)، واحدة من الوسائل الأساسية التي أبادوهم بها: الاستهداف الصحي، الاستهداف لحياتهم عن طريق الجانب الصحي، وهذا جانب هم متقنون فيه، وقد تطوروا فيه كثيراً، قد تطوروا فيه كثيراً، ولمجالات متعددة، مثلما فصَّل شهيد القرآن هنا، مثلاً:

 

– ((سموم))، سموم تؤثِّر على حياة الإنسان، على صحَّته، حتى تؤثِّر عليه تأثيراً كبيراً: إما يتحوَّل في بقية حياته إلى إنسان عليل جداً، بتلك السموم، أو تؤثِّر على صحته حتى الموت.

 

– ((أو أشياء للتعقيم))، وهذا مما يركِّزون عليه بشكل كبير، مجال العقم، إصابة الناس بالعقم؛ حتى لا يتكاثروا؛ لأنهم يعملون على تحديد النسل في سياق استهدافهم لهذه الأمة وإبادتها.

 

– ((أو تورِّث عندك أمراضاً مستعصية))، وهذا مما يركِّزون عليه، ولديهم الإمكانات لذلك مع تقدُّمهم العلمي، ومع سيطرتهم على الشركات التي هي متطوِّرة في صناعة أشياء كثيرة من المواد السامة، عناصر كثيرة، هذا على المستوى البدني، على المستوى الصحي.

 

– ثم كذلك حتى على المستوى النفسي، ((تقتل عندك الاهتمام، تصبح إنساناً بارداً، لا تهتم ولا تبالي))، ولديهم ما يؤثِّرون به على الحالة البدنية، والحالة الذهنية، والحالة الصحية، والحالة النفسية.

 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}[البقرة:104]، يعني: نجد دروساً مهمة جداً تستفاد من هذه الآية، وهذا بعض ما يستفاد من هذه الآية، كما تحدَّثنا بالأمس وقبل الأمس، أنَّ ما يقدَّم من هدى الله “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”، لا يستنفد ما في الآيات المباركة، التي قال الله عنها: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ}[لقمان:27]، هداها واسع جداً، هذا بعض ما يستفاد منها، وهو مهم جداً.

 

إذاً نستفيد الكثير من الأمور، التي تحدَّثنا على ضوئها مما قدَّمه شهيد القرآن “رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ”:

 

– كيف هو تركيز الأعداء على الاختراق، واستغلال كل الثغرات في كل المجالات.

 

– وأهمية تشخيص الثغرات، وكشف المخطَّطات، وتقديم إجراءات تحصِّن الأمة وتقيها من ذلك.

 

– وأكَّدنا على أهمية الاستفادة مما ورد في اعتراف الخلايا، عن أساليب الأعداء وما يركِّزون عليه.

 

– نبَّهنا على أنَّ مجالات الاختراق متنوعة، لأهداف كثيرة في الاستهداف للناس، وأنَّ البعد عن هدى الله يهيئ أرضية خصبة لنجاح مؤامرات الأعداء في كل المجالات، ولتفكيك وبعثرة هذه الأمة، هم يشتغلون على أشياء كثيرة جداً.

 

إذاً في الملخــص نلحــظ:

 

– أهمية ترسيخ التسليم لله، في التعامل مع هدى الله بالالتزام الحرفي، دون إخضاع المواضيع والأمور للتقديرات الشخصية، والنظرة القاصرة، وكيف أنَّه ينبع من التفريط في التسليم لله: الإعراض عن هدى الله.

 

– أيضاً كيف أنَّ ((هذه الآية المباركة تعطي منهجاً مهماً جداً في الصراع مع اليهود، أي: هي ترسِّخ عند المسلمين حالة على مستوى عالٍ من اليقظة، والحذر، والانتباه، واتِّخاذ موقف أمام أي شيء من اليهود، وإن كان لا يزال نيةً في أعماق أنفسهم))، وكيف أنَّ المسلمين لما فقدوا هذه التربية، لم يعد لديهم اهتمام حتى بما يشاهدونه، ويلمسونه، ويحسون به من اليهود ضدهم.

 

– لاحظنا أهمية الاستقامة، وتحسين الوضع الداخلي، وأنَّ ((مفتاح أن يضرَّك العدو ويهزمك من عندك أنت، إذا كنت مستقيماً تسير على هدي الله، على كتاب الله، فلن يضرك العدو، وستهزمه مهما كان، {وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا}[الفتح:22])).

 

– دروس في الجانب الأمني، في إقفال المجالات التي فيها ثغرات للأعداء.

 

– شهادة فيما يتعلَّق بالمقاطعة الاقتصادية، قاطع المسلمون كلمة، ليس تأثيرها كما تأثير الجانب المادي الهائل، الذي يمكِّن الأعداء على مستوى التمويل لمؤامراتهم ومخطَّطاتهم، وعلى مستوى إلحاق الأضرار البالغة بهذه الأمة، فيما يدسُّونه في منتجاتهم تلك، مما يلحق الضرر الكبير صحيّاً ونفسياً… وجوانب كثيرة في الاستهداف لهذه الأمة.

 

هذا بعضٌ مما نستفيده من هذه الدروس، الاستفادة أيضاً متاحة بشكل مباشر من دروس من هدي القرآن.

 

نَسْألُ اللَّهَ “سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى” أَنْ يُوَفِّقَنَا وَإِيَّاكُم لِمَا يُرْضِيه عَنَّا، وَأَنْ يَرْحَمَ شُهْدَاءَنَا الأَبْرَار، وَأَنْ يَشْفِيَ جَرْحَانَا، وَأَنْ يُفَرِّجَ عَنْ أَسْرَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَنَا بِنَصْرِه، إِنَّهُ سَمِيْعُ الدُّعَاء.

 

وَالسَّــــــلَامُ عَلَيْكُـــمْ وَرَحْمَـــــةُ اللَّهِ وَبَـرَكَاتُـــــهُ؛؛؛

قد يعجبك ايضا